بحوث ودراسات

أحمد بلخيري: الذاكرة والكتابة في”ذاكرة السمك” لـحسام الدين مسعد (1-3).

أحمد بلخيري

عنوان هذا النص الدرامي للكاتب الدرامي/المسرحي “حسام الدين مسعد” هو”ذاكرة السمك” عنوان تربط بين مُكَوَّنَيْه أو دالَّيْه Signifiants، من منظور نحوي، علاقة الإضافة، مضاف ومضاف إليه، كلمة السمك تحديد لنوع الذاكرة، والشائع هو أن ذاكرة السمك قصيرة، هذا موضوع علمي محض، لكن السؤال هنا، من الناحية الفنية، لماذا هذا العنوان بالضبط؟.
قبل الإجابة عنه، يجب التمييز بين عنوانين، كلاهما يحمل العنوان ذاته، العنوان الأول، من حيث الظهور في النص الدرامي، هو الذي وضعه المبدع المسرحي “حسام الدين مسعد”، والعنوان الثاني، من حيث الظهور في النص الدرامي، يتعلق بمخطوط مسرحية، هذا المخطوط الذي كان في حقيبة، أو بالأحرى التعابير الدرامية المرتبطة به، وقد وُضعت في النص بين مزدوجتين، ونقط الحذف التي هي أيضاً علامة درامية غير لسانية، تندرج في تلك التعابير، جزء من بِنية النص الدرامي.
وجوابا عن السؤال السابق، هو وجود علاقة المشابهة بين ذاكرة السمك، وذاكرة المتكلمة/الشخصية الدرامية الوحيدة الفاعلة في النص الدرامي.
فقد قالت هذه الأخيرة:”أصبحت ذاكرتي كذاكرة السمك”2.
علاقة المشابهة بين المُشَبَّه والمُشَبَّه به هي النسيان، وقد تردَّد فعل “أنسى”، اِرتباطاً بالمتكلمة في النص الدرامي، إلى درجة نسيان اسمها الذي تتذكره بعد ذلك، وهو، عندها، مرض”لا يسرق الذكريات…بل يسرق صاحبها”3.
وعليه، فإن الذاكرة ليست جزءاً من الذات، بل هي الذات كلها، من هنا يمكن تفسير ما جاء في أول الإرشادات المسرحية:”لا يبدو أنها جاءت إلى المكان، بل كان المكان هو الذي استدعاها”4 .
فعل “أصبحت” يدُلُّ، فضلاً عن الزمن، على تحوُّل هذه الذاكرة من حال إلى حال.
التحوُّل من حال إلى حال أفضل، يُستعمل من أجله فعل “أصبح”؛ أما العكس، فيُستعمل له فعل “أمسى”.
فعل “أصبح” مرتبط بالضوء، وفعل “أمسى” مرتبط بالظلام.
ثنائية الضوء والظلام لها بعد سيميائي، ونظراً للمشابهة المذكورة سابقاً، وهي تدُلُّ على تحوُّل من حال إلى حال سيء، لأن ذاكرة المتكلمة في حاجة إلى “دواء الذاكرة”5.
فإن فعل “أصبح”، في هذا الاستعمال، له مدلول فعل “أمسى”، لا من حيث الزمن، فزمن كل منهما مختلف، وإنما من حيث نوعية التحوُّل، وهو سيء بسبب مرض المتكلمة.

حسام الدين مسعد

مجموع كلمات النص الدرامي برمته، هو ألفان وتسعمائة وست عشرة كلمة (2916)، ومجموع الكلمات الخاصة بهذا المخطوط/الملف هو مائتان وثمان وسبعون كلمة (278)، أي أن هذا الجزء من النص الدرامي يساوي تقريباً عشرة ونصفاً في المائة فيه %10.48.
اِنطلاقا من هذا الجزء زال تردُّد المتكلمة/الشخصية الدرامية في فتح الحقيبة، فلم تظهر الرسالة كما كانت تتوقع، بل ظهر مخطوط مسرحية عنوانه “ذاكرة السمك”.
يمكن اعتبار بداية هذا الجزء من بِنية النص الدرامي الخاص بالمخطوط، بداية المسار الدرامي نحو نهاية النص.
جزء من النص الدرامي له دور في تطوُّر الأحداث الدرامية، وله مساهمة في توليد المعنى، وإضافة الجديد على هذا الصعيد، صعيد المعنى، كما سيتبين لاحقاً.
في أول الإرشادات المسرحية في النص الدرامي ما يلي:”تدخل امرأة مُسِنّة ترتدي ملابس بيضاء”6.
وفي المخطوط:”تدخل امرأة مُسِنّة…ترتدي ملابس بيضاء”7.
المرأة وصِفَةُ مُسِنّة، والملابس البيضاء هي قواسم مشتركة بين ما ورد في بداية النص الدرامي “ذاكرة السمك” وما جاء في مخطوط “ذاكرة السمك”، لكن هذه المرأة في بداية النص”تترك الحقيبة التي تستند إليها، كأن كلاً منهما يتكئ على الآخر”8.
وفي مخطوط مسرحية “ذاكرة السمك” “تَجُرُّ حقيبة”9.
الاستناد إلى الحقيبة في البداية، ثم الجلوس عليها، وجَرُّها في المخطوط قبيل نهاية النص الدرامي، للاستناد والجلوس والجَرِّ، دلالتهم في هذا الإطار، فقد كان الاستناد والجلوس في بداية النص الدرامي، وكان الجَرُّ في نهايته.
كذلك في بداية النص توجد “شواهد القبور على شكل أسهم تُشير إلى السماء، ومكتوب عليها:(شباك التذاكر، الرصيف الأول، باب الدخول)” 10.
وفي المخطوط :”وتتوقَّف أمام شباك التذاكر”11.
شبك التذاكر مؤشر على الفضاء الدرامي، إنه محطة قطار، لكنَّ محطة القطار هذه “مهجورة لا شيء فيها يدُلُّ على أنها محطة، لكنها في الوقت نفسه مقبرة”12.
هو إذن فضاء درامي مزدوج الوظيفة:محطة قطار مهجورة، ومقبرة في الوقت ذاته، القطار للسفر، والمقبرة للموتى، محطة القطار وُصفت بكونها مهجورة أي أنها خالية “الآن” من البشر.
هذا الفضاء المهجور الخالي من البشر، الذي يُحيل على السفر، فيه أيضاً “شواهد القبور على شكل أسهم تُشير إلى السماء”13.
المحطةُ، وهي مهجورة، للسفر، والقبورُ وشواهدها علامتان تدلان على وجود الموتى.
الشواهد على شكل أسهم تشير إلى السماء، السماء نقيض للأرض، السماء، في المنظور الديني، رمز للملكوت الأعلى، ولأن الأسهم متجهة نحوها فهذه إشارة/علامة على حضور هذا المنظور الديني في تأثيث الفضاء الدرامي.
تختلف السماء عن الأرض من حيث الأسهم، فهذه متجهة نحو السماء “ولا سهم يعرف طريقه إلى الأرض”14.
السماء في هذا البرولوغ لا تقتصر على الإحالة الدينية، بل تُشير أيضاً إلى الزمن، ذلك أن المتكلمة قالت: “كلما اقترب الإنسان من نهايته …صار أقرب إلى السماء…وأبعد عن الطريق”15.
القرب من السماء نقيض للطريق وهي مرتبطة، وفق السياق الدرامي، بالأرض.
يُستشف من هذا أن الشخصية الدرامية المتكلمة اقتربت من نهايتها في هذه الحياة، وإن لم تُصَرِّحْ بهذا لفظاً مباشرة، ولكنَّ السياق الدرامي يُفيد ذلك.
زمن تدُلُّ عليه كذلك صفة “مُسِنّة”، وكذلك قولها “حتى الجهات…حين هرمت…تعلَّمت الطيران”16.
تعلُّمُ الطيران وكِبَرُ السن أكسبا كلمة “الجهات” معنى مجازياً، وليس معنى مُعجمياً.
تحديد هذه الجهات المقصودة عمل تأويلي، إذ لا وجود لدليل، أو قرينة درامية تُحَدِّدُها بالضبط.
هذا، ومن معاني أداة “حتى” في اللغة انتهاء الغاية، هذه الغاية هنا هي تعلُّم الطيران، رغم الهَرم أي الكِبَر في السن.
هل يمكن استنتاج أن المتكلمة، وهي مُسِنّة أي هَرِمَة، لم تتعلَّم الطيران؟ هذا استنتاج محتمل.
بناءً على هذا، فالفضاء الدرامي، فضاءٌ يُحيل على السفر والموت في الوقت ذاته.
وسيلة السفر في هذا النص هي القطار.
محطة القطار علامة عمرانية، تُضاف إليها علامات كتابية هي شباك التذاكر، والرصيف الآخر، وباب الدخول، وكلها تدُلُّ على التعيين والإرشاد، لكن هل لكلمة القطار معنى مُعجمي في هذا النص؟.
محطة قطار مهجورة ومقبرة في الوقت ذاته، لهذا، وجب البحث عن المعنى المجازي، غير المُعجمي، لكلمة قطار، والمراد من الموت في النص أيضاً.
أفقياً، يمكن تقسيم هذا النص الدرامي إلى ما يمكن اعتباره برولوغا وما بعد البرولوغ، يبدأ البرولوغ من أول كلمة إلى “يدق الهاتف، ترتجف أصابعها قبل أن تلتقطه”17.
حيث ذُكرت العلامات القاعدية الأولى لانطلاق السيرورة الدرامية .
هذه المُعطيات القاعدية تتمثَّل في الفضاء الدرامي، وقد تمَّت الإشارة إليه، والزمن الدرامي الذي هو “الآن”.
هذا الزمن تُشير إليه الأفعال، بالمعنى اللغوي، التالية على سبيل المثال:”تُشير، تُسمع، لا يُعرف، تَقف، تدخل إلخ، وتتمثَّل كذلك في الشخصية الدرامية المتمثِّلة في “امرأة مُسِنّة ترتدي ملابس بيضاء”18.
توجد هنا ثلاث علامات تتعلق بهذه الشخصية الدرامية، العلامة الأولى تخُصُّ الجنس، إنها امرأة، والعلامة الثانية تتعلَّق بالزمن، إنها مُسِنّة، والعلامة الثالثة تتعلَّق باللباس الأبيض.
بياض هذا اللباس، وهو علامة غير لفظية، حين ربطه بالفضاء الدرامي، يدُلُّ على مهنة هي مهنة الطب، التي تُمارِسُها الشخصية الدرامية الوحيدة الفاعلة في النص؛ لأنه نص مونودرامي.
هذه المرأة المُسِنّة، بدأ فعلها الدرامي في النص الدرامي بحركات هي جَرُّ حقيبة، ثم الاستناد إليها بعد الدخول إلى المحطة، فقراءة العلامات الكتابية المشار إليها، ثم “التلفظ”.
وُضعت كلمة “التلفظ” بين مزدوجتين، لأن التلفظ تحقُّق ملموس عن طريق نطق الممثل للألفاظ، وهذا غير ممكن في تحليل النص الدرامي؛ حيث توجد الألفاظ، ولا يوجد التلفظ Enonciation والمتلفظ Enonciateur أي الممثل.
في النص الدرامي توجد الشخصية الدرامية وألفاظها؛ لذا، فإن التلفظ هنا هو تلفظ بالقوة (على مستوى التخيُّل) وليس تلفظاً بالفعل.
تقطيع النص الدرامي حسب الوحدات، أو الأحداث الدرامية يمكن تقطيع 19(Découpage .
أو تقسيم هذا النص الدرامي إلى عدة وحدات درامية، أو أحداث درامية تقطيعا طولياً.
الانتقال من وحدة درامية، أو حدث درامي إلى الوحدة اللاحقة، أو الحدث اللاحق، كان بناءً على علامة درامية ستذكر في حينه بالنسبة لكل وحدة على حدة.
كما يمكن تقطيع بعض الوحدات، أو الأحداث تقطيعاً عرضياً.
هذا النوع الأخير من التقطيع، يتعلق بلحظة محددة (مشهد أو وضعية).
على هذا الأساس يمكن تقطيع الحدث العاشر إلى حَدَثَيْن أو وَحْدَتَيْن. الأول موضوعه التربية والبيداغوجيا، والثاني موضوعه اللغة والعدالة.
واجهت “المرأة” الجمهور بالنصف الأيمن في الموضوع الأول، وواجهته “المحامية” بالنصف الأيسر في الموضوع الثاني.
وعليه، فهو مشهد واحد متفرع إلى مشهدين، القاسم المشترك بينهما هو الزمن الدرامي نفسه وأداؤهما من لدن الشخصية الدرامية الفاعلة/المتكلمة بنوعين مختلفين من الملابس في جسد واحد.
ففي نصفها الأيمن بِذْلَةُ المحاماة (روب)، وفي نصفها الأيمن لباس أبيض.
هذه الوحدات Les unités أو الأفعال Les actions ليست منفصلة عن بعضها البعض. ذلك أن الحبكة الدرامية رابطة بين كل الوحدات/الأفعال من البداية إلى النهاية.
علاوة على هذا، إن ما يربط كل الوحدات الدرامية ، من الاستهلال/البرولوغ إلى نهاية النص الدرامي، هو وجود الشخصية الدرامية الفاعلة أي المرأة المُسِنّة.
هذه الوحدات متفاوتة من حيث طول وقصر اللغة الدرامية.
هذه الوحدات الدرامية الدنيا، بعد الاستهلال، يمكن، مع تحديدها، اختزالها في عناوين دالَّة وهي:
1-من: ألو نعم…أنا هنا..إلى: فلا يحتاج إلى أبراج أرسال، مخاطبة مجهول عبر الهاتف.
2-من: ترفع معصمها…إلى: إلى الأبد: توقف الزمن.
3-من: تجثو على ركبيتها…إلى: تسكن امرأة واحدة. الحقيبة.
4-من يرن الهاتف مرة أخرى…إلى: ويصمت صوتها. ممارسة مهنة الطب.
5-صوت آلة التنبيه الخاصة بسيارة الإسعاف…إلى: كان أعلى من كل النبضات. المريض ودقات قلبها.
6-من: تحدق في الفراغ، ترتفع موسيقى رومانسية…إلى: من التي نجت [؟]. الحبيب قبل وبعد الفقد والنسيان.
7-من: تبتسم ابتسامة موجوعة…إلى: تضع المعطف داخل الحقيبة. استشهاد الحبيب والتذكر واسترجاع كلام الحبيب.
8-من:ويسمع صوت صافرة القطار، تخرج كأساً زجاجية تتجه للجمهور…إلى : أم كانت الكأس هي التي تحرس سجني؟. أوضاع الكأس والتأمل فيها.
9-من: صمت، ثم يعلو من بعيد صوت صفارة قطار…إلى: كي تُشاهدَ جنازتَها كلَّ صباح (تفتح الحقيبة ببطء، تضع المسدس داخلها). السلاح وقتل المرأة.
10-من: ثم تخرج روب المحاماة…إلى: ثم تخلع الروب ببطء، وكأنها تنهي الحوار بإسكات المحامية، لا بإقناعها، ثنائية اللباس وحوار المرأة والمحامية.
11-من: وتُخرِج نقاباً شرعياً أسود اللون…إلى: رُفِعَت الجلسة، الوجه والقناع والشيطان.
12-من: (تُمسِك بهاتفها) لا توجد إشارة…إلى: ولماذا…كلما فتحتك…وجدت امرأة أخرى…تنتظر…أن تتذكر اسمها؟. السرد والثنائية الزمنية: الماضي والحاضر.
13-يرتفع من بعيد صوت صفارة قطار، فتلتفت إليه، كأنها تخشى…ليس لدي الشجاعة أن أتحمل المعنى الذي يحمله لي. الحقيبة الأخرى الفارغة والمظروف.
14-من: تضع أصبعها تحت ختم المظروف….إلى: بل سيقتلني أنا نفسي…ألو…: الحوار عبر الهاتف.
15-من: ينقطع الاتصال… إلى: بين ختمتين: مخاطبة الجمهور.
16-من: تسمع صفارة القطار […] يُدفع تابوت…إلى : حين تعمل الشريحة… سيعود كل شيء: التابوت والشريحة.
17-من: تبتسم ابتسامة صغيرة…إلى: أم يكفيه نص فقط؟: الصندوق واستخراج مخطوط “ذاكرة السمك” من الحقيبة الأولى ومفهوم الكتابة ومخاطبة الجمهور.
18-من تلقي بالمخطوط على الأرض…إلى إظلام تام: إلقاء المخطوط على الأرض وعدم توقف القطار والصفحة البيضاء الأخيرة.
هذا تقطيع للنص الدرامي بناء على تيمات Les thèmes النص وتسلسلها فيه. تيمات القاسم المشترك فيها كلها هو وجود المتكلمة بوصفها الفاعلة الدرامية الوحيدة في النص الدرامي. لهذا كانت كل العلامات الدرامية مرتبطة إما بجسدها، مثل اللباس، والنقاب الموصوف بالشرعي، وبِذْلَة المحاماة (روب المحاماة)؛ أو بتفاعلها معها مثل تفاعلها مع الحقيبة، والتابوت، والصندوق، ومخطوط المسرحية؛ أو الحوار عبر الهاتف مع شخصية تنوب النقط عن ألفاظها في الحوار؛ أو سردها للجمهور.
ومثلما بدأ النص الدرامي بهذه الشخصية، اِنتهى بها أيضاً.
كما أنها حاضرة في كل الإرشادات المسرحية من البداية إلى النهاية. السبب في ذلك أن النص نص مونودرامي ولا حدث درامي فيه لا توجد فيه هذه الشخصية.
تبعاً لهذا، فهي ليست شخصية بسيطة، بل إنها شخصية إشكالية Problèmatique نظراً للأسئلة الفلسفية، التي طرحتها في النص والقضايا الفكرية التي أثارتها فيه.
أسئلة وقضايا تنسجم مع مهنتها، وهي ممارسة مهنة الطب، إنها طبية، الجانب الإشكالي يتجلى فيها باعتبارها ذاتاً، وفي الأسئلة والقضايا التي أثارتها أيضاً.
هي بوصفها ذاتاً إشكالية؛ لأنها طبيبة ومريضة بمرض النسيان في الوقت ذاته، وحينما تضع السماعة على صدر المريض تسمع دقات قلبها هي لا دقات قلبه هو، هذا الضمير يعود على حبيبها.
كما أن هذا التقطيع يُسَلِّط بعض الضوء على عدد من حوافز الأفعال الدرامية، مثل الحقيبة والتفاعل معها من لدن الشخصية الدرامية، والمظروف واستكشاف ما يوجد فيه، والهاتف أداة الحوار مع شخصية غير مرئية وغير فاعلة درامياً، تنوب عنها نقط الحذف…كل الحوافز لها دور في تطوُّر الأحداث الدرامية ونموها، وهي مترابطة فيما بينها من خلال الحبكة الدرامية.
تتجلَّى الحبكة الدرامية في تنظيم الأحداث والربط بينها، فقد كان الربط، على سبيل المثال، بين الوحدتين السادسة والسابعة من خلال انتهاء الوحدة السادسة بحديث المتكلمة عن الموت وخوفها من النجاة من الموت لا من الموت، وبداية الوحدة السابعة أو المشهد السابع هي استشهاد من يعود عليه ضمير الغائب، أي حبيبها، وبين نهاية الوحدة السادسة وبداية السابعة توجد الإرشادات المسرحية، وهي كلام الكاتب وليس كلام الشخصية الدرامية، “تبتسم ابتسامة موجوعة”20.
هذه الجملة التي تنتمي إلى الإرشادات المسرحية هي الدليل اللغوي على الربط بين الوحدتين أو الحدثين.
اِنتهت الوحدة السادسة بألم الشخصية بسبب مرض النسيان، الذي يسرق الوجوه ويترك الدموع، حسب قولها، وبإفصاحها عن كونها لا تخاف من الموت، وبدأت الوحدة السابعة بالموت أيضاً، الخوف من الموت بالنسبة للمتكلمة، والموت (الاستشهاد) بالنسبة لحبيبها.
لهذا، فإن صفة “موجوعة” التي وُصفت بها ابتسامتها منسجمة مع السياق الدرامي.
إنها ابتسامة حزن لا ابتسامة فرح، الحزينة في الوحدتين معا هي الشخصية المتكلمة؛ لذا، فلهذا الإرشاد المسرحي وظيفتان، الوظيفة الأولى هي وصف حالة الشخصية من جهة، ووظيفة الربط بين الحدثين من جهة أخرى.
هذا مثال على وجود الحبكة الدرامية والربط بين الوحدات الدرامية أو الأحداث الدرامية.
كما تظهر الحبكة الدرامية والربط بين الاستهلال/البرولوغ والوحدة الدرامية الأولى في هذا الإرشاد المسرحي:”يدق الهاتف، ترتجف أصابعها قبل أن تلتقطه”21.
بعد هاتين الجملتين مباشرة كانت المكالمة الهاتفية، وللانتقال من حدث إلى الحدث الذي يله مباشرة، يوجد هذا الإرشاد المسرحي “تفتح الحقيبة ببطء، تضع المسدس داخلها، ثم تُخرج روب المحاماة”22.
اِستعمال المسدس من لدن المتكلمة موجود في الوحدة/الحدث التاسعة، وبدأت الوحدة/الحدث العاشر بارتدائها لبِذْلَة (روب) المحاماة، وهكذا دواليك.


   ★ناقد وباحث مسرحي ـ المغرب



 

مقالات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى