مسرح

سيف الأمير:”سما”.. حين تُصبِحُ الكلمة معزوفةً على أوتار الحرية.

سيف الأمير

في إطار فعاليات الدورة التاسعة عشرة للمهرجان القومي للمسرح المصري، يفتح عرض “سما” نافذةً شاهقة على النور، ليقدم للمشهد المسرحي العربي تجربة نادرة لا تُشبه إلا العزف المنفرد (Solo) على أعمق أوتار الروح البشرية.
هذا العمل المونودرامي المتألق ليس مجرد نص مسرحي يُقرأ أو يُشاهد، بل هو “صياغة حقوقية وإنسانية” لمأساة الوجود، وتنهيدة شجية تتقاطر رِقةً وجلالاً، تغوص في أغوار النفس ؛ لتنتزع منها حقها الأبدي في الحرية، والذاكرة، والأمل العصي على الِانكسار.

الأداء الاستثنائي للنجمة “مروة عبد المنعم”:

اِحتلت “مروة عبد المنعم “المساحة المسرحية بحضور آسر؛ إذ خاضت رحلة المونودراما الصعبة باقتدار فذ، فقد تنقلَّت بين الدرجات الِانفعالية، من الهشاشة الإنسانية إلى الصلابة الروحية، متسلِّحة بلغة جسد عالية التعبير ، وصوت ينبض بالصدق النادر، وكأنها تحولَّت إلى آلة موسيقية بشرية تعزف مدونة المؤلفة بحرفية عالية.

إن النجمة “مروة عبد المنعم” تُمثِّل حالة فنية استثنائية،
فهي تنغمس في الحالة الشعورية للدور بكل جوارحها، حتى إنك لتتوهم أن أنفاسها، وصمتها، ونبضات قلبها، وسريان الدم في عروقها، كلها تنتمي إلى الشخصية التي تجسدها، لا إلى “مروة عبد المنعم”.

بالفعل لقد تجاوزت ” مروة عبد المنعم” كل مراحل ما بعد النضوج والتألق الفني، لتضاهي وتتجاوز الكثيرات من نجمات هوليود التاريخيات الشاملات، وتجعل بحق كل مشاهد مصري وعربي فخور بوجود هذه النجمة الساحرة في بلادنا، بل حتى من الطبيعي أن تجد مشاهدات أوروبيات أو أمريكيات لا يعرفن اللغة العربية، ولكنهن ينفعلن معها بالبكاء أو الضحك أو التصفيق متأثرات بالحالة التي تخلقها وتبثها على خشبة المسرح.

سونيا بوماد”.. مهندسة العدالة الوجدانية وعازفة الكلمة:

تتجلى العظمة الأولى لهذا العرض في نص المونودراما، الذي أبدعته الكاتبة والمفكرة “سونيا بوماد” ؛ حيث تجلَّت فيه عبقرية تجمع بين صرامة العقل ، الذي يعرف قيمة “الحق” وبين رهافة الروح ، التي تُدرِك سر “الموسيقى”. لقد نجحت ببلاغة نادرة وحس جمالي رفيع في صياغة نص ينساب كمعزوفة كلاسيكية دقيقة البناء، نص لا يخاطب الأذن بل يستقر في الوجدان فوراً كحقيقة مجردة.

البناء الدرامي للتجربة:
اِستطاعت “سونيا بوماد” أن تخلق من سكون المسرح عالَماً متكاملاً تتداخل فيه الأصوات الداخلية بروعة الهارموني الموسيقي المتقن؛ حيث منحت الكلمة ثقلاً وجودياً يُجبر المتلقي على الانفصال عن واقع الصالة ليذوب في تجربة الغربة والتحرر التي تخوضها البطلة.

شعرية اللغة ونبض النطاق:
لغة النص عند “سونيا بوماد “لم تكن مجرد حوار مسرحي، بل كانت “بصيرة مجهرية” مشحونة بالرموز والصور الجمالية؛ لغة تتنفس بإيقاع داخلي منتظم، يُعيد للمسرح العربي هيبته وألقه المكتوب بحبر الروح الشغوفة بالعدل والجمال.

الرؤية الإخراجية والتألق التجسيدي:

على خشبة مسرح الهناجر، قدم المخرج” أيمن مصطفى” قراءة إخراجية تتسم بالرهافة وفهم الأبعاد العميقة للنسيج النصي؛ حيث حوَّل الخشبة إلى فضاء من الخيال التجريدي ،الذي يخدم نص “سونيا بوماد “دون أن يُثقِلَ كاهله.

فليس فقط على الكاتب أن يكون رشيقاً في التعبير عن مضمون مكنوناته في النص، وليس فقط على الممثلين أن يكونوا آلات بشرية طيعة ورشيقة ومَرِنَة للتعبير عما يريده المؤلف والمخرج، بل على المخرج أيضاً أن يكون رشيقاً في أساليب تعبيره عما يريد إيصاله للمتلقي، وقد نجح في ذلك المخرج “أيمن مصطفى” ببراعة وخِفّة ورشاقة إخراجية متميزة، ليكتمل ثالوث التعبير الفني، كما لو كان المخرج والنجمة والمؤلفة يؤدون رقصة باليه متناغمة بارعة على سيمفونية يتم عزفها فوق السحاب.

التناغم الفني:
اِنصهرت عناصر الديكور مع الظلال الشاعرية للإضاءة، لتشكل مع الخلفية الموسيقية لوحة تشكيلية متماسكة الأركان.

“سما” نص كتبت فيه ” سونيا بوماد” أجنحة من السكنات والنغمات المنسوجة بحرية، لتطير بها “مروة عبد المنعم” في أثير المسرح، مخترقة حجب التلقي التقليدي نحو التسامي الخالص على يد مايسترو العمل المخرج” أيمن مصطفى”.

ولكن وسط هذا التناغم البديع، تبقى ملاحظة في إيقاع الصمت؛ حيث قطعت قطعة موسيقية توقفاً خاطفاً في منتصف النص، وكان الأجمل ترك الفراغ الصوتي لـ “السكتة الموسيقية”(Rest) الصامتة التي أسس لها قلم “سونيا بوماد “في تلك اللحظة بالذات، فالصمت هنا كان بمثابة نغمة قائمة بذاتها، تُتيح للجمهور أن يتنفس الصدى الروحي للكلمة قبل الِانتقال للتداعي التالي.

تحية لمسرح الهناجر وإدارة المهرجان

وإن هذا النجاح الجماهيري والفني يضعنا أمام واجب الإشادة بمسرح الهناجر والقائمين عليه، وتُتَوَّجُ هذه الإشادة للجنة المهرجان القومي للمسرح المصري في دورته التاسعة عشرة ، التي تقود هذه الدورة بوعي تنويري لافت ، اِحتضن النصوص الأصيلة ، التي تجرؤ على التحليق في السكينة والعمق.


مقالات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى