سينما

نواف الربيع :الخيال الأمريكي.. لهوية الأسود مروية أخرى !

نواف الربيع

يعرض فيلم American fiction قصة “مونك” الكاتب الأكاديمي الذي يواجه بشخصيته الحادة تهميش الساحة الثقافية الأمريكية لمؤلفاته العميقة، ويصدم من جهة أخرى تصنيف مؤلفاته ضمن الأدب الأمريكي – الأفريقي نظرًا للون بشرته، رغم رفضه التام للأعمال الأدبية التي تكرس بتناولها النمطية الجاهزة للسود في أمريكا، إلا أنه يكتب -ساخرًا- باسم مستعار رواية نمطية، ليفاجأ بانتشارها وترشيحها لجائزة عالمية وتحويلها لفلم، بدعم من مؤسسات كبرى يديرها أصحاب البشرة البيضاء.

تكمن مفارقة الفيلم في محاربة البيض والمؤسسات للعنصرية ضد السود، رغم دعمهم مباشرة للأعمال الروائية والدرامية التي تكرس من نمطية الرجل الأسود وسيرته، بل قولبته في مروية واحدة تغذي المجتمع الأبيض وتعزز من نظرته للمجتمع الأسود في أمريكا، أي المزيد من الخطاب الأجوف واللغة الخشبية.

يتناول الفلم إشكالية الأدب الرفيع، والدور الذي تلعبه بعض المؤسسات ودور النشر في صناعة ذائقة تروجها الرداءة والنمطية والاستهلاك دون تقديم قيمة جمالية أو فكرية مستحقة.. رغم إمكانية ذلك. إلا أن للمؤسسة رأيها في ضرورة تكريس الصوت الأحادي للهوية المهمشة وتقديمها للساحة الثقافية.

بينما ينتقد الفيلم أحادية المخيلة الأمريكية عن السود، يصور الفلم مروية أخرى مضادة للقوالب المعتادة، حيث حكاية “مونك” وعائلته وحياة أفرادها، التي تخرج عن نمطية المخيلة المعتادة عن السود وأفلامهم، إنما تقدم صورة جديدة لمخيلة أمريكية جديدة يفترض أن تكون. حيث يبتعد الفيلم بأبطاله عن حكايات السود وعذاباتهم بل حتى عن لغتهم – التي تصر السينما تقديمها بابتذال- إلى لغة عادية لأيام عادية لا تخلو من الفكاهة والحزن، وتقديم نسخة أخرى عن حياة ينعم أفرادها بمستوى معيشي جيد ومستوى تعليمي ثقافي ممتاز.

رغم التهكم الذي قاده  ضد المؤسسات في ترويجها للابتذال ونمطية المجتمع الأسود، يجد البطل نفسه مجبرًا على كتابة نهاية سيناريو فلمه بالشكل الذي يفضله الرجل الأبيض، حيث تموت شخصية الفلم – الذي يكتبه “مونك”- على أيدي الشرطة، لأنه أسود وهارب من العدالة.
يغدو الاستهلاك سمة المؤسسة، وخاصة تلك التي صورها الفلم، حيث تدعي دعمها للحقيقة إلا أنها تزورها، وتقدم حقيقة مناسبة لذائقة الطبقة المهيمنة من المجتمع، حقيقة “لا تشعر الأبيض بالذنب” حد تعبير مونك، بل تفيض على المجتمع الأسود المزيد من الخذلان حول حقيقة حياتهم وطموحاتهم.

يذكرني الفيلم بسؤال ثقافي عربي يفترض ألا نمل من طرحه، وهو الشكل الأدبي الذي تفضله المؤسسة والقائمين عليها، فهل هناك شكلاً موضوعاتياً مقولبًا نفترض فوزه بجائزة ما قبل إعلان النتيجة؟ وهل سنشهد – في السنوات القادمة- مؤسسات تدعم أعمال أدبية مؤدلجة بموضوعاتها وتعبث ببعض الحقائق؟ وإلى أي مدى تعزز بعض الجوائز الأدبية الكبرى لسرديات موسمية تتزامن بموضوعاتها مع الموضوعات الأكثر رواجًا في العالم، رغم انعدام فنية العمل وتردي أدبيته، إلا أنه يقتنص رغبة المؤسسة ومزاجها، حاصلاً على جائزتها، بينما تهمش الأعمال الأدبية الأكثر رصانة لأسباب عدة.. لننعم والساحة الثقافية بـ ذوق أكثر رداءة وأكثر سطحية، اعتاده المتلقي بجهود رسمية دؤوبة سطحت -عبر الإعلام والتمويل- ذائقته، وروضته على لحظة ثقافية مهزوزة، دون إلتقاط قيمة حقيقة تعارض رغبات السوق أو المؤسسة.

أعتقد حاجتنا إلى “مونك”،  يعبث بالخيال العربي السائد غرار عبثه بالخيال الأمريكي. ولا أبالغ إذا قلت بأن ما لدينا من “جنون مؤسساتي مقولب” يوازي بعنجهيته الجنون الثقافي الغربي.. زمن كهذا، يتداخل لدى بعض المؤسسات دورها الثقافي بالمتطلبات الأيدولوجية، يهمش ويمركز حسب رغباته.


★باحث وكاتب ـ الكويت

مقالات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى