أحمد الصغير: شعرية المعادلات في ديوان “أنا صرت غيري” للشاعر فريد أبو سعدة.

أحمد الصغير ★
“فريد أبو سعدة”
( المحلة الكبرى ــ مصر 1946 ـــ … ) شاعر اليوميات والمعادلات الحزينة، فهو واحد من أهم شعراء جيل السبعينيات، الذين دشنوا مشروع الحداثة الشعرية في مصر والعالم العربي.
بدأ وحده فريداً مع ذاته، وكفر بمقولات الأجيال الصاخبة، وحاول الانعزال والعزوف عن الجماعات والجمعيات الشعرية والأدبية الصاخبة، وراح يكتب نصه الشعري على طريقته وهواه.
وفي الوقت نفسه كان متابعاً لما يكتبه أبناء جيله من الشعراء، أمثال الراحل “حلمي سالم، ورفعت سلام، وعبد المنعم رمضان، وجمال القصاص، ومحمد سليمان، وغيرهم، ومن ثم التقت نصوصه مع أبناء جيله من شعراء الحداثة المصرية في مطلع السبعينيات في القرن الماضي، 1977.
قدَّم منجزاً شعرياً كبيراً. طبيعته الحادة الساخرة دائماً، وصراحته القاتلة، جعلتاه راهباً وحده في منافي الشعر، راضياً، قانعاً بما قدَّم، وما سيقدمه في شعر الحداثة العربية.
يطرح ديوانه (أنا صرت غيري) مجموعة من الاشتباكات الدرامية والمعادلات الشعرية التي تتعلق بالذات والآخر، والأرض والعالم، داخل النص الشعري، فتمتزج الحياة بالأسطورة، والإيروسي بالعرفاني الصوفي، فتتجلى روح الإيقاع الاستعاري باللامرئي في أزمنته الأولى وأمكنته الواسعة.
صحيح أن “فريد أبو سعدة ” في أعماله الشعرية السابقة كان يجنح كثيراً لكسر آفاق التوقع لدى المتلقي من خلال ركوب جناحي المجاز واللغة، والدلالة المتحركة في نصه الشعري، فإنه قد أسلم نفسه في هذا الديوان للحياة بكل ما فيها من نزق وحب ومعاناة، أعني أنه وثّق مشروعه الشعري بطين الأرض الغاضب أيضاً، فقد جاء هذا الديوان في مجموعة من العتبات النصية، أولها العنوان (أنا صرت غيري)، فهو عنوان يحمل الكثير من الدلالات المفتوحة، منها الخاص جدًا الذي يمكن أن نحيله على الشاعر الذي تحَوَّل، فأصبح إنساناً جديداً بعد تجربة المرض التي ألمَّت به، فصار أكثر تمرداً ووضوحاً.
ويمكننا أن نطلق المعنى والتأويل على الآخر أيضاً، فأقول: إنه يخاطب العالم الخارجي الكوني البريء، فقد تحَوَّل الخطاب الشعري لدى “فريد أبو سعدة” من النقر على وتر الموت إلى الخارج الأكثر اتساعاً، متعدد النقرات اللانهائية؛ حيث إنه يخاطب الإنسان المصري الذي رفض كل أنواع الظلم كافة، وصرخ في الميادين مُعبِّراً عن رأيه وحريته، أي إنه كسر حاجز الخوف واللامبالاة، وعادت روح الانتماء داخله التي كانت قد كسرتها السلطة السياسية منذ قيام ثورة يوليو 1952 وحتى 2011، فأصبح إنساناً جديداً، يملك حريته، ويبحث عن العدالة التي يرغب في انتشارها عبر أنحاء العالم، وتكون مصر نواة لهذه العدالة داخلها وخارجها، حتى ربوع إفريقيا.
ويبدو المؤشر الثاني أكثر دلالة من الأول، وهو الغلاف الذي جاء موجّهاً إلى الثورة المصرية التي بدأت في الخامس والعشرين من يناير 2011 ولم تنتهِ حتى اللحظة الراهنة، وهي صورة فوتوغرافية لمجموعة من شباب مصر الثائر في ميدان التحرير، يحملون العلم المصري الخفّاق في كل مكان، رمز مصر وعزتها.
وجاء من أعلى في الغلاف سلسلة (إبداعات الثورة)، وهي سلسلة حديثة نسبيًا، أنشأتها الهيئة العامة لقصور الثقافة بعد ثورة يناير مباشرة، وهذا لا يخلو من دلالة، وهي الاحتفاء بأدب الثورة الذي لم ينضج بعد؟ ولي أن أتوقف هنا قليلاً عند الإبداع الذي ينتمي إلى الثورة، وفي ظني أن هذا الإبداع لم يخرج إلى النور حتى الآن؛ لأن الثورة لم تكتمل ملامحها، فما زال الناس يبحثون عن تحقيق طموحاتهم في كل مكان، من حرية وطعام وعدالة اجتماعية خالصة.
وجاءت العتبة الثالثة متمثلة في الإهداء.فيقول فريد: إلى آرين .. جميلةُ الجميلات آرين هي مصر المحروسة، جميلة الجميلات التي كتب لها الشاعر أشهى نصوصه الشعرية منذ السبعينيات وحتى الآن، وما زال يكتب.
“فريد أبو سعدة” شاعر المعادلات اليومية في كتابة القصيدة النثرية المصرية بصفة خاصة؛ حيث إنه انشغل بتركيب المشاهد الشعرية في صيغة المعادلات الرياضية التي تجعل النص الشعري لديه نصاً يحمل الكثير من المعاني المختلطة لدى القارئ، ترغمه على التأويل اللانهائي.
يقول في مطلع الديوان، الصفحة الأولى:
أنا حجرٌ
جالسٌ في المياهْ
أراقبُ أحصنةً
في دمي
تبدو صورة المعادلات الشعرية واضحة في النص الفائت من خلال صوت الذات الشاعرة التي تقف على ضمير المتكلم (أنا)، ترقب العالم الخارجي من خلال الوجوه التي تمرّ على طريق النص الشعري الرياضي الذي اختاره الشاعر، فالذات تخرق المنطق اليومي، لتراقب جراحات الأحصنة الشعرية داخل العالم المخترع الذي ناسب وجعها اليومي أيضاً، ومن ثم فقد تراقب الأحصنة التي تعيش في دماء الذات هذه الآلام الحياتية التي تمر بها. المشهد برمته يكسر المكر اليومي الذي تجلس خلفه بقايا الآخر المتربص بالذات المشغولة بروح العاشق التائه في مياه الخلق الأولى. فالمعادلة تكمن في الذات المشغولة بنفسها من جهة، والعالم المشغول بها من جهة ثانية، فينتج عنهما نص يحمل الأصوات المتلاشية التي جاءت في صورة الأحصنة الصغيرة / قصائد الديوان.
ويقول أيضاً:
(أنا خائفٌ من ذهابي إليّْ
أحاول أن أتذكرَ من كنتُ
قبلَ وجودي،
وما كان اسمي
وهل كان شكلي كما هو
أم
كنتُ غيري؟
كأن حياتين تلتقيان هنا فجأةً
وكأن المرايا ستعكسُ وجهينِ
وجهي
ووجهي الغريب عليّْ)
تبدو روح الذات الشاعرة كما تبدت في النص الفائت، يغلب عليها طابع الحنين المتوتر القلق الذي لا يستطيع أن يتخذ قراراً ما، فهي حائرة بين الوجود واللاوجود. نلاحظ بروز الذات المتشظية في النص؛ حيث إنها تحاول الوصول إلى نموذج ثابت لها، فلا تستطيع ذلك، وكأنها أصبحت تعيش أكثر من حياة، الوجه الحقيقي الأصلي والوجه الغريب. وتكمن المفارقة الدرامية التي يتلاعب بها النص نفسه؛ حيث إننا أمام نص متعدد الوجوه في حقيقة الأمر، لما تعكسه مرايا الذات المتحركة، التي تعكس أكثر من وجه وتقوم بعملية الفصل بين الأصل والقناع الآخر.
ترتكز البنى اللغوية التي اعتمد عليها “فريد أبو سعدة” في ديوانه على حركية المفردة من خلال التوافق الدرامي بينها وبين الصورة التي تلبّست النص الشعري نفسه، فتحمل روح المناجاة الداخلية أحياناً، وروح الميليودراما أحيانًا أخرى، مما يمنح النص اتساعاً في القراءة، ورمزية في التلقي، فيمزج الشاعر بين روحه وروح الذات واللغة والإيقاع الخافت الذي يختفي وراء البنى العميقة التي تتحكم في بنية النص الرئيسة.
تجلّى أيضاً في الديوان شخصيات متعددة، وكأنها التي تمسك بالتفاصيل الكبرى في حقيقة الأمر، لأنها شخصيات لم تظهر على سطح الكتابة، لكنها كانت عاملاً مؤثراً في الحركة التي تقوم عليها المعادلات الشعرية، ففي قوله:
(سبيلانِ للموتِ
لا غيرَ
إما أحبُّكِ
أو لا أحبُّكْ
أنا مغرمٌ بكِ
يا من أسمِّيكِ حلماً تأجَّلَ
أكثرَ مما أطيقُ
وأطولَ مما
سأبقى!”
يتكئ الشاعر “فريد أبو سعدة” على معادلتين متناقضتين، هما الحب أو اللا حب، فكلاهما سينتج عنه الموت؛ فالحب نتيجته الموت، واللا حب أيضاً سيكون الموت مصيره.
فهل كانت الحبيبة مجرد امرأة عابرة في حياة الذات الشاعرة؟ أم هي الحلم الأكبر، الأرض، الوطن، العدالة، الحقيقة، الفن؟ أم أن هي الأشياء الجميلة التي تحرضنا على محبتها في كل زمان ومكان، حتى وإن كانت نهايتنا على يديها، نتيجة محبتنا أو كراهيتنا لها؟
كما تطل المعادلة المفارقة في نهاية النص في قوله: (يا من أسميك حلماً تأجل، أكثر مما أطيق، وأطول مما سأبقى!). نلاحظ أن الحلم المؤجل الذي طال انتظاره، مما أصاب الذات بالملل والقهر والفتور، ثم يحدث الإرباك النصي في المشهد الثاني: وأطول مما سأبقى! وتصنع علامة التعجب دلالة المخاتلة المشهدية التي ينسجها النص نفسه، بعيداً عن دور الشاعر، وكأن النص هو الذي ينتج معانيه من شحناته الداخلية، فكلما يتحرك إلى الأمام يضيء أكثر مما يتحرك إلى الخلف، كالدينامو مثلاً.
وهذه المعادلة الرياضية التي أفاد منها شعر “فريد أبو سعدة” تجعله شاعراً مائزاً في الشعرية العربية برمتها؛ لأنه ربط الثابت بالمتحرك، والمتحرك بالموت، والموت بالحب، والحب بالفيزياء، كلها تأويلات تكاد تقترب من الجوهر الحقيقي لشعر “فريد أبو سعدة”، لما يمثله من وعي شعري خالص، يدرك سقف القصيدة المكشوف كالأنثى التي يظن كل شخص مارّ بها أنها تبتسم له وحده ولا تلتفت للآخرين.
هو هذا شعر “أبي سعدة”، يرمي شباكه ومعادلاته في حجورنا ويرحل ليبني جبالاً شاهقة من الشعر، أو تكمن فيها روح الشاعر القطب الذي لا يعنيه المعنى بقدر ما يعنيه فناء المعنى في روح الآخر العابر، من حال إلى حال، ومن سبيل إلى آخر.
اعتمد أيضاً على بنية الإبيجرام القصير الصادم؛ حيث إنه يجمع مشهدين متناقضين تربطهما معادلة خفية، وهي الرغبة في الحياة الدائمة، رغم فنائها المحتوم، فيقول “فريد”:
(هنا
حيث نبدو كأنا نجونا
وكلُّ المدينةِ غارقةٌ
تحتنا)
تحديد الفضاء النصي في الشعر من الأمور المهمة التي تميز بها شعر فريد في هذا الديوان تحديداً (أنا صرت غيري)، فتتجلّى روح المكان من خلال الإشارة إلى القريب (هنا)، وكأن المكان يسكن الذات الشاعرة أو تسكن هي فيه، تحاوره وتراقصه على حافة الليل، والغرق والنجاة.
هذه شعرية المتناقضات / المفارقات التي تخفي الكثير من جماليات النص تحتها، فقد امتص قصة “ابن نوح” عليه السلام التي سردها القرآن الكريم في سورة هود قال الله تعالى:” قَالَ سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ ۚ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ ۚ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ”
(هود، آية،43)
هذا هو الابن الرابع، واسمه “يام”، وقيل “كنعان”، وهو الهالك، وأما الناجون من ولد “نوح” فهم “سام وحام ويافث”. وكان كافراً، دعاه أبوه أن يؤمن ويركب معهم، فرفض، وصعد إلى الجبل؛ كان يظن أن الجبل سيعصمه من الموت.
يتجلّى التناص القرآني بشكل كبير في نصوص “فريد أبو سعدة”، وهذا لا يخلو من دلالة تأويلية مهمة، وهي أنه العاشق الصوفي الأكبر في شعرية السبعينيات، بل إنه يحاول أن يتناص تناصاً معكوساً في مناطق شعرية كثيرة؛ الحدث الذي اتكأ عليه من خلال المدينة الغارقة تحتنا. وهنا نستدعي الإشارة التناصية الخفية، وكأن الذات الشاعرة في علوها ترفرف بعيدة عن الغرق، فهي ذات تنجو بنفسها متعلقة بمحبيها، فعشقها أنجاها مما كانت فيه من ذي قبل.
ويقول متحداً مع مقولات المتصوفة الكبار، مستحضراً “أبا منصور الحلاج”:
أحبُّكِ
هذا صحيحٌ
أحبُّكِ هذا أكيدْ
ولكن
ترى ما الذي كنتُ أعنيهِ حينَ صرختُ:
أنا مغرمٌ بكِ
هل كنتُ أعني اكتمالي؟
وأني بحبكِ أدركتُ معنى وجودي
وأني بدونكِ لا شيءْ
أو
كل شيءْ
وأني هنا
تحت هذه النجومِ
وتحت عيونكِ
أدركتُ ما بي
وأدركتُ أن المدينةَ تركضُ
تحت ثيابي
وأن الإلهَ الرحيمَ،
الإلهَ الذي أستجيرُ بهِ،
عرشُهُ ها هنا
تحت جلدي
أنا!
تتجلّى روح المتصوف الأكبر، الشاعر “فريد أبو سعدة”، في النص السابق، وقد لاحظت كثيراً في شعره هذه الظاهرة الفنية التي يتعايش فيها ببدنه وقلبه وملابسه التي لا تخلو من رائحة العشق الإلهي المُنَزَّه. النص محمل بالتأويلات المباشرة وتأويل التأويل؛ لأنه يمتح من مَعين السلف الكبار بروح الحداثة التي كانت تنطلق في زهدهم وألقهم الليلي البهيم، كما جاءت صورة المعشوقة التي أعلنت الذات لها الحب الصريح، فهي الإله الذي يسكن البدن، يمشي به، ويحب من أجله ذاته.
يطرح أيضاً الفكرة التي طرحناها في صدر كلامنا، وهي المعادلات المكتملة والناقصة، المتحركة والثابتة، في شعرية” أبي سعدة”، لأنه يقول: (وأني بحبكِ أدركتُ معنى وجودي، وأني بدونكِ لا شيء)، وكأن الحب هو الذي يحقق الكمال البشري للذات، بل تطفو فوق سطح الحياة لتعرج إلى آفاق الغيم العابد، فربما يكون الكمال الذي يتحدث عنه الشاعر ما هو إلا الوجود الكامل للذات، وأنها بدون الحب الخالص للنفس من ناحية، والفناء في المعشوق لن تكون الذات الشاعرة ذات قيمة حقيقية لها، مداركها الواسعة التي تتدلى من العلو السماوي المسكون تحت عباءة الشعرية.
سيظل النص الشعري لدى “فريد أبو سعدة” غامضاً ومنغلقاً أمام اتساع ثقافة الشاعر ونضجها، وتحققها الخالص، وما زال مشروعه الشعري والمسرحي يحتاجان الكثير من النبش والتفكيك الجماعي، كي يمنحنا النص بعض خباياه وهباته الكامنة.
أعترف أن دهشة نصه حطمتني، فعجزت أدواتي عن القراءة، بل لجأت إلى المحايلة القرائية كثيراً في قراءة شعر “أبي سعدة”؛ لأننا أمام نص عظيم لشاعر عظيم أيضاً، يتطلَّب جهود الباحثين عن جوهر الشعر وعوالمه السماوية.
★ناقد ـ مصر.




