أخبار ومتابعات

أحمد بلخيري: الذاكرة والكتابة في”ذاكرة السمك” لـحسام الدين مسعد (2-3).

أحمد بلخيري

اللغة الدرامية:
تتكون اللغة الدرامية في هذا النص الدرامي من الإرشادات المسرحية وهي ألفاظ الكاتب، والألفاظ أدوات تركيب الجمل اللفظية بالنسبة للمتكلمة، ونقط الحذف، وعلامات الوقف.
1-الإرشادات المسرحية:
“الإرشادات المسرحية هي النص غير الملفوظ، المخصص لإضاءة الفهم”23 .
هي نص غير ملفوظ؛ لأنها كلام الكاتب المسرحي، وليس كلام الشخصية الدرامية، ولأنها كذلك، فوجودها محصور في الكتابة الدرامية النصية، أما في العرض فتذوب لتتحول إلى لغة بصرية أو سمعية من لدن المخرج المسرحي، ووظيفتها “إضاءة الفهم” لأن الكاتب الدرامي يُقدِّم من خلالها معلومات عن الفضاء والزمن والشخصية الدرامية.
للإرشادات المسرحية في النص الدرامي “ذاكرة السمك” دور لا غنى عنه في الكشف عن الفضاء الدرامي، والزمن الدرامي، والشخصية الدرامية من خلال المعلومات التي تتضمنها، ودون إطالة فيها، يمكن تقديم مثالين دالَّيْن في هذا السياق.
أولهما هو الحركات الخاصة بالمسدس، وهو بين يدي الشخصية الدرامية، حركات تبينها التعابير التالية:”تخرج مسدساً، توجه فوهته إلى الجمهور”24.
و”تخفض المسدس قليلاً”25.
و”تعيد توجيه المسدس”26.
و”تلمس وجهها بيدها الحرة”27.
و”ترفع المسدس إلى مستوى عينيها”28.
و”تنظر إلى المسدس”29.
كل تعبير من هذه التعابير يتعلق بما يمكن تسميته بالجملة الدرامية، وتختلف مدلولات هذه الوضعيات تبعاً لاختلاف الجمل الدرامية.
يُضاف إلى اختلاف الوضعيات، اِختلاف الألفاظ الخاصة بكل جملة درامية على حدة.
هكذا تضيء الإرشادات المسرحية الأفعال الدرامية، التي تقوم بها الشخصية الدرامية.
إن دلالة رفع المسدس إلى مستوى عينيها ليست هي دلالة توجيه فوهته إلى الجمهور.
إضافة إلى هذا، تُقَدِّم الإرشادات المسرحية في هذا النص الدرامي معلومات عن الحالة النفسية للشخصية الدرامية مثل “تضحك ضحكة مكسورة، و”تبتسم بمرارة”30.
الحالة النفسية يدُلُّ عليها أيضاً الارتجاف، والتردد، والصمت أيضاً بوصفه جزءاً من اللغة الدرامية، وهي حالات مُعبَّر عنها في الارشادات المسرحية، وهي، بدون شك، تفيد في رسم الشخصية الدرامية وفهمها بعد ذلك.
2-اللغة اللفظية:
2-1-الضمائر:
توجد أربعة ضمائر، بالمعنى اللغوي، في هذا النص الدرامي، هي ضمير المتكلم المؤنث المتصل، الذي يعود على الشخصية الدرامية الموجود، على سبيل المثال، في “لي”، و”أخاف”، و”لا أخاف” إلخ…هذا الضمير موجود في النص الدرامي من بدايته إلى نهايته، وهو يعود على الشخصية الدرامية الفاعلة الوحيدة درامياً، لأن النص نص مونودرامي.
ضمير المتكلم هذا غدا ضمير مخاطَب في أفعال لغوية أخرى مثل “تصِلين” و”لا تغادري” إلخ..
إضافة إلى هذا الضمير، يوجد ضمير جماعة غائب مذكر متصل موجود في فعل “قالوا”، وضمير غائب مفرد مذكر متصل موجود في فعل “سيأتي”، ولأن الضميرين الأخيرين في صيغة الغائب، فقد تم تقديم ألفاظهما انطلاقاً من تركيب لغوي الفاعل فيه، درامياً وليس نحوياً، هو ضمير المتكلم، ففعل “قالوا” الفاعل النحوي فيه هو ضمير الجماعة الغائب، لكنه قُدِّم درامياً من لدن المتكلمة/الشخصية الدرامية، وعليه، فإن هذا ضمير المتكلم هو الفاعل درامياً، وفي فعله الدرامي يَستحضر، عن طريق السرد، الضميرين الأخرين، وإذن، فتقديمهما كان من منظور ووجهة نظر المتكلمة.
علاقة ضمير المتكلم بضمير الجماعة المذكر الغائب، تكشفها هذه الأفعال “قفي”، “لا تسألي”، لا تغادري”31.
وهي أفعال في صيغة الأمر، الأمر في اللغة هو طلب القيام بفعل لزوماً على وجه الاستعلاء، وعليه، فإن هناك آمراً (آمرون) غير محدد، ومأموراً محدد هو المتكلمة أي الشخصية الدرامية الفاعلة في النص والموجّه إليها الأمر.
الذين يعود عليهم ضمير الجماعة المذكر الغائب تجمعهم بضمير الغائب المذكر المفرد الحرب، الذين يعود عليهم اسم الموصول “الذين” في هذا التعبير، وكذلك ضمير الجماعة في “قالوا” تختلف نهايتهم بعد الحرب عن نهاية الشخصية، التي يعود عليها ضمير الغائب المفرد المذكر في هذا التعبير، الذي يتضمن تساؤلات:”قالوا لي: لقد استشهد…وكأنهم قالوا: لقد شُفي…لكن..من الذي شُفي؟ هو؟ …أم الحرب؟…أم الذين أشعلوها، ثم عادوا إلى موائدهم”32.
موته في الحرب استشهاد بالنسبة لهم، وفي استعمال كلمة “استشهد” تعاطف وإضفاء نوع من القدسية على الحرب، لكن بالنسبة لها هذا الموت، أو هذا الاستشهاد كأنه شفاء، غير أنها وسَّعت من معنى الشفاء، من خلال تساؤلاتها، إذ لم يعد يقتصر على من يعود عليه ضمير المفرد الغائب فقط، بل شمل أيضاً الحرب نفسها، وكذلك الذين يعود عليهم ضمير الجماعة.
الموت بالنسبة للأول شفاء، وليس الأمر كذلك بالنسبة لأولئك، فزيادة على أنهم كانوا سبباً في إشعال الحرب، وليس هو، فقد عادوا إلى موائدهم.
العودة إلى الموائد، في هذه الحالة، كناية إلى العودة إلى ما قبل الحرب، وعدم الموت.ويوجد سياق درامي جمع بين الضمائر الثلاثة ضمير الجماعة الغائب المذكر، وضمير المتكلم/الشخصية الدرامية، وضمير المفرد الغائب، لكن مع اختلاف جوهري.
ذلك أن ضمير الجماعة الغائب صار ضمير جماعة متكلم مخاطِب، وضمير المتكلم/الشخصية الدرامية صار ضمير مخاطَب مفرد. يتجلى هذا في فعل “سيأتيك”.
ولأن هذا الفعل، بالمعنى اللغوي، جاء في إطار السرد (قالوا لي)، فإن زمنه هو الماضي، وليس الآن رغم أنه زمنياً جامع بين الحاضر والمستقبل، الحاضر في الخطاب، والمستقبل يتعلق بقدوم من يعود عليه ضمير الغائب المفرد أي حبيب المتكلمة.ضمير الغائب المفرد المذكر موجود أكثر بكثير، عددياً، من ضمير الجماعة الغائب، لكنه ليس أكثر من ضمير المتكلم/الشخصية الدرامية الفاعلة درامياً.
وهو، أي ضمير الغائب المفرد المذكر، دائماً، مثل ضمير الجماعة الغائب، مقرون بضمير المتكلم. هذه الكثرة العددية ناتجة عن العلاقة الرابطة بين من يعود عليه هذا الضمير وضمير المتكلم.
أما الضمير الرابع فهو ضمير الجماعة المخاطَب، الذي يعود على الجمهور.
يتجلَّى هذا، على سبيل المثال، في “أنتم… لو كنتم مكاني…ماذا ستختارون؟” 32.
حيث المخاطِبة هي المتكلمة، مخاطبتها للجمهور مباشرة تكسير للإيهام، وإشراك للجُمهور في الأحداث الدرامية، ودفعه إلى التفكير.
هذه الضمائر حدَّدت بدقة الشخصيات الموجودة في النص الدرامي. شخصيات تنقسم قسمين، القسم الأول يعود فيه الضمير على الشخصية الوحيدة الفاعلة درامياً Mono، وضميران ذُكرا في إطار السرد، والضمير الرابع يتعلق بالجمهور المخاطَبِ المسرودِ له درامياً.
2-2-بلاغة التعبير:
في النص الدرامي”ذاكرة السمك” توجد تعابير بلاغية؛ حيث كان استعمال وسائل بلاغية من أجل إيصال المعنى، من ذلك، على سبيل المثال، “أصبحت ذاكرتي كذاكرة السمك”.
فمن أجل تقريب الفهم للمتلقي عن حالة ذاكرة المتكلمة كان التشبيه؛ حيث يوجد المُشَبَّه وهو ذاكرة المتكلمة، والمُشَبَّه به، وهو ذاكرة السمك.
وجه الشبه الجامع بينهما هو النسيان، لكن، إذا كان النسيان طبيعياً في ذاكرة السمك، فإنه مرض بالنسبة للمتكلمة، وتوجد أيضاً الاستعارة المكنية في هذا التعبير:”صار الماء يخاف المجرى…والطائر يرتجف…كلما رأى السماء” 33.
لقد شُبِّه الماء بإنسان يخاف فحُذف المُشَبَّه به، أي الإنسان وبقي أحد لوازمه الظاهر في فعل “يخاف”، وكذلك في “الطائر يرتجف…كلما رأى السماء” ؛ حيث شُبِّه الطائر بإنسان يرتجف إلخ، لكن الذي يخاف، والذي يرتجف، هم الناس ومنهم المتكلمة. الناس لأن هذين التعبيرين البلاغيين ارتبطا، في النص بضمير الجماعة نحن الموجود في “حسبنا”، ورغم هذا التعميم، فإن المتكلمة هي التي تخاف، وهي التي ترتجف.
ذلك أنها تنظر إلى ذاتها الداخلية، وهي تنظر إلى داخل الكأس، وعوض تجسيدهما، الخوف والارتجاف، كان التعبير عنهما تعبيراً بلاغياً.
هذان التعبيران تصدرتهما أداة “حتى” التي تفيد انتهاء الغاية.
ما قبل هذه الأداة، في التركيب اللغوي نفسه، هو الظن بأن السكون رحمة، والصمت وقار، والامتثال فضيلة، لكنَّ نهاية هذا الثلاثي، السكون، والصمت، والوقار هي الخوف والارتجاف.
وبطريقة ضمنية، فالمتكلمة تدعو إلى عدم السكون، وعدم الصمت، وعدم الامتثال.
في هذا العدم الثلاثي يكون نقيض الخوف أي الشجاعة، ويكون نقيض الارتجاف أي الطمأنينة ورباطة الجأش.
توجد الاستعارة المكنية أيضاً في”كم من عهر…توضأ قبل أن يخرج إليكم ᴉ …وكم من شهوة …حفظت ألف حديث…لتستر عُرِيَّها”34.
لقد شُبِّه العهر بإنسان مؤمن يتوضأ فحُذف المُشَبَّه به، وبقي واحد من لوازمه، الوضوء طهارة والعهر فجور، إنهما متناقضان من حيث المدلول، وحينما يتوضأ العهر فهو يتظاهر بالطهارة، إنه يُظهِر الطهارة ويُبطِن الفجور.
وبطبيعة الحال، ليس المقصود العهر بالمعنى اللغوي، بل المراد منه معناه المجازي.
الشهوة لغة هي”ما يُشتهى من الملذات المادية”35.
وهي “متاع الحياة الدنيا” كما جاء في القرآن ، وحفظ الحديث، أي الحديث النبوي، يدُلُّ على التمسك بتعاليم الدين الإسلامي.
ولما كان الجمع بين الشهوة وحفظ الحديث، فإن هذا يعني التظاهر بالتمسك بتلك التعاليم وفعل نقيضها.
العارية هي الشهوة، والساتر هو حفظ الحديث، وقد علَّل وحدد هذا الجزء من الجملة، “لتستر عُرِيَّها”، الغاية من الجمع بينهما، العلة تكمن في لام التعليل الموجود في “لتسترَ”.
المراد ستره هو الشهوة، التي غدت محجوبة بالحديث النبوي، وإذن فحفظ الحديث حجاب ظاهري يخفي الباطنَ، كما توجد الاستعارة المكنية أيضاً في”أما الإنسان…أن يدخل الجنة…بجثة الحقيقة”36.
لقد تم تشبيه الحقيقة بإنسان ميت للدلالة على موت الحقيقة، وبقاء نقيضها اللاحقيقة.
وفي جملة “وتبقى الوحشة…تطفئ الحكاية…” 37.
توجد استعارة مكنية، الوحشة، في السياق الدرامي الذي وُجدت فيه، تدُلُّ على محو الأسماء، أي زوالهم، وعلى رأسهم حبيب المتكلمة.
وقد شبهت الحكاية بالضوء، لكن حُذف المُشَبَّه به، وبقي واحد من لوازمه “تطفئ”.
اِستعارة مكنية تدُلُّ على أنه كان قبل الفراق والزوال ضوء الحكاية، غير أنه سرعان ما انطفأ بعد ذلك.
وتوجد الاستعارة أيضاً في هذا التعبير “لقد أصبحت ذاكرتي…كذاكرة السمك…لا لأنها قصيرة…بل لأن البحر…أوسع من أن يحتفظ بكل شيء”38.
كلمة البحر استعارة؛ لأنها لا تدُلُّ في هذا التركيب اللغوي، وفي السياق الدرامي أيضاً، على البحر بالمعنى المعجمي، وإنما تدُلُّ على بحر الذاكرة، الذي لا يحتفظ بكل شيء.
عدم الاحتفاظ بكل شيء يعني النسيان، والمتكلمة مريضة، حسب قولها، بمرض النسيان.
وتوجد أيضاً في”ما أكثر الأبواب… التي فتحناها…لندخل منها إلى الوهم…وما أقل الأبواب…التي قادتنا…إلى السلام”39.
ذلك أن كلمة “الأبواب” المقصود منها ليس الأبواب بالمعنى المُعجمي، بل المراد هو المعنى المجازي.
الأبواب بالمعنى المُعجمي يُحدِّده معناها المُعجم، أما الأبواب بالمعنى المجازي فيحدد معناه التخيُّل والتأويل.
الكثرة تتعلق بالوهم، والقلة تتعلق بالسلام، وبسبب التضادِّ بينهما، فإن الكثرة تؤدي إلى الوهم أي إلى اللاَّسلام، والقلة تؤدي إلى السلام أي إلى اللاَّوهم، وعليه، فقد غلب الوهمُ السلامَ.
ويوجد أيضا الرمز Le Symbole. يوجد في “أو حتى وردة يابسة”40.
الوردة رمز للحب، وصفة يابسة التي وُصفت بها الوردة ذات صلة بالمآل الذي آل إليه حبيبها، فقد استشهد، حسب وجهة نظر المتكلمة، في الحرب.
كانت تنتظر صورة/أيقونة Icone للحبيب، أو خصلة من شعره، أيْ علامة Signe، أو الرمز المذكور، لكنها، عوض كل ذلك، وجدت رسالة/مظروفاً، محتوى هذا المظروف له دور في البِنية الدرامية والأحداث الدرامية اللاحقة.
زيادة على ما سبق، فقد تم “اختراع” أسماء أخرى لكلمة الغياب. فهي تارة”التناسخ”، وتارة”العودة”، وتارة”الكرامة”، وتارة “المعجزة”41.
السبب في هذا “الاختراع”، حسب النص، وهو اختراع مفهومي، هو عجز الإنسان عن احتمال الغياب، الغياب من الوجود الذي هو الموت.
في هذا السياق الدرامي، قد يكون الإيمان هو “الخوف”42.
أو بسبب الخوف، الخوف من المستقبل المجهول بعد الغياب.
الملاحظ أن التعابير البلاغية في هذا النص الدرامي تنطوي على بُعْدَيْن، بُعْدٍ جمالي وبُعْدٍ فكري أيضاً.
الأبعاد الفكرية في تلك التعابير هي الرسائل Les Messages المقصودة؛ لذا، فإن جمالَ Esthétique التعبير وسيلة والرسالةَ غاية.
2-3-الخبر والإنشاء:
فضلاً عن التعابير البلاغية، توجد جمل خبرية وجمل إنشائية، قد لا يكون النص الشعري كله من بدايته إلى نهايته عبارة عن صور شعرية بلاغية، إذ قد تتخلَّله جمل خبرية وجمل إنشائية تُستعمل فيهما الدوالُّ أو الكلمات بمعانيها المعجمية.
هذا في الشعر، فما بالك بنص درامي، وفي هذا النص الدرامي توجد جمل خبرية عديدة منها، على سبيل المثال، “لقد فقدت حبيبي”43.
هذا النوع من الجمل كثيرة جداً في النص، وهي تختلف من حيث الزمن، فبعضها مرتبط بالماضي، وبعضها الآخر مرتبط بالحاضر؛ ولأن هذه الجمل موجودة في نص درامي، فإن معيار الصدق أو الكذب فيها ليس هو الواقع إذ لا مجال لهذا المعيار، بمعناه البلاغي العربي القديم، في المتخيل الدرامي.
وتوجد أيضاً جمل إنشائية عديدة جداً، كل جملة فيها استفهام في النص هي جملة إنشائية طلبية.
هذا النوع من الجمل الإنشائية هو الموجود بكثرة في النص الدرامي موضوع التحليل.
3-نقط الحذف:
الملاحظ هو وجود نقط الحذف بكثرة في هذا النص الدرامي بين الألفاظ والجمل، وهي جزء في اللغة الدرامية.
إن لها دالَّاً Signifiant ومدلولاً Signifié؛ دالُّها هو النقط، ومدلولها يحدده السياق الدرامي.
لذا، فإن وجودها ليس بدون معنى، فلكل نقط حذف، في السياق الدرامي الذي وُجدت فيه، يمكن تحليلها اعتماداً على وجودها في هذا السياق.
فقد نابت نقط الحذف عن المتكلم في الطرف الثاني عبر الهاتف مع المتكلمة.
وبناءً على أجوبة المتكلمة، يُمكن افتراض الألفاظ التي “نطق” بها هذا الطرف الثاني في المكالمة الهاتفية:
“(يرن الهاتف)
ألو…الدواء؟ …أي دواء؟…آه…دواء الذاكرة”44.
يمكن صياغة هذا الحوار التليفوني على النحو التالي:
المتكلمة: ألو
الطرف الثاني: هل أخذت معك الدواء؟
المتكلمة: أي دواء؟
الطرف الثاني: دواء الذاكرة.
المتكلمة: آه…دواء الذاكرة.
وقد تدُلُّ نقط الحذف على الاستغراب كما هو موجود في هذا المثال:
“(تقلبها أمام الضوء)
كم هو غريب…أن يُختصر العمر…في شريحة مثل هذه”45.
وكذلك:”ألو…نعم…أنا هنا…تماما…أمام شباك التذاكر…لا…لم أتأخر”46.
يمكن صياغة هذا الحوار التليفوني على النحو التالي:
المتكلمة: ألو
الطرف الثاني: هل وصلت؟
المتكلمة: نعم.
الطرف الثاني: هل أنت هناك؟
المتكلمة : أنا هنا.
الطرف الثاني: (يذكر لها المكان بالضبط).
المتكلمة : تماماً.
الطرف الثاني : في أي مكان بالضبط؟
المتكلمة : أمام شباك التذاكر.
الطرف الثاني : هل تأخرت؟
المتكلمة : لا…لم أتأخر.
في نقط الحذف الأخيرة أي بعد “لا” صمت.
لا ينفصل مدلول نقط الحذف عن مدلول الألفاظ داخل التركيب الدرامي الجامع بينهما.
لذا، فإن مدلول هذه النقط في هذا التركيب الدرامي، هو استغراب المتكلمة، الذي حدَّد مدلولها هو دالٌّ أو كلمة “غريب”.
وهكذا، يمكن تتبع كل نقط الحذف في النص الدرامي برمته من أجل تحديد مدلولاتها في كل تركيب درامي على حِدَة، وقد يكون أكثر من مدلول لنقط الحذف داخل تركيب درامي واحد، مثال على هذا ما يلي:
“هذه…هي الرسالة؟ (ترفعها بين أصبعيها) كنت أنتظر…كلمة…أو صورة…أو خصلة من شعره…أو حتى وردة يابسة…نجت من الحرب…فإذا بالرسالة…قطعة صامتة…لا تعرف البكاء”47.
نقط الحذف الأولى مرتبطة بالاستفهام، ونقط الحذف الموجودة قبل “فإذا” تتعلق بالانتظار، ونقط الحذف بعدها تتعلق بالمفاجأة.
نقط الحذف تدفع القارئ إلى محاولة ملء البياض؛ حيث توجد نقط الحذف ولا توجد الألفاظ، على مستوى الألفاظ، الذي يميزها وبصفة عامة، فإن المفترض، حين تقديم هذا النص الدرامي على الخشبة، أن يكون الصمت، صمت الممثلة، بديلاً عن نقط الحذف. إن الصمت أيضاً جزء من اللغة المسرحية.
قبل التساؤل كان الجواب، وهو::”وأنا… منذ زمن بعيد… لا أعرف” 60.
لنلاحظ الزمن:”منذ زمن بعيد”، وهو غير محدد إلا من خلال زمن الشخصية الدرامية.
المتكلِمة سجينة، لكن ليس في سجن بالمعنى المُعجمي؛ لذا، يمكن تفسير الكأس، بالمعنى المجازي، بأنها سجن لها، وعليه، فإن في انكسار الكأس انكسارا للمتكلِمة.
قبل وضعيات الكأس المشار إليها، كان استغراب المتكلِمة من الزجاج.
اِستغراب مفاده أنه “كلما ازداد صفاء…أوهمنا أنه لا يحجب شيئاً”61..
بعد الاستغراب مباشرة كان الافتراض والشرط، اللذان دلَّت عليهما أداة “لو” في “لو ملأناه ماء…” 62 .
وهما معاً، أي الافتراض والشرط، يتعلقان بـ”من الذي سيموت أولاً؟ الماء…أم الطريق إليه؟63.
وأخذاً بعين الاعتبار ما سبق، يمكن القول إن الكأس كانت أداة فنية لتوليد أفكار مرتبطة بالتأمل والوجود، الوجود الذاتي والوجود الجماعي.
كان التعبير عن الأفكار-ارتباطاً بالكأس-عبر الألفاظ، ونقط الحذف، والحركات المتمثلة في وضعيات الكأس.
تختلف الحركات المتعلقة بالكأس ووضعياتها؛ ولكل حركة ووضعية مدلول.
ذلك أن التقريب من القلب يمكن اعتباره دالَّاً على الحميمية بينهما. أما تخفيضها في النهاية فتمهيد للانتقال إلى تيمة أخرى غير مرتبطة بالكأس.
هكذا يمكن تتبع تفاعل المتكلمة مع باقي “الأكسسورات” الأخرى: الحقيبة، والمسدس، والمعطف الأبيض، والمظروف، والتابوت، وهو تفاعل يحمل معه مدلولات معرفتها ضرورية، لأنها تكشف عن الشخصية الدرامية.
ولصفارة القطار علاقة مباشرة بهذا الصراع الدرامي الداخلي. قالت:”لم أعد أعالج المرضى …صرت أعالج ذاكرتي…وفي كل مرة أظنها تعافت…أسمع صفارة القطار…فأعود…” 64.
صفارة القطار، في هذا السياق الدرامي، ليس المراد منها المعنى المعجمي لهذا التركيب اللغوي، بل المراد هو المعنى النفسي الداخلي، وقد تكررت في النص الدرامي مراراً.
تكرار له دلالته أيضاً، تتمثَّل في استمرار المعاناة النفسية. الدليل أيضاً على أن صفارة القطار موجودة في الذهن، تعبيراً عن المعاناة النفسية هو هذا التشبيه:”…تطفئ الحكاية…وتبقي صداها…يدور في رأسي …كصفارة قطار”65.
إن ما يدور في الرأس يُشبه صفارة قطار، تشبيه يدُلُّ على المعاناة الداخلية التي كانت الحرب سبباً فيها.
هذه الأخيرة ليست سبباً في معاناة الشخصية الدرامية المتكلمة فقط، بل هي سبب في معاناة شخصيات أخرى أيضاً ذكرتها تلك الشخصية.66.
لا توجد علامات في النص الدرامي تدُلُّ على حرب معينة، لكن توجد علامات أو دوالٌّ لغوية تُحدِّد طبيعتها.
هذه العلامات اللغوية منها على الخصوص”الحرب قتلت كل شيء”67.
هذا على علاوة على الموت، والتابوت، والرصاص، والمسدس، والجندي.
وتفيد عبارة “كل شيء” القتل المادي المتمثل في حبيبها، وفي القتل المعنوي كذلك، المتمثل في المعاناة النفسية، وفي مرض النسيان. وعليه، فطبيعة الحرب هي أنها حرب عسكرية.
2-الصراع الدرامي الخارجي:
إضافة إلى الصراع الدرامي الداخلي، يوجد صراع درامي خارجي، طرفاه هما المتكلِمة ومن يعود عليهم ضمير الجماعة الغائب الذين أشعلوا الحرب “ثم عادوا إلى موائدهم”68.
هذا الصراع الدرامي الخارجي قليل بالمقارنة مع الصراع الدرامي الداخلي.
إن مجموع التعابير الدالَّة عليه في النص الدرامي قليل بالمقارنة مع الصراع الآخر.
غير أن هناك ربطاً فنياً بينهما، ذلك أن معاناة المتكلِمة سببها الذين اعتبرتهم سبباً في إشعال الحرب، لأن حبيبها كان ضحية لها حيث كان رحيله.
قالت المتكلمة:”منذ رحل…لم أعد أعالج المرضى…صرت أعالج ذاكرتي”69.
الذين يعود عليهم ضمير الجماعة الغائب تم تقديمهم في النص الدرامي من وجهة نظر الشخصية الدرامية المتكلمة.
السبب في ذلك أن النص الدرامي نص مونودرامي؛ حيث الصوت هو صوت الشخصية الدرامية المتكلمة، لم يظهر هذا الصراع بشكل مباشر في النص، وقد تم تقديمه عن طريق السرد.
هو صراع خارجي بالنسبة للمتكلِمة؛ لأن من يعود عليهم ضمير الجماعة الغائب أثَّروا فيها نفسياً وجسدياً (مرض النسيان)، ثم إن سردها الخاص بهم يوحي بذلك.
الزمن الدرامي:
للزمن الدرامي في النص مظاهر متعددة، ذلك أن الزمن موجود في الأفعال Les Verbes.
هذا الزمن موزع بين الحاضر والماضي، زمن الماضي مرتبط بالسرد؛ حيث الساردة هي الشخصية المتكلمة، والمسرود له هو الجُمهور. ويوجد زمن الأمر الذي يندرج في إطار الماضي، هذا مثال عنه:”قالوا له: اِبقَ كما أنت”70.
فعل “قالوا” يتعلق بزمن السرد أي الآن”، أمّا “اِبق كما أنت” فعبارة يتعلق الزمن فيها بزمن الوقائع، وقد كانت في الماضي.
بالإضافة إلى الزمن في الأفعال Les Verbes، يوجد أحياناً التنصيص على الزمن من قبيل”منذ ذلك اليوم”71.
وكذلك “العقربان متعانقان…عند الثانية عشرة…إلا ثانية”70. ويوجد أيضا زمن العرض أي “الآن”.
لقد أدَّت الشخصية الدرامية دور محامية ودور امرأة، ولكل دور لباس خاص به ؛ حيث كان لكل جانب من جانبَيْ جسدي الشخصية الفاعلة لباس خاص بكل دور من الدوريْن. زمن العرض هذا، يدُلُّ عليه أيضاً هذا الاستشهاد وهو من الإرشادات المسرحية:”صمت، تتقدَّم نحو الجمهور”72.
وبدون شك، إن زمن الحاضر موجود في النص، وهو يتجلَّى تارة في تعابير المتكلمة، وتارة أخرى في مخاطبتها للجمهور في النص الدرامي مثل”هل مازال العالم يحتاج إلى مؤلف؟…أم يكفيه نص فقط؟”73. وبصفة عامة، إن للزمن الدرامي دوراً مهماً في تنظيم الحكاية الدرامية، وفي الحبكة الدرامية.
الفضاء الدرامي:
أول علامة لغوية بدأ بها النص الدرامي “ذاكرة السمك”، بعد العنوان تتعلق بفضاء درامي، فقد كانت بداية أولى الإرشادات على النحو التالي:”محطة قطار مهجورة لا شيء فيها يدُلُّ على أنها محطة، لكنها في الوقت نفسه مقبرة”74.
إن كون هذا الفضاء عبارة عن محطة مهجورة، وصِفَةُ مهجورة لها دلالتها في السياق الدرامي، ومقبرة في الوقت ذاته يدفع إلى البحث عن السبب في ازدواجية الفضاء هذه.
فضاء درامي مكتوب فيه شباك التذاكر، لكن لا شباك، توجد الكتابة ولكن لا يوجد الشباك.
فضاء درامي توجد فيه أيضاً شواهد قبور”على شكل أسهم تشير إلى السماء”75.
فضاء المحطة، دون مقبرة، هو أصلا فضاء للسفر، وفضاء المقبرة، دون محطة، هو أصلا فضاء لدفن الموتى.
اِزدواجية الفضاء هذه تجد تفسيرها ليس في الإرشادات المسرحية، بل في أولى بداية تعامل الشخصية الدرامية/المتكلمة مع هذا الفضاء. تعامل كان بقراءة المكتوب، وأيضاً بالألفاظ، ومن هذه الألفاظ، قولها: “غريب…كلما اقترب الإنسان من نهايته…صار أقرب إلى السماء…”76.
وكذلك ما جاء في أحد الإرشادات المسرحية وهو:”(تُسمع صفارة القطار، هذه المرة أقرب من كل مرة، من عمق المسرح يُدفع تابوت ببطء”77.
صفارة القطار هنا صادرة من عمق المسرح، وليس من المحطة، والتابوت هو الصندوق الذي من المفترض أن يكون بداخله ميت، هناك إذن ثنائية الحياة والموت.
الحياة تدُلُّ عليها جملة “كلما اقترب الإنسان من نهايته…”، إذن هناك حياة مع الاقتراب من النهاية، وهذه إشارة زمنية تتعلق بعمر الإنسان، وهناك الموت أيضاً.
لذا، يمكن تفسير القطار بأنه قطار الحياة، حياة الشخصية الدرامية “المُسِنّة” التي اقتربت من نهايتها.
أما الموت فيتعلق بحبيبها الذي مات في الحرب، موت بالنسبة لها تعني الاستشهاد.
هذه الأخيرة تتجاوز المعنى البيولوجي للموت إلى معنى ديني يدُلُّ، علاوة على الجانب الديني الإسلامي، على التعاطف، تعاطف سببه الحب.
يبدو أن ثنائية الحياة والموت هي التي كانت سببا في ازدواجية الفضاء الدرامي المذكور.
علاوة على هذا الفضاء المزدوج الوظيفةَ، يدُلُّ سياق درامي في النص على وجود فضاء مَحْكمة؛ حيث كان أداء المتكلِمة لدوري المرأة والمحامية.
وفي سياق درامي آخر، كان الفضاء هو المسرح؛ حيث المتكلِمة تخاطب الجُمهور الموجود أمامها، الذي تُقَدِّم له أحداث حكايتها. ويوجد كذلك في سياق درامي آخر فضاء متخيَّل هو فضاء المستشفى. هذا الفضاء متخيَّل غير مذكور لفظاً، ولكن يدُلُّ عليه وضع السماعة، سماعة الطبيبة، على صدر المريض/الميت من أجل الفحص.
كان هذا في إطار السرد المُؤدرم للمتكلِمة، الفضاء يدُلُّ عليه أيضاً اسم الإشارة “هنا”78.
التي تدُلُّ على المكان القريب، هذا القريب هو الفضاء الدرامي المحدَّد في أول الإرشادات المسرحية.
اللباس:
الملابس جزء من اللغة الدرامية/المسرحية، وفي هذا النص الدرامي يوجد اللباس المهني المتمثل في بِذْلَة المحاماة، وفي اللباس الأبيض لباس الطبيبة.
وفي أول الإرشادات المسرحية، كانت ملابس المرأة “ملابس بيضاء”79.
الموسيقى:
ذُكرت الموسيقى مرة واحدة في الإرشادات المسرحية، وقد ذُكرت مصحوبة بصفة هي “رومانسية”.
هذه الصفة تضع هذه الموسيقى في إطار دلالي مُحدَّد، أو توحي به، ثم كان الانتقال من الإيحاء إلى التصريح اللفظي من لدن المتكلمة. قالت هذه الأخيرة:”كان في كل لقاء…يناديني حبيبتي”80.
وعليه، فإن سبب وجود تلك الصفة هو أن تلك الموسيقى تُعَبِّرُ عن الحب، وقَدِ الانتقال إلى هذه الموسيقى ، وهذا الحب في النص الدرامي بعد عبارة”تُحَدِّقُ في الفراغ”81.
التحديق في الفراغ وسيلة فنية، فضلاً عن تعبيريته، للانتقال من حدث حزين يتجلَّى في اكتشاف أن الحبيب ميت “الآن” إلى الماضي؛ حيث كان الحب.
تيمات:
يختلف الموضوع Le Sujet عن التيمة Le thème. ذلك أن الموضوع عامٌّ يتعلق بالنص كله، أما التيمة فجزء منه.
لذا، يمكن استخراج عدة تيمات من نص واحد، كل تيمة تشترك في عدد من الدوال يجمعها حقل دلالي واحد.
موضوع هذا النص المونودرامي، يمكن اختزاله في “الذاكرة والكتابة”. ذلك أن الذاكرة والكتابة جامعتان لكل التيمات الموجودة في هذا النص الدرامي.
بناء على هذا التمييز، يمكن استخراج عدة تيمات من النص المونودرامي “ذاكرة السمك” لـ”حسام الدين مسعد”.
منها مرض النسيان، الموت، والحرب، والمرأة والمجتمع الذكوري، واللغة وفقدان المعنى والتعليم، والكتابة.
سيتم الاقتصار هنا على ثلاث تيمات هي: الموت، واللغة وفقدان المعنى، والكتابة.

1-الموت
موت الحبيب في الحرب بالنسبة للمتكلمة استشهاد، توجد مجموعة من الدوالِّ في هذا النص تندرج في إطار هذه التيمة، منها: الموت، القتل، الشهداء، الغياب، “(تضع السماعة على أذنيها) وضعتها على صدره…مرة…فسمعتُ دقات قلبي…وضعتها مرة أخرى…لم أسمع شيئاً…علَّ قلبي هو الذي أخطأ السمع…لكن الصمت…كان أعلى من كل النبضات”82 . إلخ.
الموت في هذا النص المونودرامي تحوَّل إلى موضوع فلسفي، يتجلَّى هذا في الأسئلة المتعلقة بثنائية الروح والجسد المذكورة لفظاً فيه. وللموت فيه عدة تفسيرات يمكن تصنفيها إلى ثلاثة:
الصنف الأول: يظن أن الميت يعود في جسد آخر، و”ربما…لم يمت…إنما بَدَّلَ باباَ…بباب”83.
والصنف الثاني: يظن أن “الأرواح…لا تعرف الفراق…حتى تجد جسداً آخر…تسكنه”84.
الصنف الثالث: يتعلَّق بوجهة نظر المتكلمة، وجهة نظرها تجلَّت أولاً في اعتبار ما تضمنه الصنفان السابقان، وهْما حين تعجز الحقيقة. وعليه، فإن فكرة تناسخ الأرواح عندها مجرد وهْم، هذا ما عبَّرت عنه هي نفسها قائلة:
“أحسب أن الإنسان…كلما عجز عن احتمال الغياب…اخترع للغياب…اسماً آخر…مرة سماه تناسخاً…ومرة…عودة…ومرة… كرامة…ومرة…معجزة…”85.
للغياب أي للموت، عندها، اسماء مخترعة بسبب عجز الإنسان عن احتمال الغياب.
هكذا، تحوَّل الموت من موضوع بيولوجي، في النص الدرامي، يتعلَّق بالحبيب إلى موضوع فلسفي. وتحوَّل أيضاً إلى موضوع اجتماعي. دليل ذلك ما يلي:
“لكن…إن كانت الأرواح…تبدل أجسادها…فلماذا يبقى الحنين…وفيا…للوجه القديم؟ ولماذا…إذا التقيت ألف وجه…لا أرى فيه…وجهه؟”86.
السؤال الأول موضوعه “الوجه القديم” أي الحبيب الذي مات، والمُفترض أن روحه حلَّت في جسد آخر حسب السياق الدرامي. والسؤال الثاني موضوعه عدم وجود الوجه القديم رغم الالتقاء بألف وجه.
ليس المراد بهذا “الألف” المعنى العددي المضبوط، وإنما المراد به الكثرة دون تحديد.
السؤالان معا يدُلّان على عدم إيمان المتكلِمة بتناسخ الأرواح، وهذا ينسجم مع رأيها في هذا الموضوع المشار إليه سابقاً.
إضافة إلى الموضوعين الفلسفي والاجتماعي للموت، والعودة وتناسخ الأرواح والموقف منهما، كان للموت أيضا تأثير على الذات المتكلِمة، يتجلَّى ذلك في مرض النسيان، وفي المعاناة النفسية.
2-اللغة وفقدان المعنى:
توجد أحداث درامية يجمعها قاسم مشترك هو فضاء المحكمة، ذلك أن شخصية “المحامية”، و”موضوع الدعوى”، و”سيدي الرئيس” هي كلها تتصل بالفضاء الدرامي المذكور، غير أن المخاطَب ليس هو القاضي، بل المخاطبُ هو الجُمهور.
ذلك أن الشخصية الدرامية، وهي تؤدي دورَيْ المرأة والمحامية، تخاطب مباشرة الجُمهور، وعليه، فقد تحوَّل فضاء التمثيل ، “خشبة” و”قاعة”، إلى فضاء محكمة، هذا، وقد أدَّى دور المرأة إلى توليد المعاني من خلال طرح الأسئلة، وإجابة المحامية عنها.
وإذن، فقد ساهمت هذه الأسئلة والأجوبة عنها في تطوُّر الأحداث الدرامية.
“الدعوى” في هذه المحاكمة تتعلَّق باللغة، إنها موضوعّها.
ولما كانت وظيفة المحاماة هي الدفاع، فقد كان فعل “أدفع” الموجود في جملة “أدفع ببطلان اللغة”87.
منسجماً مع تلك الوظيفة، من خلال هذا الدفاع بيَّنت أجوبة المحامية أن اللغة لا تكذب، ولكنها “لم تعد تعرف ما تشير إليه”88 الكلمة، وهي من اللغة، تتكوَّن من دالٍّ ومدلول.
وحيث إن اللغة نفسها، بلْهَ مستعملها، لم تعُدْ تعرف ما تشير إليه، فهذا يدُلُّ على بقاء الدالِّ وغياب المدلول.
هذا الغياب ليس أصلاً في اللغة؛ لأن لكل دالٍّ مدلولاً، وإنما حدث هذا الغياب بعد ذلك الأصل، وجود ثم فقدان المدلول.
لاحقاً يوجد في تعبير “لم تعُدْ تعرف”كانت تعرف، ولكنها لم تعُدْ تعرف “الآن”.
أما ما تشير إليه اللغة، والكلمة منها، فهو المرجع، بفقدان المدلول، “قتل المعنى”89 ، والمرجع فُقِدَ التواصل.
سبب فقدان المعنى، أو قتله، هو التعليم وبيداغوجيا وديداكتيك التعليم.
في هذه البيداغوجيا صارت”الإجابة …أسبق من السؤال”90. والنتيجة هي موت العقل91، وعدم كفاية نوع من الديداكتيك أُسُسُه هي”ترتيب الدرس…وصناعة الوسيلة…وتنظيم السؤال”92 في صناعة عقل93 .
تشترك البيداغوجيا والديداكتيك في نتيجة واحدة هي موت العقل. وفي موت العقل موت للشك، و”إذا مات الشك…ولدت الطاعة. وإذا ولدت الطاعة…مات الاكتشاف”94.
هكذا على غرار السقراطي تتولَّد المعاني، ومنها أيضاً أنه “منذ خاف الإنسان… من الحقيقة”95 صارت الوسيلة أهمَّ من الحقيقة96. كما صار المنهج…هو المعرفة97 منذ أن صار”حفظ الطريق…أهمَّ من الوصول”98. وصار الشرح بديلاً عن الاكتشاف99 منذ أن “تنازل الإنسان…عن حقه في الدهشة”100
هي إذن سلسة من الصيرورات، لكنها صيروارت، أو تحوُّلات سلبية حسب السياقات الدرامية، ولأنها سلبية، فإن شخصية المحامية تدعو، ضمنياً، إلى نقيضها.
علماً بأن شخصية المحامية هي أداة فنية استعملها الكاتب.


★ناقد وباحث مسرحي ـ المغرب

مقالات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى