مسرح

د.حيدر الأسدي: الأبعاد الوجودية في مسرحية (سوء تفاهم) للفرنسي (ألبير كامو).

د.حيدر الأسدي

مسرحية «سوء تفاهم» للكاتب الفرنسي من أصل جزائري ألبير كامو، تحكي قصة امرأة وابنتها تمتلكان فندقًا، تقومان بقتل المسافرين النزلاء وسرقة أموالهم، ثم إلقاء جثثهم في النهر. ولدى هذه الأم ابن تركها منذ سنوات، يقرر العودة إلى مدينته هو وزوجته بعد أن جمع المال، ولأنه أراد أن يفاجئ أمه وأخته، قرر عدم الكشف عن هويته. ويستأجر غرفة في الفندق، فتقوم الأم والأخت بقتله، ثم تكتشفان هويته، ولكن بعد فوات الأوان، فتقرر الأم الانتحار، وتفعل الأخت «مارتا» الشيء ذاته.
إن مسرحية «سوء تفاهم» ترتكز على ثلاث شخصيات رئيسة هي: الأم، والأخت، والابن، ولكن أكثر هذه الشخصيات تصدّرًا هي الأخت «مارتا»؛ لأن ألبير كامو مرّر من خلالها أغلب الأفكار الفلسفية التي يؤمن بها، ويتضح ذلك من خلال حوارات الأخت المختلفة.
وباختصار، يمكن القول إن «سوء تفاهم» جاء نتيجة لما اتخذه الابن من قرار بعدم الكشف عن هويته الحقيقية؛ فلو قال منذ البداية: «ها أنا»، لما حصل ما حصل.

والمسرحية مكوّنة من ثلاثة فصول، يضم كل فصل منها عددًا من المشاهد، وقد اعتمد ألبير كامو خلالها على وحدتي الزمان والمكان. وعلى الرغم من أن كتاب العبث واللامعقول والتيارات المقاربة قد عمدوا إلى كسر هذه الوحدات، فإن كامو التزم بها في هذه المسرحية؛ فالزمان يمتد إلى أربع وعشرين ساعة، تبدأ أحداث المسرحية ظهرًا وتنتهي صباحًا، بينما يظل المكان هو الفندق فقط.
وأراد كامو، من خلال هذا المكان، أن يقول إن الفندق مكان مغلق، ويعبّر بذلك عن صورة عالمنا؛ فالشخصيات المسرحية لا تخرج من هذا المكان إلا لملاقاة الموت. فالأم ومارتا لا تخرجان من عتبة الفندق إلا لقتل المسافرين أو إلقائهم في النهر، وهذا جزء من فلسفة كامو ورؤيته لهذا العالم بوصفه عالمًا مغلقًا وخانقًا.
وكذلك ضمّن كامو العديد من الأفكار الوجودية في مسرحيته، فتقول مارتا:
«مارتا: ذلك أنني أبتسم في غرفتي في الساعات التي أنفرد فيها بنفسي».
إن العزلة ومقت المجتمع من الأمور التي أكدت عليها الفلسفة الوجودية، وسيتضح هذا الأمر في حوارات أخرى، ومنها إلقاء الملامة على العالم والحياة فيما يجري في هذا الوجود. فتقول الأم:
«الأم: إن الحياة أقسى منا، ظاهريًا، حقًا. ربما يصعب عليَّ لهذا السبب أن أشعر بالإثم».
إن أحد المفاهيم التي أشاعتها الوجودية هو القلق، وخصوصًا لدى كامو؛ فهو يرى أنه ما إن تفكر في السعادة حتى تعرّض نفسك للقتل، وهذا ما حصل مع الابن يان، فهو يقول:
«يان: لقد جئت إلى هنا لأقدم ثروتي وشيئًا من السعادة إذا استطعت».
وفعلًا كان مصير يان هو القتل.
إن مسرحية «سوء تفاهم» يغلب عليها الحوار الفلسفي القصير، كما أن اختيار الإنسان في هذا الوجود لمصيره يأتي عبر رؤية الأم لابنها، فهي تقول:
«الأم: لمَ حدثته عن يديَّ؟ مع ذلك، لو أنه نظر إليهما، لربما فهم ما قالته له مارتا. فهمه، ورحل. ولكنه لا يفهم، ولكنه يريد أن يموت».
يؤكد كامو هنا اختيار الفرد للموت بوعي وإرادة، كما حصل مع يان؛ فهو لو لاحظ طريقة تعامل الأم والأخت معه، لذهب إلى الموت.
ومن المفاهيم الوجودية التي برزت على لسان مارتا حوارها الآتي:
«مارتا: أنت يا من جئت بي إلى الوجود في بلد كله سحاب بدلًا من أرض مشمسة».
فالوجودية ترى أن الفرد أُلقي في هذا العالم، وتُرك لمواجهة مصيره وحده.
ويلاحظ أن كامو مرّر أغلب الأفكار الفلسفية عن طريق الأخت مارتا، التي تبدو شخصية يائسة ومتشائمة كثيرًا. كما أن نظرة الفرد إلى الوجود تأتي كذلك من خلال بعض الحوارات التي وردت على لسان يان، فهو يقول:
«يان: لديَّ شعور ثقيل بأن هذا البيت ليس بيتي».
وهي نظرة وجودية إلى هذا العالم وما يحمله من مآسٍ وقلق للفرد.
وتؤكد مارتا ذلك بقولها:
«مارتا: إن هذه الغرفة جعلت للنوم، وهذا العالم للموت».
وفي حوار آخر تقول:
«مارتا: إن هذا العالم غير معقول».
وهي رؤية وجودية أسقطها كامو على العالم من خلال شخصياته المسرحية.
إن كامو، حين جعل شخصياته تنتحر بإرادتها، وهما الأخت والأم، فإن ذلك نابع من فلسفته في الانتحار؛ فقد ميّز بين نوعين من الانتحار، أحدهما يصدر عن إرادة عقلية وحرية اختيار. والحرية في الاختيار مبدأ وجودي واضح، ومفهوم أساسي من مفاهيم الوجودية.
كما أن الموت الطبيعي غير موجود في المسرحية، وهو جزء آخر من رؤية كامو؛ إذ يسعى إلى تقديم موت مدرك، وليس موتًا طبيعيًا، وذلك لإيجاد العلاقة بين وجود الإنسان والموت بوصفه أساسًا في هذا الوجود وسبيلًا للخلاص منه.
فمارتا لا تستسلم للوجود القدري، وتقول:
«مارتا: ذلك أنني لن أرفع عيني متوسلة إلى السماء قبل أن أموت. هناك، حيث يمكن الهرب والخلاص، وضم الجسد إلى جسد آخر، والتدحرج في الموت، في هذا البلد الذي يحرسه البحر، لا ترسو الآلهة. أما هنا، حيث النظر محدود من كل جهة، فالأرض مرسومة بحيث يرتفع الوجه ويتوسل النظر. أوه! إني أحقد على هذا العالم الذي نقنع فيه بالله. أنا التي أقاسي من الظلم، لم أحصل على حقي، ولن أركع. سأغادر هذا العالم محرومة من مكاني على وجه الأرض، منبوذة من أمي، وحيدة وسط جرائمي».
فهي هنا لا تقبل بالرضوخ للموت الطبيعي، وبالتالي تسعى إلى الخلاص وتحقيق الحرية عن طريق الانتحار، وذلك للتخفيف من آلام الوجود.
إن مارتا فتاة شابة مضطربة من الجانب النفسي، وتعد نموذجًا للشخصية المصابة باليأس والاكتئاب على امتداد المسرحية. وعلى الرغم من أن كامو عُرف بوجوديته الملحدة، فإن بعض حوارات مسرحية «سوء تفاهم» تدل على اللجوء إلى الله وتفويض الأمر إليه عن طريق الابن يان، فهو يقول:
«يان: يا ماريا، أريدك أن تتركيني وحدي هنا لينجلي لي الأمر. ما ذلك بالشيء المهول. ونوم المرء تحت السقف الذي تنام تحته أمه ليس بالمشكلة الكبرى. الباقي على الله. ولكن، يعلم الله أنني لا أنساك في كل ذلك».
إن شخصيات كامو تعاني الوحدة الشديدة، ورغم ذلك فكل منها معلقة بالأخرى، كما هي حال الأخت والأم. وكل واحد منهم يبحث عن سعادة خاصة به.
فمارتا تبحث عن الأمسيات الجميلة، حيث الشمس والربيع والبحر والبهجة، وتحلم بأن تهجر هذه المنطقة التي تسكنها، فتقول:
«مارتا: لم يعد لديَّ صبر أدّخره لأوروبا هذه، حيث للخريف وجه الربيع، وللربيع رائحة البؤس، لكني أتخيل في نشوة هذا البلد الآخر، حيث يستحق الصيف كل شيء، حيث تغرق أمطار الشتاء المدن».
أما الأم فكانت تبحث عن الراحة، فتقول:
«الأم: إنني متعبة يا ابنتي، ليس إلا، وأود لو استرحت. وتلك الراحة بالذات هي حلم امرأة عجوز. إنني أتطلع إلى شيء من السلام، فقط إلى شيء من الاسترخاء».
والراحة لم تحصل عليها الأم سوى بالانتحار، كما أن الابن كان يبحث عن سعادة عائلته، ولذلك عاد من أجل ذلك.
وكانت الفتاة «مارتا» شخصية يائسة ومصابة بالاكتئاب والشعور بالظلم، وهو اضطراب نفسي أصابها جراء طفولتها وعيشها في مكان مغلق، وجراء فعل القتل الذي تغلغل في نفسها، فهي تقول:
«أنا التي أقاسي من الظلم، لم أحصل على حقي، ولن أركع. سأغادر هذا العالم محرومة من مكاني على وجه الأرض، منبوذة من أمي، وحيدة وسط جرائمي، دون أن أسالم».
وفي الحوار نفسه تبرز رؤية كامو الإلحادية في قول مارتا:
«مارتا: إني أحقد على هذا العالم الذي نقنع فيه بالله».
إن شخصية مارتا كانت شخصية متشائمة بكل المقاييس، وهي ترى أن العالم يفتقد السلام بكل تفاصيله، فهي ترى:
«مارتا: افهمي أنه لا وطن له ولا سلام، لا له ولا لنا، لا في الحياة ولا في الموت».
وثمة بُعد واضح لعقدة مارتا، فهي تفصح لزوجة يان عن ذلك من خلال الحوار الآتي:
«تتكلمين لغة لا أفهمها. إني لا أفهم جيدًا كلمات كالحب والفرح».
والسبب واضح، وهو ميولها النفسية وعُقدها، جراء عيشها في مكان مغلق، وأملها في الخروج منه للبحث عن البحر والشمس الدافئة. ولكن على مدار سنوات عمرها في الفندق، وممارسة فعل القتل، مات كل شيء جميل فيها، وتحولت إلى كائن مضطرب نفسيًا، يعيش على أمل البحث عن سعادة مفقودة من خلال قتل المسافرين وسرقة أموالهم لتحقيق تلك السعادة، التي لم تتحقق في النهاية إلا بانتحار مارتا وخلاصها من هذا العالم العبثي المغلق.


 
(*) ألبير كامو،مسرحية:سوء تفاهم ،ترجمة : سامية أحمد أسعد،(القاهرة:الدار القومية للطباعة والنشر 1966)


★ناقد ـ العراق.

مقالات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى