أحمد كرماني: الطابع الاحتفالي للمسرح الشعري قراءة تأويليةفي مسرحية كرمة ابن هانئ للشاعر فراج مطاوع.

د .أحمد كرماني ★
رغم حرص الشاعر فراج مطاوع على أن ينهي مسرحيته البديعة بقوله : ” كان لابد من رد الفضل لأهله؛ وقد بدأ أحمد شوقي مسرحنا الشعري ، فما بالنا لا نحكي عنه في مسرحية شعرية “، فإني بكل ثقة وحزم أقول ليست مسرحية كرمة ابن هانيء عن شوقي وحده، بل عن القصيدة التي نحتاجها اليوم: قصيدة تعترف بجراحها، تعيد تأويل تاريخها، لا تخشى المواجهة، وتبحث عن مكانها في عالم مهدد بالضجيج والفراغ. المسرحية تقول لنا: الشعر لا يموت، لكنه يُنسى، والمكان لا يفقد معناه، لكنه يُهمل، والاحتفال بالشعر هو في جوهره احتفال بالإنسان في هشاشته ومجده، في نفيه وحنينه، في قدرته على إعادة خلق العالم بالكلمة.
أجاد الشاعر فراج مطاوع حبكة مسرحيته ، وصاغها على لسان راووين رئيسين ، شهاب ذاك الشاعر الشاب غير المهندم الذي يبدو عليه الإرهاق في إشارة رمزية قد يفهم من ظاهرها تشوقه لزيارة الكرمة ، وأراها إشارة رمزية لحال شعرية معاصرة قد تبدو بعد شوقي من وجه نظري مجهدة ، هذا الراوي شهاب فيما أرى يمثل حالنا المعاصر وأسئلتنا عن حارضرنا وماضينا ، أما الراوي الرئيس فهو ذلك الشاب المتقنع بقناع أمير الشعر ورمز التجديد في أصالة . فهو المعلم و مصدر إجابتنا وهدايتنا ، هو المنار في الطريق.
(1) الكرمة كفضاء شعريًا
في مسرحية “كرمة ابن هانئ” يتبدى المكان كائنًا حيًا ، يتنفس ، ويتألم ، يحتفل ، يبعث الأسئلة ، الكرمة هنا جسد يتشكل مع كل حدث ، يتلون مع المشهد ، يتحول من مزار إلى محراب ، من ذاكرة إلى نداء ، من حضرة إلى ساحة جدال ، ليست الكرمة مجرد إطار جغرافي للأحداث كسكنى للبطل الرئيس شوقي ، أو مسرحًا صامتًا يدور فوقه الفعل الدرامي، تبدو لي الكرمة هنا موضع الذاكرة الجمعي ، مكانا ينبض باعتباره كيانًا رمزيًا يحتشد فيه المعنى ويتكثف الدال، ويتحول إلى شخصية فاعلة في النص، بل إلى بنية مركزية تتقاطع فيها الأزمنة، وتتجاور فيها الأصوات، وتتشابك فيها الذاكرة الجمعية مع الذات الفردية، حين تتقاطر شخوص التاريخ ، تصلح الكرمة بهوًا للحضور المتعدد ، بلتقي من خلالها الغائب بالحاضر وتتلاشى حدود الزمان ، إنها كما تبدو لي ساحة رحبة تنعقد فيها جدلية التاريخ والشعر ، وهي يذلك ؛ تغدو “الكرمة” ساحة احتفال مركب، يتجلى فيها ما يسميه هانز-جورج جادامر في كتابه “الحقيقة والمنهج” بـ”انكشاف الحقيقة من خلال التجربة الجمالية” ، حيث لا يُعاد إنتاج الماضي كذكرى جامدة، بل يُستدعى الحاضر بوصفه زمنًا حيًا تتقاطع فيه التجارب، وتشتبك فيه الأسئلة، ويتفتح فيه المعنى من جديد. الكرمة، بما تحمله من ظلال أحمد شوقي وذكراه، لا تُقدم كمعلم مكاني صامت، بل تُستعاد كحضور نابض بالشعر، تتردد فيها أصداء قصائد شوقي، وتتعالى فيها أصوات المتألمين، وتتجدد فيها النداءات إلى الجمال والحق والمعنى، حتى تصبح الكرمة فضاءً للاحتفال بالشعر، وملتقى للذاكرة، ومحرابًا للتأمل في جدوى الكلمة في زمننا زمن غربة الشعر.
يتجلى ذلك بوضوح منذ لحظة دخول شهاب إلى الكرمة، حين يُقبل الأرض كمن يطأ أرضًا مقدسة، ويهمس قائلاً: ” أحقا هذه داره؟ ، أصدقا هذه الكرمة ؟ (يهوي على الأرض يقبل الثرى ، ثم يقوم متمسحا بالحيطان )أقبل أرض أحبابي ، وأستلقي على العتبات… أتيت إليك مشتاقا ، وغيري فاقد للحس ؛ فزملني ودثرني وعلمني خبايا السحر ، وكيف يصاغ ألحانا ؟ وكيف يسيل في الأسماع إيقاعا وتريقا ، أتيت إليك مشتاقًا ” فيلتقط القارئ أن الكرمة هنا ليست ترابًا فحسب، بل مقامًا شعريًا، وفضاء ذاكرة متقدة، ومسرحًا رمزيًا يحتشد فيه الشعر بوصفه فعل مقاومة، لا بوصفه صنعة زخرفية. هذا التقديس للمكان، المفعم بحس عرفاني، يُعيدنا إلى مفهوم الاحتفال الجادامري، الذي يرى أن الاحتفال ليس طقسًا عابرًا بل هو “لحظة انكشاف الحقيقة من خلال الحضور الجمالي”، حيث يذوب الزمن الخطي، ويتحول العمل الفني إلى حدث وجودي، يندمج فيه الفرد بالجماعة، والماضي بالحاضر، والذات بالآخر. في “كرمة ابن هانئ”، لا تعود الكرمة ملكًا لشوقي وحده، بل تصبح رمزًا مشتركًا، تتقاطع فيه أصوات الشعراء، وذكريات الأندلس، وأصداء القاهرة، وحنين شهاب إلى معناه الضائع. تتحول الكرمة إلى مسرح لغوي يُستدعى فيه طارق بن زياد، وعبد الرحمن الداخل، والمعتمد بن عباد، ومصطفى كامل، والفتاة الدمشقية، وكأن كل هؤلاء يحضرون ليشاركوا في طقس احتفالي شعري، حيث يلتقي الشعر بالتاريخ، والحب بالخذلان، والهوية بالمنفى، وتصبح الكرمة ساحةً لانكشاف الأسئلة الكبرى: ماذا يعني أن تكون شاعرًا؟ وكيف يمكن للكلمة أن تكون بيتًا للروح في عالم متصدع؟
(2) مسرحية كرمة ابن هانئ كاحتفال بالشعر والذاكرة الجمعية
تبدو لي مسرحية “كرمة ابن هانئ” ليست مجرد مسرحية عن شوقي، بل طقسا شعريا – تاريخيا يحتفي فيه بالهوية الثقافية العربية، عبر استدعاء شوقي، واستحضار رموز الأندلس (طارق بن زياد، صقر قريش، المعتمد بن عباد). هذه الشخصيات التاريخية تتحول إلى أيقونات احتفالية، تُدعى إلى مائدة الوعي المعاصر لتذكيرنا بالأسئلة الكبرى: ماذا خسرنا؟ وكيف ننهض؟
فحضور هذه الشخصيات ليس وثائقيًا، بل رمزيا ، يجمع بين الغياب والحضور، بين الرمز والإنسان، ويجعل المتلقي يشارك في هذا الاحتفال الرمزي، حيث الزمان والمكان يتلاشيان، ويتحول المسرح إلى كرمة يتفتح فيها المعنى. جادامر يرى أن الفن احتفال، لأنه يكشف الوجود ويُعيد توصيلنا بجذورنا الإنسانية. في الفن، كما في الاحتفال، نتجاوز أنفسنا، وندخل في “لعب” كوني يجعلنا جزءًا من نسيج المعنى العام. وهذا الاحتفال هو حضور حي لا يقبل التشييء أو الاستهلاك، بل يستدعي التأمل، والمشاركة، والاندماج، يقول جادامر في الحقيقة والمنهج ” إن الاحتفال ليس مجرد حدث، بل هو تجربة زمنية تُعيد تشكيل الوعي، حيث يتوقف الزمن اليومي، وينفتح الأفق على اللحظة الخالدة. في الاحتفال، لا يكون الفرد متفرجًا خارجيًا، بل جزءًا حيًا من التجربة، يندمج فيها ويُذوّب حدوده الذاتية ليلتحم بما هو مشترك. وهكذا، يصبح الاحتفال حدثًا يتجاوز اللحظة العابرة ليخلق معنى متجددا للحياة.
أ- شوقي الشاعر ككائن لغوي متجدد
استدعاء شوقي في المسرحية ليس تمثالا جامدا، بل إحياء لشاعر في أفق جديد. النص لا يقدم شوقي كأمير للشعراء فقط، بل يعيد إيجاده كشخصية إنسانية تعيش القلق، والحب، والفقد، والانتماء، والحنين، والمواجهة مع ا. بهذا، تتحول المسرحية إلى عيد للشعر نفسه، وللشاعر كصوت حي، لا كتاريخ مجمد.
في مشاهد المسرحية، لا نرى شوقي وحده، بل نرى معه شهاب، وطارق بن زياد، والمعتمد، والخديوي، ومصطفى كامل، وفتاة الشام… إنها جوقة إنسانية متعددة الأصوات، تصنع الاحتفال بالهوية، بالتاريخ، بالشعر. المتلقي لا يبقى خارج هذه الدائرة، بل يُستدعى للمشاركة في هذا الاحتفال، ليعيد تأمل ذاته ومجتمعه. في الاحتفال الجادامري، لا يكون الزمن خطيًا، بل دائريًا، يعود فيه المعنى ويتجدد. يقول جادامر في تجلي الجميل : ” إن الطابع الاحتفالي يملك نوعا من الزمنية الخاصة به .. ففي العرض التمثيلي (المسرحي) يصبح الزمان هو اللحظة الثابتة لحضور سام يصبح فيه الماضي والحاضر شيئا واحدا في فعل التذكر ” وهذا ما تفعله المسرحية: تُعيد الزمن العربي إلى لحظة الأندلس، إلى زمن شوقي، ثم إلى زمن شهاب، وتدعو المتلقي لأن يرى ذاته بين هذه الأزمنة المتداخلة. الاحتفال هنا ليس حنينًا خالصًا للماضي، بل انفتاحًا على الحاضر وإمكانية التجدد. عبر أسئلة عدة ومحاور متباينة تُثير مسرحية “كرمة ابن هانئ” قضايا متعددة تتقاطع فيها الأبعاد النقدية، والاجتماعية، والإنسانية، ما يجعلها عملًا مركبًا لا يُكتفى بقراءته بوصفه سردًا دراميًّا أو احتفاءً بذكرى شاعر كبير، بل نصًا مشحونًا بأسئلة العصر والإنسان والمصير. وفيما يلي أبرز القضايا التي تتناولها:
أولًا: القضايا النقدية والفنية
ـ ماهية الشعر ووظيفته
تطرح المسرحية سؤالًا محوريًا: ما الشعر؟ ومن الشاعر؟ وهل يُمكن أن يكون الشعر خلاصًا روحيًّا أم ترفًا لغويًّا؟ تتجسد هذه الإشكالية من خلال شخصية “شهاب” الباحث عن قدوة، وشخصية “شوقي” التي تمثل قمة تقليدية يُراد لها أن تبعث بروح جديدة. المسرحية تُعيد التفكير في مكانة الشعر بين الفنون، وتُسائل العلاقة بين القصيدة والحقيقة، بين الشعر والسلطة، بين الشكل والمضمون.
ـ التقليد والابتكار في التجربة الشعرية
تُسلّط المسرحية الضوء على التوتر بين إرث شوقي الكلاسيكي ومطلب التجديد الشعري، خاصة من خلال محاورة “الفتاة الشامية” التي ترفض شعر الغزل المصنوع. بهذا تطرح المسرحية جدلية قديمة متجددة: هل يكفي أن تُتقن الأوزان والقوافي لتكون شاعرًا، أم لا بد من “وهج داخلي” يشعل الكلمة؟
ـ المسرح الشعري كفن مركب
بدمجها بين الشعر والحوار الدرامي، تُقدّم “كرمة ابن هانئ” نموذجًا متقنًا للمسرح الشعري العربي، وتُعيد طرح أسئلة حول إمكانية مزاوجة الغنائية بالدرامية، والفكر بالانفعال، والرمز بالحدث، دون أن يفقد النص تماسكه أو أثره.
ثانيًا: القضايا الاجتماعية
المثقف في مواجهة الفقر والتهميش
يتجلى ذلك في شخصية “شهاب”، الشاعر الفقير الذي يُعاني من الجوع، ويُذلّ في المقاهي، ولا يستطيع حتى شراء ثياب تليق بندوة شعرية. هذا التناقض الحاد بين القيمة الجمالية التي يمثلها الشعر، والمكانة الاجتماعية الباهتة للشاعر، يفتح ملفًا بالغ الأهمية عن علاقة المجتمع العربي بالمبدعين، وعن كيفيّة سحق المواهب في بيئات لا تُنصف الخيال والإبداع.
الطبقية الثقافية والتربوية
المسرحية تقارب بين نشأة شوقي الأرستقراطية التي فتحت له أبواب البلاط، ونشأة شهاب المهمّش الذي يكتب من على أرصفة التعب. في ذلك مساءلة للقيم التي تحكم الحراك الثقافي: هل النجاح الفني مشروط بالانتماء الطبقي؟ وهل تُصنع الموهبة في المعاهد أم في التجربة الحياتية المرّة؟
–المرأة في المجتمع والتكوين الشعري
رغم أن المرأة لا تظهر كثيرًا على مستوى الحضور الجسدي، فإن تأثيرها عميق: الجدة، الأم، الحبيبة الشامية. كلهن يشكّلن ضمير شوقي وسرّ تحوله. المسرحية تكرّس المرأة كفاعل ثقافي وإنساني، وإن كان حضورها رمزيًا في الغالب.

ثالثًا: القضايا الإنسانية والفكرية
الهوية والانتماء
تثير المسرحية أسئلة وجودية حول الانتماء: شوقي بين القاهرة وباريس، بين العربي والمتوسطي، بين العثماني والمصري. في نفيه الأندلسي، لا يعود شوقي إلى مكان فحسب، بل إلى تاريخ أضاعه العرب، فيمرّ بالفتح، والمجد، والانهيار، وكأن أندلسه استعارة كبرى لهوية لا تزال تنزف.
المنفى بوصفه قدرًا ومرآة
المنفى في المسرحية ليس فقط جغرافيًا، بل هو نفسي ووجودي. كل شخصية في المسرحية منفية بطريقة ما: شهاب منفي من معنى الشعر، شوقي منفي من وطنه، طارق بن زياد منفي في ذاكرة لم تعد تُنصفه. النص يجعل المنفى لحظة تأمل وتحوّل، حيث لا يُستعاد الوطن إلا بمرآة الشعر.
الذاكرة الثقافية كجسر بين الأجيال
عبر استدعاء شخصيات من الماضي (طارق، المعتمد، عبد الرحمن الداخل)، تُحاول المسرحية بناء جسر بين القديم والجديد، لا من أجل تمجيد الماضي، بل لفهم الحاضر. إنها لا تستدعي التاريخ بوصفه زينة بل درسًا، وتطرح سؤالًا صعبًا: كيف نستثمر ذاكرتنا دون أن نقع في أسرها؟ “كرمة ابن هانئ”إذن ؛ عمل متعدد المستويات، يُجري حوارًا بين الشعر والتاريخ، بين الذات والآخر، بين الجيل القديم والجيل الجديد. تطرح المسرحية قضايا جوهرية لا تخص الشعر وحده، بل تخص معنى أن تكون إنسانًا في زمن تتغير فيه القيم وتتحول ، وأن تكتب في عالم لا ينصت، وأن تحب في زمن تسيّده البرود، وأن تؤمن بالجمال في عالم مهدد بالقبح.
3- مسرحية كرمةابن هانئ /الاحتفال بوصفه فعل مقاومة
الاحتفال، عند جادامر، ليس هروبًا من الألم، بل تجاوزه عبر الفن. وهكذا، تتحول “كرمة ابن هانئ” إلى فعل مقاومة ضد التهميش، ضد نسيان الشعراء الحقيقيين، ضد سحق الذاكرة الجماعية، ضد خيانة التراث. المسرحية نفسها، بوصفها نصًا شعريًا، هي احتفال مضاد للزمن الاستهلاكي الذي ينسى الشعر. بدت لي المسرحية وهي : تحتفل بالشعر كقوة خلاق، .تحتفل بالهوية العربية ككينونة مفتوحة لا مغلقة.تحتفل بالماضي لا كحنينٍ، بل كدرسٍ وتأمل.تحتفل بالشاعر لا كرمز ميت، بل كصوت حي ينبض بالأسئلة.تحتفل بالإنسان، في ضعفه وقوته، في نفيه وحنينه، في وحدته وجماعيته.المسرحية ليست مجرد نص، بل حدث حي يتجدد في كل قراءة، وكل مشهد منها هو طقس جمالي يجعلنا جزءًا من لعبة الشعر الكبرى. هي دعوة لأن نحتفل، لا بشوقي وحده، بل بقدرتنا على إعادة بعث المعنى، وفتح القصيدة على فضاءات الأمل.
في المسرحية ؛ سؤال التقليد والتجديد في شعر شوقي، كما يطرحه نص “كرمة ابن هانئ”، يتشابك بعمق مع سؤال هل شعر شوقي مرآة لعصره أم مرآة لذاتيته؟، ليشكّلا معًا نواة فلسفية للنص، تُعيد مساءلة الصورة المألوفة لشوقي كأمير للشعراء، وتفتح أفقًا تأويليًا يعيد النظر في معنى الشعر، ووظيفته، وحدوده. في قلب المسرحية، يُستدعى شوقي بوصفه رمزًا للشعر العربي الحديث، ولكن هذا الاستدعاء لا يتم بوصفه صورةً منقوشة على جدار التاريخ، بل بوصفه صوتًا حيًا، وكيانًا بشريًا مفعمًا بالتناقضات. شهاب، هذا الشاعر الفقير يُعيد طرح قضية شوقي بين التقليد والتجديد: هل كان شوقي شاعرًا يجترّ تراث القدماء، متمسكًا بالأوزان والقوافي والأغراض التقليدية، أم كان شاعرًا حاول أن يجدد في إطار التراث؟ المسرحية لا تقدم إجابة جاهزة، بل تضع شوقي في مواجهة مع ذاته، ومع تاريخه الشعري، ويُعيد السؤال: هل كان شوقي شاعر عصره حقًا، أم كان شاعر سلطة عصره؟ وهل كان شعره انعكاسًا لذاته المقهورة، أم مرآة لزمنه المضطرب؟
جاء على لسان شهاب ، على لسان عصرنا :
شهاب: وعذرًا منك أستاذ لقد أهدرت أعوامًا
تصوغ المدح .. تقليدًا لمن سبقوا
كأنك تابع .. تمشي على درب من الأشواك
شوقي : وبعض البر قد يضني الفتى ويضر
شهاب: ولكن هل ندمت الآن ؟
ولو عادت بك الأيام
تمحوها من الديوان ؟
شوقي: لقد أبعدت في ظنك.. ولوعادت بي الأيام..عدت لمدح من ملكوا..فهم أعطوا .. بنوا ملك ..فحقهم الوفاء إذن.. وإلا كانت الدنيا بلا أخلاق
شهاب (مبتسمًا)
وأنك شاعر الأخلاق
شوقي : وهاك الدافع الآخر
فهذا شاعر الدنيا أبو الطيب
ألم يمدح .. ألم ينزح لقاء المال؟
شهاب: بلى .. لكنه أبد..
أراد الخير للأمة
فمجد ذكر وقعات
وصاغ بطولة الأبطال ضد الروم
شعرًا صادق النبرات
شوقي : أنا أيضًا أردت الخير للأمة
وكان الملك ساعتها بكف خليفة الإسلام في أسطنبول، مدحت خليفة الإسلام
شعرًا رائعًا مصداق
كذلك صغت في عباس مدحًا صادقًا دفاق
وعباس كما قد سطر التاريخ
لم ينهض سوى بالخير ضد إرادة المحتل
لذاك نفوه عن ملكه
ألم تقرأ كذا التاريخ
وجاءوا بابن عم له
يؤازرهم وودوا لو ينافقهم
وهذا الصدق في شعري نفاني خارج الأوطان
الشعر عند شوقي، كما يُقدمه النص، هو مزيج معقد: فهو من جهة مرآة لعصره، بمعنى أنه سجل لحظات التمدن والانفتاح على الغرب، وتأريخ للأحداث الكبرى، ومديح للملوك، وتوثيق لحركة الأمة في لحظة حرجة من التحولات السياسية والثقافية.
وعلى مستوى آخر، تُلمح المسرحية إلى أن شوقي لم يكن شاعر ذاته فقط، بل كان شاعرًا ممزقًا بين الذاتي والجمعي: حبه للفتاة الدمشقية الذي لم يجرؤ على التعبير عنه، حزنه المكتوم، نفيه الذي لم يصغه إلا شعريًا، كل ذلك يكشف عن شاعر يكتب بلسان العصر أحيانًا، لكنه يخفي صوته الحقيقي أحيانًا أخرى :
جاء على لسان الفتاة: وأين فؤادك الفياض يا شاعر؟
ألا تحكي عن الدفق العنيف به؟
ألا تتلو لنا الآيات
عن حب حواه القلب ؟
شوقي : أصبِت القصد من جرحي ؛
لقد نُّشئُت حين نشأت
بين مراقبين ثالث:
فهذي جدتي تخشى
انفلات الشاب في القصر
فتعقل طائش الإحساس في نفسي
تظل تحّد من شغفي
ومن توقي إلي غرام
وهذا سيد القصر
وهذي نفسَي الخرساءُ يراقب كل أفعالي وأقوالي تأمرني وتنهاني
وخلت بأنني إن قلت في غزل
ســأحسب من شرار الخلق
فآثرت السالمة لما احترت في أمري
الفتاة : فهذا في كهوف القصر
في الجّب الذي ضمك
فأنت الآن في باريس
حيث مسارح الغزلان
فأين النبض أين الحب
أين الشعر يا شاعر ؟
المسرحية، إذًا، تجعل من شوقي نموذجًا معقدًا: شاعر كتب عصره، لكنه أحيانًا زوّق الصورة بدل أن يعرّيها، وأحيانًا خنق ذاته لحساب الجماعة أو السلطة. هو شاعر التقليد حين يمجّد الملوك، وشاعر التجديد حين يكتب المسرح الشعري، ويدخل إلى فضاءات لم تطأها القدماء. هو شاعر الملوك ، والخارج عنهم في آن ، وفي هذا التناقض تكمن عظمة شوقي ومأزقه معًا
هكذا تطرح المسرحية سؤالًا مفتوحًا: هل كان شوقي مرآة لعصره، يعكس تطلعات الأمة ومشاعرها؟ أم مرآة لذاتيته المترددة بين المجد والخوف، بين التوق إلى الحب والانصياع للأمر؟ النص لا يعطي إجابة قاطعة، بل يجعل من هذا السؤال نفسه احتفالًا بالاختلاف، ولحظة تأمل في معنى الشعر: هل الشعر قول ما يريد الزمن سماعه؟ أم ما تحتاج الذات إلى البوح به؟ هل الشعر شهادة على العصر، أم شهادة على الشاعر نفسه؟ وهل يمكن أن يكون الشعر شهادة على الاثنين معًا، كما كان شوقي أحيانًا، وكما يأمل شهاب أن يكون؟
المسرحية لا تقع في فخ التمجيد الساذج للماضي، بل تضعه موضع مساءلة، فالكرمة ليست فقط مكان شوقي، بل مسرحًا للجدل بين شهاب وشوقي، بين الأندلس والقاهرة، بين العزلة والاحتفال، بين الفقد والأمل، تفسح مجالا للنقد ، جاء على لسان شهاب معلقًا على المقدمة الغزلية في نهج البردة :
فهل راقت لها الأبيات في الغزل ؟
وهل قد أبدت الإعجاب ؟
شوقي : لقد فزعت لِما ألقيت من غزل !
وقالت إنه غزل صناعٌّي
وتقليد ألشعار مضت قبلي
وأني أوثر الكلمات والألفاظ على المعنى … على المضمون
شوقي نفسه يُعيد النظر في تجربته، ، بحبّه الخائف الذي كبته فتتحوّل المسرحية إلى مساحة اندماج أفقين كما يقول جادامر: أفق الماضي بكل حمولاته الجمالية والسياسية، وأفق الحاضر بكل أزماته وتساؤلاته. حين يقف شهاب في الكرمة، هو لا يقرأ شوقي بوصفه تمثالًا، بل بوصفه حوارًا مفتوحًا، نصًا يُعاد تأويله، تجربة تُستدعى لتُفحص في ضوء أسئلة اليوم. هذا هو جوهر الاحتفال عند جادامر: ليس تكرار الطقس بل انفتاح على معنى يتجدد في كل مرة نلتقي فيها بالنص، وكل قراءة هي احتفال جديد، وكل احتفال هو إعادة تشكيل للمعنى.
المسرحية، إذن، تُعيد فتح سؤال الشعر كضرورة وجودية: ليس الشعر ترفًا، بل حاجة روحية، “بلسم الجراح”، كما يقول شهاب، ومكان للبوح حين تخنقنا الأصوات العالية. لكنها في الوقت نفسه تُحذر من أن يصبح الشعر قناعًا للتزييف، حين يغدو مدحًا للسلطة، أو تكرارًا باهتًا لصيغ قديمة ،فهي تطرح سؤالًا لا يزال معلقًا: هل الشعر اليوم قادر على أن يكون صرخة؟ أن يكون فعل مقاومة؟ أن يكون ملاذًا للمعنى؟
من وجهة نظري ، تأتي الكرمة كفضاء لفتح هذه الأسئلة لا للإجابة عليها، فهي ليست متحفًا مغلقًا بل ساحة احتفال حيّة، يُعاد فيها التفكير في الشعر، والحب، والمنفى، والهوية. المكان هنا ليس ديكورًا، بل كيان تأويلي حيّ، يتحول مع كل لحظة، مع كل حوار، مع كل استدعاء. هكذا يصبح الماضي في المسرحية طاقة للحوار لا للتجميد، والاحتفال ليس مجرد ذكرى بل حدثًا حيًا يعيدنا إلى ذواتنا، كما يقول جادامر: “الاحتفال هو لحظة يتجدد فيها المعنى، وينكشف فيها الوجود، ويُضاء الحاضر بوهج الماضي.”
فيما يبدو لي ، كرمة ابن هانئ ليست عن شوقي وحده، بل عن القصيدة التي نحتاجها اليوم: قصيدة تعترف بجراحها، تعيد تأويل تاريخها، لا تخشى المواجهة، وتبحث عن مكانها في عالم مهدد بالضجيج والفراغ. المسرحية تقول لنا: الشعر لا يموت، لكنه يُنسى، والمكان لا يفقد معناه، لكنه يُهمل، والاحتفال بالشعر هو في جوهره احتفال بالإنسان في هشاشته ومجده، في نفيه وحنينه، في قدرته على إعادة خلق العالم بالكلمة.
4- تجليات تحويل النص إلى المشاهد المسموع صناعة احتفال :
بحرفية عالية استطاع الكاتب تخطي حدود الكتابة النصية ، الكاتب في داخل المسرحية ليرسي دعائم الإخراج الفني والتمثيلي لمسرحية “كرمة ابن هانئ”، فهي بُعد أساسي لفهم هذا العمل الشعري-المسرحي بوصفه نصًا-عرضًا لا يُكتفى بقراءته على الورق، بل يُراد له أن يُرى، ويُسمع، ويُؤدّى، ويُعاد خلقه على المسرح.
يسهم الكاتب ببراعة في تصوّر الأداء، في خلق التكوينات الجمالية، وفي تحديد الإيقاع الداخلي للمشاهد. إنه لا يكتب جُملاً لتُقرأ، بل يكتب مشاهد تتحرك، وأصواتًا تتجاور، وأجسادًا تتفاعل، ويُحيل القارئ-المخرج-الممثل-الجمهور إلى مجال احتفال مشهدي حي، في النص، نجد الكاتب يُحدّد أماكن المشاهد وأزمنة الأفعال، ويقترح تنقلات الإضاءة، ويتخيّل توزيع الممثلين في الفضاء، بل يخلق توترًا دراميًا بين الصوت والصمت، بين الحضور والغياب، بين الظهور الواقعي والظهور الرمزي. على سبيل المثال، حين يدخل شهاب إلى الكرمة، لا يكتفي النص بالوصف، بل يُعطي المشهد بعدًا أدائيًا واضحًا يقبل شهاب الأرض ببطء، ثم يرفع رأسه إلى السماء كمن يصلي، وتتردد موسيقى خافتة من بعيد، تُمزج بصوت الرياح.”
هذا التوجيه البصري-السمعي يُدلل على أن الكاتب يُفكر في الكينونة المسرحية للنص، لا في كلماته فحسب، ويُصمم لوحات احتفالية تتجاوز الكلمة إلى الجسد، إلى الموسيقى، إلى الضوء، إلى الإيماءة.
كما تتجلى مشاركة الكاتب في الإخراج الفني من خلال توظيفه تقنيات التداخل الزمني والفضائي، فالنص لا يتحرك في خط سردي خطي، بل يفتح المجال لتقاطع الأزمنة والأماكن: القاهرة، الأندلس، باريس، الكرمة. في لحظة واحدة، قد يظهر شوقي وهو ينشد قصيدة، بينما يمرّ شهاب في الخلفية كطيف، وتظهر الفتاة الدمشقية في ركن آخر، بينما يعلو صوت الأذان أو ترتفع أنغام موسيقى أندلسية. هذا التداخل ليس صدفة، بل هو تصميم مشهدي يُراد به إحداث صدمة جمالية، وإشراك المتلقي في لعبة الاحتفال حيث تتفكك الحدود بين الأزمنة والأصوات والوجوه. الكاتب يُشارك أيضًا في صياغة الإيقاع المسرحي: هناك مشاهد سريعة متلاحقة، تتخللها لحظات صمت طويلة، كأن الزمن يتوقف ليتأمل، ثم تعود اللغة لتتفجر في مونولوجات شهاب، أو في خطبة شوقي، أو في حوار طارق والمعتمد. هذه التقطيعات الزمنية ليست عبثية، بل هي جزء من الرؤية الفنية للنص، حيث يُعاد تشكيل الإيقاع ليُشبه إيقاع الحياة: توتر وخفوت، صخب وصمت، حضور وغياب، في تماهٍ مع فلسفة جادامر التي ترى الفن كـ”لعبة كونية” تُعيد الإنسان إلى جوهره عبر التجربة الجمالية.
كما يُلاحظ أن الكاتب يُعطي أهمية خاصة للجسد والصوت في التمثيل، فهو يُصور الممثلين كـ”شخوص تتنفس الشعر”، لا كأداءات لفظية باردة. انظر مثلًا إلى لحظة ظهور طارق بن زياد، حيث يُوصف المشهد على النحو التالي:
” فهذا طارق بن زياد .. يرج بصوته
روحي إضاءة مذبذبة .. يؤَدى مشهد دخول طارق ابن زياد إلى أسبانيا بطريقة خيال الظل
فيما شوقي وشهاب في يمين المسرح .
يشير ويحرك يديه وكأنه يتحدث جيوش طارق
يعبرون المضيق في السفن فيما يقوم طارق
ليصّف الجيش ويأمر بحرق السفن ويصيح في جنوده
ابن زياد: يا أيها الجنود قد سألتم الله الشهادة..
وقد أجاب الله سؤلكم..
هذا العدو من أمامكم..
والبحر خلفكم
صورة السفن تشتعل فيها النيران
وليس في مقدورنا سوى..
انتصارنا على عدونا ..
هذا التوجيه( البصري- السمعي) يُحيل إلى أن الكاتب يرى العمل المسرحي حدثًا احتفاليًا كاملًا، حيث تُنسج الكلمات مع الصورة، والصوت مع الضوء، والجسد مع الفضاء، في توليفة جمالية تجعل المسرحية طقسًا لا نصًا فقط. لاسيما المشهد الختامي ( حيث يضاء المسرح كله ، فيما يكون شوقي مستمرًا في الإلقاء ،ثم تنحسر الإضاءة تدريجيًا ، ويسدل الستار ) في إشارة رمزية لبقاء شعر شوقي بينا يلقى حيا.
بهذا، يمكن القول إن الكاتب في “كرمة ابن هانئ” مخرج بالقلم، ومصمم رؤية مشهدية بالكلمات، وخالق فضاء احتفالي يجمع بين اللغة والجسد والصوت والضوء. النص لا يُكتب ليُقرأ في صمت، بل ليُؤدّى، ليُحتفل به، ليُعاد خلقه في كل عرض، تمامًا كما يرى جادامر أن الاحتفال ليس ذكرى متحفية، بل انكشاف حيّ للحقيقة في كل لحظة مشاركة.
وأخيرًا فإننا كم شاركنا النص في قراءته ومعايشة قضاياه التي هي قضايانا فإنني أرجو من الله أن نراه حيًا ممثلًا في قريب على خشبة المسرح فهو عمل بذلك جدير.
★كاتب ـ مصر.




