د.أحمد جمال عيد: حين يحتكر المركز الضوء.. “قراءة في تهميش فناني الحركة التشكيلية في الأقاليم “.


أ.د.أحمد جمال عيد★
يبدو المشهد التشكيلي في مصر، للوهلة الأولى، غنياً وممتداً عبر تاريخ طويل من التجارب والرؤى الجمالية التي تشكلت عبر عقود من التحولات الثقافية والاجتماعية والسياسية. فمنذ بدايات القرن العشرين، حين أخذ الفن التشكيلي المصري يبلور هويته الحديثة، كان واضحاً أن هذا الفن لا ينشأ في فراغ، بل يتغذى من جغرافيا متعددة الطبقات ومن روافد ثقافية متباينة تمتد على كامل الجسد المصري. ومع ذلك، فإن المتأمل في واقع الحركة التشكيلية الراهنة يلحظ مفارقة مؤلمة؛ فبينما تتعدد منابع الإبداع عبر الأقاليم، يظل الضوء مسلطاً في الغالب على مركز واحد، وكأن الجغرافيا تحولت إلى معيار ضمني لتصنيف القيمة الفنية.
هذه المفارقة لا يمكن قراءتها بمعزل عن ظاهرة المركزية الثقافية التي ترسخت عبر عقود طويلة، حيث تتركز المؤسسات الفنية الكبرى، والمتاحف، وصالات العرض المؤثرة، والدوائر النقدية، والفعاليات الكبرى في العاصمة. وقد بدا هذا الأمر، في البداية، نتيجة طبيعية لتمركز الدولة الحديثة ومؤسساتها، غير أن استمرار هذه المركزية وتحولها إلى نمط شبه ثابت أفضى إلى اختلال واضح في بنية المشهد التشكيلي. فالفنان القادم من الأقاليم يجد نفسه، في كثير من الأحيان، مضطراً إلى الانتقال إلى القاهرة كي يُرى، لا لأن تجربته بحاجة إلى التمدد الطبيعي، بل لأن المجال العام للفن لا يعترف بوجوده إلا إذا اقترب جغرافياً من مركز الضوء.

وهنا تتبدى المشكلة في صورتها الأكثر تعقيداً: فالفنان في الأقاليم لا يعاقب على ضعف تجربته أو محدودية رؤيته، بل يُعاقب أحياناً على جغرافية وجوده. وكأن المكان الذي يولد فيه العمل الفني بات جزءاً من حكم القيمة عليه. هذا التصنيف غير المعلن، الذي يضع الفن القادم من العاصمة في مرتبة مختلفة عن ذلك الذي ينشأ في المحافظات البعيدة، يمثل أحد أخطر أشكال الاختزال الثقافي. فالفن، بطبيعته، يتجاوز الحدود الجغرافية، ويستمد قوته من تعدد البيئات التي ينشأ فيها، لا من مركز واحد يحتكر شرعية الرؤية.
ولعل المفارقة الأكثر لفتاً للنظر أن تاريخ الفن المصري نفسه يقدم الدليل على أن الإبداع كثيراً ما يتولد بعيداً عن المركز. فالأقاليم المصرية ليست مجرد أطراف جغرافية، بل هي خزائن حية للرموز البصرية والذاكرة الشعبية والأنماط الثقافية المتعددة. في سيناء، مثلاً، تتشكل مفردات بصرية خاصة ترتبط بالبيئة الصحراوية وبتراث القبائل وبعلاقة الإنسان بالمكان المفتوح. وفي الصعيد، بتنوعه الثقافي والاجتماعي، تتراكم طبقات من الرموز والأساطير الشعبية والطقوس التي تمنح الفنان مادة بصرية كثيفة وغنية بالدلالات. أما الدلتا، بامتدادها الزراعي وتاريخها الاجتماعي، فتقدم بدورها منظومة مختلفة من الصور والعلاقات الإنسانية. وإذا امتد النظر غرباً إلى مطروح والسلوم، أو جنوباً إلى الوادي الجديد، فإننا نجد أشكالاً أخرى من المخزون البصري الذي يمكن أن يتحول إلى لغة تشكيلية فريدة.
غير أن هذه الروافد المتعددة لا تجد دائماً طريقها إلى المشهد العام للفن التشكيلي. فالمؤسسات الرسمية، على الرغم من محاولاتها المتفرقة لإقامة معارض في المحافظات أو تنظيم فعاليات خارج العاصمة، ما تزال تدور في فلك مركز واحد. وحتى المؤسسات المستقلة، التي يُفترض أنها أكثر تحرراً من البنية البيروقراطية، كثيراً ما تقع في الفخ ذاته، حيث تتشكل شبكات مغلقة من العلاقات المهنية والشخصية. وهنا تظهر ظاهرة أخرى لا تقل خطورة عن المركزية، وهي ما يمكن تسميته بالشللية الثقافية؛ ذلك النمط من التفاعلات الذي يحصر الفرص في دائرة محدودة من الأسماء، بينما يظل كثير من الفنانين خارج هذه الدائرة، مهما كانت قيمة تجاربهم.
ولا تتوقف هذه المركزية عند حدود العرض الفني أو الحضور الإعلامي، بل تمتد أحياناً إلى البنية المؤسسية التي يفترض بها أن تمثل المشهد الثقافي تمثيلاً عادلاً. فحين نتأمل تشكيل بعض اللجان الثقافية الكبرى، أو آليات اختيار الممثلين في هيئات مثل لجان المجلس الأعلى للثقافة، أو حتى آليات الترشيح للمعارض التشكيلية الكبرى التابعة للدولة، يلحظ المتابع بقدر من الدهشة أن أسماء كثيرة من أبناء الأقاليم تكاد تكون غائبة عن هذا المشهد. وقد لا يكون هذا الغياب دائماً نتيجة قرار مباشر أو إقصاء مقصود، لكنه يحدث في كثير من الأحيان بطريقة تشبه السقوط السهوى من الذاكرة المؤسسية، وكأن المجال الثقافي يُعاد تشكيله باستمرار وفق جغرافيا محددة.
والأمر ذاته يتكرر، بدرجات متفاوتة، في ترشيحات بعض جوائز الدولة المتنوعة، حيث يظل الحضور الأكبر غالباً لأسماء تدور في الفضاء الثقافي القريب من العاصمة، بينما يظل عدد غير قليل من الفنانين الذين يعملون في المحافظات خارج هذه الدائرة. المفارقة هنا أن بعض هؤلاء الفنانين أنفسهم يحققون حضوراً ملحوظاً خارج الحدود المحلية، ويشاركون في معارض دولية أو فعاليات عالمية تحظى بتقدير نقدي معتبر، ومع ذلك لا يجدون الاعتراف نفسه داخل المشهد المركزي في القاهرة.

وهنا يبرز سؤال جوهري يتعلق بطبيعة الحركة التشكيلية نفسها: هل يمكن لفن أن يدّعي تمثيل مجتمع واسع مثل المجتمع المصري إذا كان يعكس في معظمه رؤية مركز واحد؟ إن مصر، بحكم تاريخها وجغرافيتها، ليست فضاءً متجانساً، بل فسيفساء واسعة من البيئات والثقافات. والفن الذي يتجاهل هذه التعددية يخاطر بأن يصبح خطاباً محدود الأفق، مهما بلغت مهارته التقنية أو عمق تأملاته الجمالية.
إن الاعتراف بدور الأقاليم في تشكيل الهوية البصرية المصرية ليس مجرد موقف إنصافي تجاه الفنانين الذين يعملون بعيداً عن العاصمة، بل هو ضرورة ثقافية. فالفن الذي يولد في تماس مباشر مع البيئة المحلية يحمل غالباً طاقة خاصة من الصدق والتجذر. وقد شهدنا عبر التاريخ أن كثيراً من التجارب الفنية الكبرى بدأت من هوامش الجغرافيا قبل أن تتحول إلى مراكز جديدة للرؤية.
ولهذا فإن القاهرة، على الرغم من أهميتها بوصفها مركزاً تاريخياً للمؤسسات الثقافية، لا ينبغي أن تتحول إلى المعيار الوحيد الذي تُقاس به شرعية الحضور الفني. ففي كثير من الأحيان تبدو القاهرة كأنها الشمس التي يتركز حولها الضوء الثقافي، بينما تظل المساحات الأبعد في الظل، مهما كانت خصوبتها وغناها البصري. غير أن الفن بطبيعته لا يعرف مركزاً ثابتاً للضوء؛ فالإبداع يمكن أن يتوهج في أي نقطة من الجغرافيا إذا توفرت له البيئة التي تسمح له بأن يُرى ويُقرأ ويُناقش.
إن إعادة التفكير في بنية الحركة التشكيلية المصرية باتت اليوم ضرورة ملحة. ليس المقصود هنا الدعوة إلى صراع بين المركز والأطراف، بل إلى خلق شبكة أكثر عدلاً لتداول الفرص والاعتراف، شبكة تسمح بأن يُرى الفنان في الأقصر أو أسيوط أو العريش أو مطروح أو الوادي الجديد بوصفه جزءاً أصيلاً من المشهد الوطني، لا بوصفه استثناءً جغرافياً. كما تسمح بأن تتسع خريطة النقد الفني لتشمل تجارب لم تصل بعد إلى دوائر الضوء التقليدية.

فمصر، بتاريخها الثقافي الممتد، لا يمكن اختزالها في عاصمة واحدة مهما كانت حيويتها. إن الفن المصري الحقيقي يتشكل في المسافة الواسعة بين النيل والصحراء، بين الشمال والجنوب، بين البحر والواحات، وبين المدن الكبرى والقرى البعيدة. وحين يدرك المشهد التشكيلي هذه الحقيقة، ربما نكتشف أن ما كان يُنظر إليه بوصفه هامشاً لم يكن في الحقيقة سوى أحد منابع المركز نفسه، وأن الإبداع، حين يُمنح حقه في الظهور، قادر دائماً على إعادة رسم خريطة الضوء.
★ناقد وفنان تشكيلي ـ مصر.




