د.أحمد جمال عيد:”حواديت صفية القباني”… حين تتحول اللوحة إلى ذاكرة تمشي على قدمين.


د.أحمـــد جمــــال عيد★
ثمة فنانون يذهبون إلى اللوحة وهم يحملون مشروعًا بصريًا صارمًا، وخطة مسبقة، وتصوّرًا نهائيًا لما ينبغي أن تكون عليه النتيجة. وثمة فنانون آخرون يدخلون إلى المساحة البيضاء كما يدخل طفل إلى حديقة للمرة الأولى؛ بدهشة مفتوحة، وبقلب يسبق العقل، وبثقة كاملة في أن الطريق سيولد أثناء السير. الفنانة التشكيلية د. صفية القباني تنتمي، بعمق، إلى الفئة الثانية. ولهذا تحديدًا تبدو تجربتها عصية على الترويض النقدي التقليدي، لأنها لا تصنع أعمالها وفق منطق البناء الهندسي البارد، بل وفق منطق الحكاية حين تتنفس، وحين تكبر من تلقاء نفسها، وحين تقود صاحبها بدلًا من أن يقودها.

في معرضها الجديد «حواديت»، والذي تم افتتاحه يوم ١٠ مايو ٢٠٢٦، لا تقدم القباني الأستاذ الدكتورة والعميدة الأسبق لكلية الفنون الجميلة جامعة حلوان ونقيب التشكيليين الأسبق، معرضًا بالمعنى المتعارف عليه، بقدر ما تفتح بابًا واسعًا لذاكرة مصرية حميمة، متدفقة، مشغولة بالإنسان أكثر من انشغالها بالشكل، وبالدفء أكثر من انشغالها بالاستعراض التقني، رغم ما تمتلكه الفنانة من خبرة أكاديمية راسخة وقدرة عالية على التنظيم البنائي والتوازن اللوني.

لكن المفارقة أن هذه الأكاديمية لا تظهر بوصفها قيدًا، بل بوصفها أرضًا صلبة تقف فوقها التلقائية كي تقفز بحرية. وهنا تكمن فرادة التجربة.
صفية القباني لا ترسم “موضوعًا”. إنها تستدعي حالة كاملة. اللوحة لديها لا تبدأ بفكرة مكتملة، بل بإشارة صغيرة: امرأة تمر، شرفة قديمة، نبات على النافذة، مجموعة وجوه، قمر معلّق فوق بيت، أو مجرد تدرج لوني يوقظ ذاكرة بعيدة. ومن هذه الشرارة تبدأ الحكاية في التكوّن، لا باعتبارها مشروعًا محسوبًا، بل باعتبارها كائنًا حيًا ينمو تدريجيًا فوق السطح. ولهذا تبدو أعمالها كما لو أنها “اكتُشفت” أثناء الرسم، لا كما لو أنها نُفذت طبقًا لخطة مسبقة.

في أعمال كثيرة داخل المعرض، يمكن ملاحظة هذا التدفق الحر للتكوين؛ المدن تتكاثر دون مركز واضح، النوافذ تلد نوافذ أخرى، النساء يظهرن ثم يختفين داخل طبقات لونية متجاورة، والزخارف الشعبية تتسلل كأنها جزء من الذاكرة الجمعية لا مجرد عنصر تزييني. كل شيء يبدو عفويًا، لكن تلك العفوية نفسها تستند إلى عين تعرف جيدًا أين تضع الكتلة، وكيف تخلق الإيقاع، وكيف تمنع اللوحة من السقوط في الفوضى. إنها فوضى ولكن محسوبة بالقلب لا بالمسطرة.
وفي هذا لوحات هذا المعرض تحديدًا، يبدو واضحًا أن الفنانة بلغت مرحلة قصوى من التصالح الكامل مع أدواتها؛ لم تعد تحاول إثبات شيء، ولا تسعى إلى استعراض المهارة، بل تترك اللوحة تتنفس وحدها.
وهذه من أصعب اللحظات التي قد يصل إليها فنان تشكيلي: أن يمتلك القدرة على “التخلي والاستغناء”، أن يثق في الحس الداخلي أكثر من ثقته في القواعد.
ربما لهذا تبدو أعمالها قريبة من المتلقي إلى هذا الحد. فالناس لا يدخلون إلى لوحات صفية القباني باعتبارها ألغازًا نخبوية مغلقة، بل باعتبارها أماكن يمكن العيش داخلها. ثمة دفء نادر في هذه الأعمال، دفء لا يأتي من الألوان وحدها، بل من الإحساس العميق بأن الفنانة ترسم البشر بمحبة حقيقية، لا بوصفهم عناصر تشكيلية.
المرأة في عالمها ليست “موديلًا” ولا رمزًا مجردًا. إنها الذاكرة نفسها. إنها الأم، والابنة، والجارة، والصديقة، والطفلة التي لم تغادر الروح أبدًا. ولهذا تتكرر النساء في أعمالها لا باعتبارهن موضوعًا نسويًا مباشرًا، بل باعتبارهن حاملات الحكاية.

في بعض اللوحات تظهر الوجوه مختزلة إلى أقصى حد؛ أعين واسعة، أجساد بسيطة، خطوط تكاد تقترب من رسوم الأطفال، لكن خلف هذه البساطة تكمن خبرة طويلة في معرفة ما ينبغي حذفه وما ينبغي الإبقاء عليه.
وهنا تحديدًا تتجلى خطورة السهل الممتنع في تجربتها. فالرسوم التي تبدو بريئة وعفوية تخفي تحتها وعيًا بصريًا حادًا، وإدراكًا عميقًا لقيمة الإيقاع والزخرفة والفراغ. إنها تستعيد الروح الشعبية المصرية لا بوصفها فولكلورًا جامدًا، بل بوصفها طاقة حية قابلة لإعادة الاكتشاف.

ولعل أكثر ما يلفت النظر في «حواديت» هو هذا الانحياز الواضح إلى الامتلاء البصري. القباني لا تخاف من ازدحام اللوحة، بل تتعامل معه كما يتعامل الحكّاء الشعبي مع التفاصيل الكثيرة داخل السرد. كل زاوية لديها يمكن أن تتحول إلى حكاية مستقلة. كل نافذة تخبئ عالمًا صغيرًا.
كل لون يجر لونًا آخر وراءه. وحين نتأمل أعمالها ، خصوصًا تلك التي تتجاور فيها المدن والنساء والنباتات والطيور والزخارف، نشعر أننا أمام خرائط وجدانية أكثر من كوننا أمام لوحات تقليدية.
إنها تبني عوالمها كما تُبنى الأحلام؛ بلا منطق صارم، لكن بانسجام داخلي غامض يصعب مقاومته.
ثمة أيضًا نزعة واضحة إلى التحرر من المنظور الأكاديمي الصارم.
الأحجام تتبدل بحرية، والمسافات تتلاشى، والمدينة تتحول أحيانًا إلى سجادة زخرفية ممتدة، فيما تتحول الشخصيات إلى علامات بصرية أكثر من كونها أجسادًا واقعية. لكن هذا التبسيط لا يلغي الإحساس بالمكان، بل يمنحه طابعًا أكثر شاعرية. كأن الفنانة لا ترسم المدينة كما تُرى، بل كما تُتذكَّر.

أما اللون، فهو البطل الخفي في هذا المعرض.
ألوان صفية القباني لا تعمل بوصفها طلاءً سطحيًا، بل بوصفها حالة نفسية كاملة. البرتقالي المتوهج، الأزرق الحالم، البنفسجي المضيء، الأخضر المشبع بالحياة… جميعها تدخل في حوار دائم داخل اللوحة، دون أن يسعى أحدها إلى إلغاء الآخر. هي لا تستخدم اللون لتوصيف الأشياء، بل لتحريرها من واقعيتها الثقيلة. ولهذا تبدو أعمالها أحيانًا أقرب إلى الموسيقى منها إلى الرسم؛ مساحات لونية تتجاور كما تتجاور النغمات، بإيقاع داخلي يصعب شرحه لكنه محسوس بوضوح.
وفي الأعمال المستوحاة من الطبيعة، خاصة المشاهد المائية والجبال والطيور، تنجح الفنانة في تقديم الطبيعة باعتبارها امتدادًا للروح لا مجرد مشهد خارجي. حتى هنا لا تغيب الحكاية الإنسانية؛ الطبيعة لديها مأهولة دومًا بإحساس بشري خفي، كأن الأرض نفسها تتذكر.

المثير أيضًا أن القباني لا تقع في فخ التكرار رغم وضوح بصمتها الخاصة.
فالهوية البصرية هنا حاضرة بقوة، لكن داخلها تنوع كبير في الإيقاع والتكوين والمعالجة.
يمكن التعرف إلى أعمالها من النظرة الأولى، لكنها لا تعيد اللوحة نفسها كل مرة. وهذه مسألة شديدة الأهمية في تجربة أي فنان يمتلك أسلوبًا واضحًا؛ لأن وضوح الأسلوب قد يتحول بسهولة إلى سجن، لكنها تنجح في إبقاء الباب مفتوحًا أمام المفاجأة. ربما لأن الفنانة نفسها لا تدخل اللوحة وهي تعرف تمامًا إلى أين ستصل.

هناك ثقة نادرة في المصادفة. وثقة أكبر في الحس الداخلي. كأنها تترك العمل يقودها إلى مناطقه الخاصة. وهذا ما يمنح «حواديت» صدقه الحقيقي.
إننا لا نشاهد لوحات مصنوعة لإبهار بصري سريع أو لاستعراض مهارة تقنية فقط، بل نشاهد تجربة تنبع من حاجة داخلية أصيلة إلى الحكي، وإلى ترميم العلاقة الحميمة بين الفن والإنسان.

في زمن باتت فيه مساحات واسعة من الفن المعاصر تميل إلى البرودة الذهنية، وإلى التعقيد المقصود، وإلى الانفصال عن الوجدان، تبدو تجربة الفنانة الأستاذ الدكتورة صفية القباني وكأنها استعادة نادرة لفكرة الفن بوصفه مساحة للدفء الإنساني، وللذاكرة، وللدهشة البسيطة التي لا تحتاج إلى شروحات طويلة كي تصل.
لهذا يدخل المتلقي إلى معرض «حواديت» كما يدخل إلى بيت قديم مليء بالأصوات والروائح والصور المعلقة في الذاكرة. كل عمل هنا يشبه رواية قصيرة، أو أغنية شعبية، أو مشهدًا عابرًا من طفولة بعيدة.

وحين يغادر الزائر، لا يتذكر التفاصيل كلها بالضرورة، لكنه يحتفظ بإحساس واضح بأنه عاش داخل عالم أكثر حنانًا، وأكثر بهجة، وأكثر إنسانية.

★باحث وفنان تشكيلي ـ مصر.




