قصة

شيماء مصطفى:”خطأ في الإجراءات ” لأحمد مهنى .. ثقافة المظهرية في مقابل الجوهرية أيهما ينتصر؟

شيماء مصطفى

في صياغة المجموعات القصصية يعد انتقاء العنوان للمجموعة ككل ليس تأطيرًا تأويليًّا للنصوص بقدر ما يعتبر موقفًا جماليًّا ونقديًّا، وحين يلجأ الكاتب لجعل عنوان المجموعة لا يحمل اسم إحدى القصص ، فهذا يعني إما أن جميع النصوص /القصص تتقاطع في ثيمتها الرئيسة، أو أنه يرغب في توحيد القصص جميعها تحت إطار نقدي واحد.

وفي المجموعة القصصية “خطأ في الأجراءات للناشر والكاتب أحمد مهنى والصادرة عن دار التدوين حمل عنوان المجموعة تأويلات عدة انبثقت من وجود أزمة إنسانية متكررة تمثلت في الخطأ /الخطيئة باعتبارها سمة بشرية تكرر وتعاد ، فحتى وإن تعلم من خطئه السابق، وحتى وإن كان الخطأ غير مقصود، أو خطأ في الإجراءات فإنه سيعود في صورة أخرى، لأننا بشر ، ولهذا استهل الكاتب مجموعته بإهداء:
” إلى كل الأخطاء التي نتعلم منها، والأخطاء التي تغير المسار، بعض الأحيان يتوجب علينا تغيير المسار لتفادي الرتابة”
كما تقاطعت القصص جميعها في نقد سوسيولجي مضمر للمجتمع الذي تقوده الشائعات لينتهي مصيره بشكل مأسوي، فضلًا عن التأكيد على أن الإنسان هو المصدر الرئيسي لأزمته.”إذا سرت الشائعة فلا تنافسها براءة ولا يوقفها برهان”.

تعامل شكري عياد باعتباره ناقدًا وقاصًا أن القصة بنية لغوية متكاملة من رموز مهاد زماني ومكاني وشخصيات تتجاوز الأحداث المروية، أي أن التعامل معها ينبغي أن يخرج خارج إطار الانطباعية.وقد اعتمد أحمد مهنى في بنية مجموعته “خطأ في الإجراءات” على تقنية السرد الرمزي ليكشف هشاشة المجتمع الداخلية وهي ثيمة تواجدت في قصص المجموعة ككل؛ لذا نجده استخدم كلمات كـ ” ساحرة، الكهف، لعنة” في قصة وجه الحب، وقد شكلت القرية الرمزية داخل النص نموذجًا مصغرًا من المجتمع المعاصر الذي ينبهر بالشكل دون إيمان حقيقي بالمضمون وقد ظهر ذلك بشكل جلي من خلال ابن الحكيم الذي تعرف زوجه عبر اقتفاء أثرها ، وفي هذه القصة استند إلى الرمز فيما يخص طمس الوجوه للإشارة إلى طمس الهوية فيصبح الجميع متساويين من الشكل الخارجي ولا فارق جوهري يمكن اكتشافه إلا ببصيرة ثاقبة.
” كل النسوة تفاجأن بوجودهن مع أزواج جدد، كل الرجال اكتشفوا أنهم اختاروا زوجات غير زوجاتهم ، إلا ابن الحكيم……”ص 24.

وفي قصة ” حبيبتي في السادسة عشر” يستمر أحمد مهنى في كشف هشاشة المجتمع من خلال البطل فلم يكن قصر القامة إلا سجن لم ينجح في تجاوزه، وقد استخدم القصة هنا أيضًا لنقد الواقع الاجتماعي الذي يجعل الفرد دائمًا داخل حلبة مقارنات مما يعزز الانطواء الاجتماعي واللجوء إلى سلوكيات تعويضية كما لجأ البطل حين تزوج من امرأة طويلة القامة، ولأنه لم يتصالح مع العقدة ويحاول تفككيها، مع أول صدام كان اختفاؤه المفاجئ للأبد حل من وجهة نظره .
وقد تقاطعت قصة “حبيبتي في السادسة عشر” مع قصة ” وجه الحب” في التأكيد على التوجه المجتمعي نحو المظهرية لا الجوهرية.

وفي قصة “أمنيات العفاريت ” توضع النفس البشرية أمام اختبار حقيقي بين ما ندعيه /نتوهمه وبين ما نحن عليه ، فرمزية الجني والمصباح كانت اختبار لطبيعة البشر التي لا تقنع فالرجل الذي ادعى الزهد هو نفسه الذي لجأ للتحايل للحصول على ألف أمنية، وهنا يعيدنا الكاتب إلى بؤرة الصراع الرئيسة في المجموعة ككل بين الجوهر والمظهر، وما يميز هذه القصة خروجها عن المألوف فيما يخص قصص الجني والمصباح المتعارف عليها في التراث إذ أن العلاقة بينهما كانت ندية أمنية مقابل شرط، وقد كشف الحوار عن طبيعة هذا الحوار.
“الشرط الأول أن تعرف بعد كل أمنية شرطًا، ولو لم تلتزم بتنفيذ هذا الشرط حبستك معي في المصباح ، والاتفاق ملزم” ص 52، وفيما يخص الشرط الثاني فكان متمثلًا في أن يصبح البطل فيما بعد عبدًا للجني، وهذا الاختبار الثاني الذي يكشف عن استعداد ذوي النفوس الضعيفة لتقديم المزيد من التنازلات بما فيها حريتهم مقابل امتيازات لا قيمة لها دون ما فقدوا.

وفي قصة “الرجل الكبير” يواصل أحمد مهنى كشف هشاشة السلطة أمام الجسد ، فالمنصب والطعام الصحي والعادات الإيجابية لم تحصن البطل من الألم حين اخترق جسده، فالسيد الكبير أثناء ذهابه لموعد هام مع كبار المسؤولين، أصيب بمغص شديد جدًا مما اضطره بشكل مفاجئ لدخول حمام بيت شعبي في منطقة متواضعة لا تتسق وهيبته النابعة من السلطة والنفوذ، لذا يؤكد أن الفوارق الطبقية والاجتماعية والمظهرية قد تتلاشى بمجرد أن يمر الجسد بحاجة بيولوجية ؛ وذلك لأن الإنسان هو الإنسان.
وما يميز هذه القصة قربها من الواقع الاجتماعي مع طرافة السرد حيث وظف الكاتب السخرية القائمة على المفارقة ليُخفف حدة الحدث، وفي الوقت نفسه ليفضح تناقض الصورة السلطوية مع الضعف الإنساني.
وفي قصة “داروين” يكمن جوهر القصة في جملة على لسان المهندس فيما يخص الحديث عن الروبوت داروين:
“سنمحنه حرية الاختيار ، فأنصاف الحلول لا تصلح لإقامة حياة” ليسخر من خلال القصة من سطحية الخطاب المعاصر، وهوسه بالتصنيف المظهري/الشكلي، وقد اتضح هذا من خلال حوار الإعلامية مع الروبوت داروين ، إذا أن النقاش لم يكن يدور حول الوعي أو السلطة أو حتى الأخلاق لكن حول هل داروين ذكر أم أنثى؟
“هل تحب أن أناديك بالأستاذ داروين أم الأستاذة داروين أم مدام؟” ص 88.

وفي قصة “سيدي القادم من السماء” يظهر الصراع بين المعرفة (العلماء )والعقيدة (رجال الدين )من خلال التفاعل البشري مع الظواهر الغريبة أو غير المفهومة، حيث تكشف القصة كيف تتقاطع المعرفة والتفسير الديني مع التجربة الحسية اليومية، وقد استخدم أحمد مهنى الصراع هنا كرمز لتوتر المجتمع نفسه بين التقليد والمعرفة، أو بالأحرى بين الأسطورة والتجربة الواقعية.

وفي قصة ” غسيل زوجتي” اعتمد على المفارقة والبنية الدائرية فالعملاق الذي اضطهد المعلم وتسبب في انقطاعه عن العمل فقط لأنه ينشر غسيل زوجته، عاد في النهاية ليقوم بالفعل نفسه عندما مرضت زوجته هو الآخر، وقد كشفت القصة المعايير المجتمعية المزدوجة التي تسخر من الرجل الذي يعاون زوجته في شؤون المنزل في مرضها، لدرجة أنهم تسببوا في فصله من عمله.

ما يميز المجموعة ككل الامتداد الزمني وتنوع المهاد المكاني بين المدن والقرى والمناطق الشعبية جعل القضايا المطروحة ممتدة في المجتمع ككل وليس في بيئة بعينها .
أما فيما يخص الحوار فقد جاء ملائمًا للمستوى الاجتماعي للشخصيات، كما أن الكاتب استخدم لغة فصحى بسيطة قريبة من التداول اليومي ، وقد عزز ذلك من خلق الإحساس بالمكان ونقل التوتر والسخرية فضلًا عن الكشف عن طبيعة كل شخصية.
وقد لجأ الكاتب في المجموعة إلى السرد عبر ضمير الغائب لخلق مساحة بين النقد والسخرية من جهة، ومن جهة أخرى لتتسق مع طبيعة السرد الاجتماعي الرمزي.
كما أنه تعمد النقد الاجتماعي الساخر لكشف ازدواجية المجتمع ونفاقه، ولبيان أن بعض ما هو مألوف وعادي غير عادل وغير طبيعي.
العمل كله بمثابة دعوة من الكاتب إلى عدم إصدار أحكام مباشرة دون تروٍ، فضلًا عن الدعوة إلى التمسك بالجوهر قبا المظهر.


★سكرتير التحرير.

مقالات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى