تشكيل

د.شرين طاهر:الطاووس وما بعد اللوحة.. إعادة تشكيل المشهد البصري عبر الواقع المختلط في تجربة أحمد جمال عيد.

د.شرين طاهر

ليست كل لوحة تُعلَّق على جدار تُسمّى فنًا، كما أن ليست كل صورة مرئية تُختزل في حدود سطحها. فبعض التجارب الفنية، حين تبلغ درجة معينة من النضج الجمالي والمعرفي، تبدأ في كسر الإطار ذاته الذي وُلدت فيه. عند تلك اللحظة لا تعود اللوحة مجرد مساحة للعرض، بل تتحول إلى فضاء للتجربة، وإلى مجال حيّ تتقاطع فيه الحواس والذاكرة والتكنولوجيا. ومن هنا تكتسب تجربة الفنان والأكاديمي الدكتور أحمد جمال عيد أهميتها، إذ لا تقف عند حدود التعبير التشكيلي التقليدي، بل تسعى إلى إعادة تعريف العلاقة بين الصورة والزمن والمتلقي، عبر مقاربة فنية تتجاوز مفهوم اللوحة بوصفها أثرًا بصريًا ثابتًا.


يحمل المشروع عنوانًا فنيًا شاعريًا هو «الطاووس»، غير أن هذا العنوان الجمالي يخفي خلفه رؤية بحثية أعمق، إذ تنطلق التجربة من إطار علمي يحمل عنوان «إعادة تشكيل المشهد البصري من خلال استخدام الواقع المختلط (Mixed Reality – MR) في إنتاج رسوم جرافيكية متحركة». وبهذا المعنى لا يمكن قراءة هذه الأعمال بوصفها مجرد مشروع فني، بل بوصفها محاولة معرفية لاستكشاف الحدود الجديدة للصورة المعاصرة، في لحظة تاريخية تتغير فيها طبيعة الوسائط البصرية بصورة غير مسبوقة.
إن اختيار الطاووس بوصفه العنوان الرمزي للتجربة ليس اختيارًا عابرًا. فالطاووس، عبر التاريخ، ارتبط في المخيلة الإنسانية بدلالات الجمال والبهاء والتجدد، كما ارتبط بفكرة الكشف البصري المتدرج، حيث تتفتح ألوان ريشه كما لو أنها طيف كامل من المعاني. وفي تجربة أحمد جمال عيد يتحول هذا الكائن إلى استعارة بصرية مركبة؛ فريش الطاووس لا يمثل مجرد زخرفة جمالية، بل يشير إلى فكرة الامتداد والتعدد، وإلى قدرة الصورة على احتواء طبقات متعددة من الرؤية.
إن اللوحات التي تشكل هذا المشروع لا تقدم عالمًا بصريًا واحدًا، بل شبكة من الرموز المتداخلة. فالمرأة الشرقية، التي تتكرر في عدد كبير من الأعمال، تظهر بوصفها مركز التكوين ومحوره الدلالي. غير أن حضورها لا يأتي بوصفه تمثيلًا مباشرًا للجمال الأنثوي، بل بوصفه كيانًا رمزيًا يحمل أصداء حضارية وثقافية متعددة. ملامحها الهادئة ونظرتها المتأملة توحي بحالة من السكون العميق، وكأنها تقف على تخوم زمنين؛ زمن الذاكرة وزمن الحاضر. ومن خلال هذا الحضور تتحول المرأة إلى جسر بصري يربط بين الطبيعة والإنسان، وبين الحلم والواقع.


إلى جانب ذلك، تتسلل الحيوانات والطيور إلى فضاء التكوين بوصفها عناصر دلالية ذات حضور رمزي. فالحصان والكلب والطاووس والطيور المختلفة لا تظهر هنا كزخارف جانبية، بل بوصفها علامات تشير إلى معانٍ تتجاوز حضورها الطبيعي. الحصان يستدعي فكرة القوة والاندفاع، والكلب يحيل إلى الوفاء والحراسة، أما الطيور فتشير إلى الحرية والتحليق. وبهذا المعنى تتحول هذه الكائنات إلى لغة رمزية تشارك في بناء السرد البصري للعمل، بحيث يصبح المشهد التشكيلي أشبه بخريطة من العلامات التي تتداخل فيها الطبيعة مع الذاكرة الثقافية.
أما على مستوى اللون، فتبدو اللوحات وكأنها تحتفي بطاقة اللون بوصفه عنصرًا تعبيريًا قائمًا بذاته. تتجاور درجات الأخضر والأزرق والذهبي في إيقاع بصري نابض، فتخلق فضاءً غنيًا بالحركة الداخلية. هنا لا يعمل اللون بوصفه وصفًا للواقع، بل بوصفه أداة لإعادة صياغته. إن اللون في هذه الأعمال يتصرف كما تتصرف الموسيقى؛ فهو ينسج إيقاعًا بصريًا يجعل المتلقي يشعر بأن اللوحة تتحرك حتى في لحظة سكونها.
غير أن فرادة هذه التجربة لا تتجلى في بنيتها التشكيلية وحدها، بل في المنهج التقني الذي تقوم عليه. فاللوحات هنا لا تقف عند حدود الصورة الثابتة، بل تنفتح على فضاء تفاعلي جديد عبر توظيف تقنيات الواقع المختلط (Mixed Reality – MR)، وهو مفهوم تقني يقوم على المزج بين الواقع المعزز (Augmented Reality – AR) والواقع الافتراضي (Virtual Reality – VR) داخل بيئة بصرية واحدة.
في هذا الفضاء الهجين لا تبقى اللوحة مجرد سطح مرئي، بل تتحول إلى بوابة عبور نحو طبقة أخرى من الصورة. فعندما يتفاعل المتلقي مع العمل عبر الوسائط الرقمية، تنكشف أمامه تفاصيل لم تكن مرئية في التكوين الأصلي. تبدأ العناصر في التحرك، وتتغير العلاقات البصرية داخل التكوين، فتتحول اللوحة من لحظة زمنية مجمدة إلى تجربة زمنية متحركة.
وهنا يتحقق التحول الجوهري في طبيعة العمل الفني. فاللوحة التقليدية لطالما ارتبطت بفكرة الزمن الثابت؛ لحظة يختارها الفنان ويجمدها داخل إطار بصري واحد. أما في تجربة «الطاووس» فإن الزمن يعود إلى اللوحة من جديد، لكن في هيئة سرد بصري متحرك. الطيور التي بدت ساكنة تبدأ في التحليق، والعناصر الزخرفية تتحول إلى إشارات سردية، وكأن العمل يروي قصة قصيرة تتشكل لحظة التفاعل.


ولا تقف هذه التجربة عند حدود الواقع المختلط وحده، بل تمتد إلى دمج هذا الوسيط مع تقنيات الفن التقليدي. فالبنية الأولى للعمل تبدأ من الرسم اليدوي والتكوين التشكيلي باستخدام أدوات الفن الكلاسيكي، قبل أن تنتقل إلى مراحل المعالجة الرقمية التي تعتمد على تطبيقات الذكاء الاصطناعي (Artificial Intelligence – AI) وخوارزميات التوليد البصري (Algorithms). ومن خلال هذه الخوارزميات يتم تطوير الصورة وتوليد احتمالات جديدة للحركة والتحول، قبل أن يعود الفنان مرة أخرى ليتدخل في صياغة الإيقاع البصري للعمل.


بهذا المعنى يمكن النظر إلى التجربة بوصفها حوارًا خلاقًا بين ثلاثة عوالم متداخلة: عالم الحرفة الفنية التقليدية، وعالم الوسائط الرقمية التفاعلية، وعالم الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة لتوسيع الخيال البصري. ومن خلال هذا الحوار تتشكل بنية فنية جديدة تجمع بين حساسية اليد البشرية وإمكانات التقنية المعاصرة.
إن هذه المقاربة لا تضع التكنولوجيا في مواجهة الفن، بل تجعلها امتدادًا طبيعيًا له. فالآلة هنا لا تحل محل الفنان، بل تمنحه مساحة أوسع للتجريب. والواقع المختلط لا يلغي اللوحة، بل يمنحها حياة أخرى تتجاوز سطحها المادي.


ومن هنا تبدو تجربة «الطاووس» أقرب إلى مختبر بصري يستكشف حدود الصورة المعاصرة. فالعمل الفني لم يعد كيانًا مكتملًا بمجرد انتهاء الفنان من تنفيذه، بل أصبح تجربة مفتوحة تتشكل مع كل مشاهدة جديدة. وفي كل مرة يدخل المتلقي إلى هذا الفضاء التفاعلي تنكشف طبقات أخرى من المعنى، وكأن العمل يعيد كتابة نفسه باستمرار.
هذا التحول في طبيعة العمل الفني يعكس تحولًا أوسع في فهم الفنون البصرية المعاصرة، حيث لم يعد العمل الفني محصورًا في وسيط واحد، بل أصبح جزءًا من منظومة متعددة الوسائط تتداخل فيها الصورة مع الحركة والتفاعل الرقمي. ومن خلال هذا التداخل تتغير طبيعة العلاقة بين الفنان والمتلقي، إذ لم يعد المتلقي مجرد مشاهد، بل أصبح شريكًا في التجربة الجمالية.
وفي ضوء ذلك يمكن النظر إلى تجربة الدكتور أحمد جمال عيد بوصفها محاولة استباقية لاستشراف مستقبل الفن التشكيلي في العصر الرقمي؛ تجربة تستوعب التحولات التقنية دون أن تفقد جذورها الجمالية، وتفتح أمام اللوحة أفقًا جديدًا يتجاوز حدودها التقليدية.


والجدير بالذكر أن الدكتور أحمد جمال عيد هو أستاذ دكتور في مجال التصميم والتواصل البصري، وأستاذ التصميم والتواصل البصري بالمملكة الأردنية الهاشمية، وصاحب تجربة أكاديمية وإبداعية واسعة امتدت بين البحث العلمي والممارسة الفنية. وقد حصل على عدد من الجوائز العربية والدولية المرموقة، من بينها جائزة الشارقة للبحث النقدي التشكيلي، وجائزة أفضل باحث عربي من جامعة أبوظبي، وجائزة الشارقة للإبداع العربي في مجال النقد، وجائزة اتحاد كتاب مصر في مجال النقد، وجائزة لجنة المسرح من المجلس الأعلى للثقافة بمصر، وجائزة إبداع من مهرجان دبي في الرسوم المتحركة، إلى جانب العديد من الجوائز الأخرى. كما صدر له عدد من المؤلفات والدراسات، وله حضور فاعل في المشهدين التشكيلي والنقدي على المستويين العربي والدولي.

د.أحمد جمال عيد


وفي ضوء هذه الخلفية الأكاديمية والإبداعية تبدو تجربة «الطاووس» امتدادًا طبيعيًا لمسار فكري وفني طويل يسعى إلى استكشاف حدود الصورة المعاصرة وإعادة تعريف العلاقة بين الفن والتقنية. إنها تجربة تلمّح، بهدوء وعمق، إلى مستقبل يبدو فيه الفن التشكيلي أكثر انفتاحًا على الوسائط الجديدة، وأكثر قدرة على إعادة اكتشاف ذاته في عالم يتغير باستمرار.


★باحثة في مجال التصميم والتواصل البصري.

مقالات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى