حسن غريب: الاشتياق بوصفه بنية أنطولوجية للذات: في ديوان «الاشتياق جعلني رائعة» للشاعرة علية عبدالسلام.


حسن غريب★
تسعى هذه الدراسة إلى مقاربة ديوان «الاشتياق جعلني رائعة» بوصفه مشروعًا شعريًا يؤسس لوعي أنطولوجي بالذات عبر تجربة الاشتياق بوصفه حالة نقص خلاّق.
تنطلق الدراسة من فرضية مفادها أن الاشتياق في هذا الديوان لا يُختزل في بعده العاطفي، بل يتجاوز ذلك ليغدو بنية وجودية تحكم تشكل الهوية، وتمثلات الجسد، وعلاقة الذات بالعالم. تعتمد الدراسة منهجًا تحليليًا تأويليًا يستند إلى مفاهيم الهوية السردية، والقلق الوجودي، واقتصاد اللغة الشعرية الحديثة، مع تطبيقات نصية دقيقة على عدد من قصائد الديوان.
الكلمات المفتاحية: الاشتياق، الهوية السردية، القلق الوجودي، الجسد، الشعر النسوي، البنية الرمزية.
أولًا : إشكالية البنية الأنطولوجية وأسئلتها
تتمثل الإشكالية المركزية في السؤال الآتي: كيف يتحول الاشتياق في هذا الديوان من تجربة وجدانية إلى بنية أنطولوجية تؤسس لوعي الذات بذاتها؟
ويتفرع عن هذا السؤال عدد من التساؤلات الفرعية:
كيف تتشكل الهوية داخل النص عبر آلية الانشطار ومخاطبة الذات؟
ما طبيعة العلاقة بين الجسد والرغبة والاعتراف في البنية الشعرية؟
كيف توظف التفاصيل اليومية بوصفها علامات رمزية ذات عمق وجودي؟
ما الدور الذي تؤديه اللغة المكثفة في بناء التوتر الدلالي؟

ثانيًا : المنهج والإطار النظري
تعتمد الدراسة منهجًا تحليليًا تأويليًا يقوم على القراءة الداخلية للنصوص، مع الاستفادة من:
مفهوم الهوية السردية الذي يرى أن الذات تتشكل عبر الحكي وإعادة السرد.
التصور الوجودي للحرية والقلق بوصفهما شرطين للوعي الإنساني.
القاربات الجسد في النقد النسوي الحديث التي تنظر إلى الجسد باعتباره فضاء دلالة لا موضوعًا خارجيًا.
النظرية اقتصاد اللغة الشعرية التي تؤكد أن التكثيف لا يعني الفقر الدلالي بل مضاعفة المعنى.
لا يُفرض الإطار النظري على النص فرضًا، بل يُستدعى بوصفه أداة تفسيرية تساعد على كشف البنى العميقة فيه.
ثالثًا : انشطار الذات وبناء الهوية
تبدأ الحركة الداخلية في الديوان عبر مخاطبة الذات باسمها.
هذه التقنية ليست مجرد أسلوب بلاغي، بل تمثل لحظة انشطار بين “الأنا المتكلمة” و”الأنا المُخاطَبة”.
هذا الانشطار يؤسس لمسافة تأملية تسمح بتشكيل ما يمكن تسميته بالهوية السردية؛ إذ لا تُعطى الذات بوصفها معطى ثابتًا، بل تُبنى تدريجيًا عبر سلسلة من الاعترافات والتساؤلات.
يتجلى ذلك في تكرار النداء، وفي توظيف ضمائر المخاطب والمتكلم بطريقة تعكس توترًا داخليًا بين الرغبة في التطابق والعجز عنه.
رابعًا : التفاصيل اليومية كبنية رمزية
تحتل التفاصيل الصغيرة مساحة واسعة في الديوان: الحذاء، الباب، الشارع، العصير، القيظ.
غير أن هذه العناصر لا تُستعمل بوصفها وصفًا واقعيًا، بل تتحول إلى رموز انتقالية.
الحذاء يمثل العبور المؤجل.
الباب يمثل العتبة بين حالتين وجوديتين.
القيظ يحيل إلى الاحتراق الداخلي.
السيول تشير إلى فقدان السيطرة.
بهذا المعنى، يتحقق ما يمكن تسميته بـ”تأنسن الأشياء”؛ إذ تتحول العناصر اليومية إلى مرايا تعكس التوتر الوجودي للذات.
خامسًا : الجسد والرغبة وإعادة تعريف الاعتراف
يمثل حضور الجسد في الديوان لحظة مركزية في تشكل الوعي.
الرغبة لا تُعرض بوصفها انزلاقًا أخلاقيًا، بل بوصفها جزءًا أصيلًا من الكينونة.
يتجلى ذلك في قصائد تتعامل مع الحب والافتتان والتمرد بوصفها اعترافات صريحة، لا تخضع لمنطق الاعتذار أو التبرير.
وهنا يتحول الجسد إلى مساحة استعادة للسيادة الذاتية، بعيدًا عن التشييء أو النظرة الخارجية.
هذه المقاربة تمنح الديوان بعدًا تحرريًا، دون الوقوع في خطاب شعاري، إذ تبقى اللغة حميمية ومكثفة.
سادسًا : القلق الوجودي وتمثلات العالم
لا يقتصر الاشتياق على بعده العاطفي، بل يتقاطع مع قلق أوسع مرتبط بالزمن والعمل والحرب والمدينة. العالم الخارجي يظهر بوصفه امتدادًا لاضطراب داخلي.
العمل يتحول إلى عدٍّ تنازلي، والحرب إلى استعارة لصراع النفس، والمدينة إلى فضاء ضغط مستمر.
غير أن النص لا يسقط في خطاب مباشر، بل يحافظ على مسافة شعرية تسمح بالتأويل.
سابعًا : البنية الأسلوبية واقتصاد اللغة
تتميز لغة الديوان بالتكثيف والاقتصاد، الجمل قصيرة، الإيقاع متقطع، البياض حاضر بوصفه عنصرًا دلاليًا.
هذا الاقتصاد يعكس توتر التجربة؛ إذ لا تحتمل الذات إسهابًا بلاغيًا، بل تميل إلى العبارة الحادة المكثفة. الصورة الواحدة تؤدي وظيفة شبكة من المعاني، وهو ما ينسجم مع ملامح الشعر العربي الحديث.
كما أن الحقول المعجمية المرتبطة بالحرارة والجفاف والانتظار والحركة المؤجلة تسهم في بناء مناخ نفسي متماسك عبر القصائد.
ثامنًا : مسار التحول البنيوي في الديوان
يمكن قراءة الديوان بوصفه قوسًا تحوليًا يبدأ بالانشطار وينتهي بالتأمل.
انقسام الهوية، احتدام الصراع الداخلي، الاعتراف بالرغبة والهشاشة، إعادة تعريف الحرية، بلوغ مرحلة من الصفاء التأملي.
هذا المسار يمنح العمل وحدة داخلية تتجاوز استقلالية القصائد، ليغدو مشروعًا شعريًا متكاملًا.
ختامًا:
تثبت القراءة التحليلية أن ديوان «الاشتياق جعلني رائعة» يؤسس لكتابة شعرية ترى في الاشتياق بنية أنطولوجية لا حالة عاطفية عابرة.
فالاشتياق هو ما يدفع الذات إلى مساءلة نفسها، وإعادة تعريف علاقتها بجسدها وعالمها وزمنها.
قيمة الديوان لا تكمن في موضوعاته فحسب، بل في قدرته على تحويل التجربة الشخصية إلى سؤال إنساني عام، وفي نجاحه في بناء لغة مكثفة تعكس توتر الكينونة دون ادعاء بلاغي.
إنه نص يكتب الهشاشة لا بوصفها ضعفًا، بل بوصفها شرطًا للوعي.
قائمة المراجع
1-أدونيس. الثابت والمتحول. بيروت: دار الساقي.
2-سيمون دي بوفوار. الجنس الآخر.
ترجمات عربية متعددة.
3-بول ريكور. الذات عينها كآخر. ترجمات عربية متعددة.
4-جان بول سارتر. الوجود والعدم. ترجمات عربية متعددة.
5-صلاح فضل. بلاغة الخطاب.
★ناقد وروائي ـ مصر.



