عادل العوفي: لماذا اقتصرت تجربة المخرج شوقي الماجري على فيلم يتيم !؟


عادل العوفي★
إذا حاولنا النبش في مسار المخرج التونسي الراحل “شوقي الماجري” سنجد مفارقة غريبة عجيبة لمبدع سحرته أضواء السينما، وحارب وكافح من اجل تحقيق حلمه الكبير بدراستها أولاً متحدياً الظروف الِاجتماعية الصعبة له وهو ابن حي “باب السويقة ” الشعبي الشهير وصولاً بركوب رحلة مميزة قادته نحو بولونيا، التي وقع فريسة عشق أفلامها حين طَرَحَتْ “أيام قرطاج السينمائية ” تظاهرة خاصة بالسينما البولونية، و التهم الفتى التونسي عشرة أفلام دفعة واحدة ؛ليتأكد بأنه وجد طريقه الخاص، أو بالأحرى بدأ يتلمَّس آثاره، رغم وعورة الدروب التي ستؤدي إليه .
لكن بعد سنة واحدة فقط تُفتح أبواب الحلم حين وقَّعت تونس و بولونيا اتفاقية تعاون وتبادل ثقافي وقدَّمت منحتين لدراسة السينما ؛ لم يتوانَ “شوقي الماجري ” في التقاط إحداها مُؤكِّداً على أحقيته حين اجتاز بنجاح امتحان القبول في “المعهد الوطني للسينما والمسرح والتلفزيون في وودج ” وهو من أهمِّ معاهد الفن السابع في القارة العجوز .
اِنقضَّ ابن تونس الخضراء على حلمه بالنواجذ، وفتحت أمامه أبواب النهل من زاد المدرسة الأوروبية الشرقية وكبارها على غرار ” أندريه تاركوفسكي ” و ” فديريكو فيلليني ” و “أكيرا كيروساوا “، و “إنغمار برغمان ” وعن ذلك سبق وصرَّح في أحد اللقاءات ” أحب الانتماء إليهم ولا أدّعي أنني مثلهم ؛ أعود إلى أفلام “تاركوفسكي” تماماً كما أعود إلى قراءة “شكسبير، ماركيز، تولستوي، ودستويفسكي ” أحب رؤية أفلامهم، وأرى أنها تخصّني كثيراً ” .
أنهى الشاب التونسي الحالم دراسته مُحصِّلاً على الماجستير سنة 1994 ؛ وفعلاً استهل مشواره بسلسلة أفلام قصيرة وهي ” أوليانو ” و ” البوسطة ” ؛لكن ماذا بعد كل تلك الأحلام العريضة، و التضحيات الجِسام من أجل بلوغ سلم المجد السينمائي في بلاده ؟
ربما كغيره من الشباب الحالم كان يتوقع أن تكون الشهادة المرموقة، و الاحتكاك بمدارس عريقة، الوسيلة الأمثل للبدء في بلورة الأفكار والمشاريع، التي تحتل مخيلته ؛ لكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن؛ حيث وجد مُناخاً غير ملائم ومشجع لترجمة احلامه على أرض الواقع؛ ليدخل في مرحلة الشك واليأس حتى جاءه “الفرج ” من سورية وتحديداً من الفنان “أيمن زيدان” الذي كان حينها مُشرفاً على شركة “الشام الدولية للإنتاج ” وأصَرَّ برفقة الفنان التونسي “فتحي الهداوي” على أن يتولى الشاب “شوقي الماجري” إخراج مسلسل “تاج من شوك ” سنة 1998 والمقتبس من نص شكسبيري ؛ ورغم التردُّد الواضح، الذي ظهر عليه إلا أنه عاد وأعلن التحدّي، ودخل التجربة التي لم يكن يدري أنها ستفتح أمامه كل الأبواب المغلقة؛ لِيُتَوَّجَ كأحد أهمِّ فرسان الإخراج التلفزيوني في الوطن العربي؛ حيث توالت بعدها التجارب السورية من خلال الجزء الثاني لمسلسل “إخوة التراب” ثم “الطيور المهاجرة ” و “عمر الخيام ” و “شهرزاد الحكاية الأخيرة ” و “الطريق الوعر ” و “أبناء الرشيد الأمين والمأمون ” ؛ وفي سنة 2007 سيدخل “شوقي الماجري” تاريخ الفن العربي من خلال مسلسل “الِاجتياح ” عن نص للكاتب “رياض سيف” وبطولة “عباس النوري” و”صبا مبارك” و”منذر رياحنة” وآخرون؛ حيث نجح العمل في اقتناص جائزة “الإيمي ” العالمية كأول عمل عربي يصل هذا المستوى متحدّياً كل العراقيل، التي وُضِعَتْ في طريقه .
وواصل” شوقي الماجري” بروزه وفرض اسمه كرقم صعب من خلال مسلسل “أسمهان ” و “أبو جعفر المنصور ” ثم “هدوء نسبي ” حيث تناول اجتياح بغداد والمأساة العراقية، ولعل هذا التنوُّع ما مَيَّزَ هذا المبدع، وجعل رحيله يُشكِّل صدمة مُوجعة لكل عشاقه في ربوع الوطن العربي .
ونذكر أيضاً من تجاربه بالإضافة الى ما سبق مسلسلات مثل “توق ” و “حلاوة الروح ” و “سقوط حر ” و “نابليون والمحروسة ” في مصر ثم آخر أعماله، الذي يحمل اسماً لم يكن يخطر ببال أحد أنه سيُسدَل الستار على مسيرة “شوقي الماجري” الحافلة وأنه يكتب رسالته الأخيرة، ونقصد هنا مسلسل “دقيقة صمت ” الذي ودَّع به المبدع التونسي جمهوره العربي؛ حيث ترَجَّل الفارس بتاريخ 10 تشرين الأول /أكتوبر سنة 2019 .
أين السينما ؟
كل ما سبق يُحلينا على حقيقة نجاح هذا المخرج في ترك بصمات لا تُنسى في تاريخ الدراما العربية، بل وشكَّل نقطة فريدة انعكست لحظة إعلان رحيله؛ حيث اكتشف المُتلقي العربي أن عدسته تنقلَّت ووثَّقت الجِراح والماسي، وكذلك الأفراح والأتراح في عدة بلدان عربية؛ لِيُوَحِّد الجميع خلف إرثه الدرامي ؛ لكن تظل الغصة العالقة في مشوار ابن حي “باب السويقة ” مجسدة في سجله السينمائي “اليتيم ” الذي توقَّف عداده عند فيلم روائي طويل واحد بعنوان “مملكة النمل ” أنجزه سنة 2012 بعد سلسلة طويلة من المحاولات، ليقضي ثماني سنوات بالتمام والكمال من أجل أن يرى العملُ النورَ في القاعات السينمائية .
الفيلم الذي كتبه “شوقي الماجري” برفقة المسرحي الأردني الراحل “خالد الطريفي” وشاركت في بطولته “صبا مبارك” و “عابد فهد” و”منذر رياحنة” و”جميل عواد” وبعض الأسماء من عدّة بلدان عربية أخرى، ظلت حاضرة في عدّة أعمال تلفزيونية أخرى له ؛ ويمكن تصنيفه بالمغامرة بسبب الطرح الجادِّ، الذي يحمله وهو يمسُّ بشكل مباشر القضية الفلسطينية، وربما راهن المخرج هنا على تجربته التلفزيونية الناجحة، وبما راكمه من حضور وازِن زَكَّتْهُ جائزة “الإيمي ” العالمية، التي نالها مسلسله “الِاجتياح ” كأول عمل عربي يبلغ هذا المستوى المهم ؛ لكن السؤال المُحيِّر : لماذا لم يُواصل “شوقي الماجري” بعد البحث والسعي لتحقيق حلمه الكبير في مجال الفن السابع ؟
وهل تأَثَّر بالهجوم اللاذع لبعض النقاد السينمائيين المتخصصين، الذين استقبلوا “مولوده الأول ” ببعض الِاستخفاف وعقد المقارنات بين الصورة التلفزيونية، التي ظل مواظباً على استخدامها محاولين الإيحاء بأنه ضَلَّ الطريق بعد إدمانه العمل في الدراما ؟
وهنا نطرح مفارقة جديدة تُحيط بأعمال “شوقي الماجري” حيث يوصف “بشاعر الدراما التلفزيونية ” نسبة لأسلوبه البصري الأقرب للسينما، حتى أن فئة تُصِرُّ على التأكيد أنه نجح في تعويض النقص الموجود عنده من خلال التلفزيون، بل وصار صاحب بصمة لا تخفى على القاصي والداني بسبب عشقه للتفاصيل، ونقلها والغوص فيها بشكل مُكثَّف ؛ فلماذا إذن حين ركب موجة السينما في “مملكة النمل ” ركَّز البعض على “ماضيه ” التلفزيوني وكأنه يحد من قدراته التي ليست قابلة للتشكيك البتة ؟

المؤكد أن شبح السينما في تجربة “شوقي الماجري” سيظل حاضراً مهما تعدَّدَتِ القراءات ؛ لكن الأمانة تقتضي وضع النقط على الحروف، واستحضار الظروف والأسباب المحيطة به، والدليل أنه حين جاءته الفرصة من سوريا لم يتوانَ في إثبات قدراته وبالتالي رسم مسار استثنائي في الدراما العربية ؛ وهنا وجب التذكير بنقطة مهمة تُبرِّر أن الرجل سعى جاهداً للبحث عن منافذ سينمائية رغم وعورة المسالك المؤدية إليها؛ حيث أكد بعض المقربين منه وجود مشروع آخر مؤجل عن سيرة الثائر التونسي ” علي بن غذاهم الماجري ” لم يتمكن من إبصار النور ؛ لكن كي نظل أمناء في الطرح، فالمشروع السينمائي “المتعثر ” لشوقي، لا يقتصر فقط على غياب الدعم الذي اعترف بلسانه في أحد اللقاءات التلفزيونية في سنة 2012 تحديداً أنه ظل يُرفض من لدن الجهات المختصة في بلده لعدَّة مرات ؛ بل يمتد ليشمل المضمون نفسه، الذي يُصِرُّ على تقديمه، وهو محتوى من الصعب إيجاد منتج عربي يتصدَّى له ؛ وهذا يقودنا لتجربة عربية أخرى أكثر إشراقاً في الفن السابع، ونقصد بها المخرج السوري الذائع الصيت “مصطفى العقاد ” الذي قدَّم أيقونات سينمائية لا تُمحى من الذاكرة مثل “الرسالة ” و ” أسد الصحراء ” لكنه عانى الأمَرّين مع مشاريع أخرى لم تكتمل، مثل “صلاح الدين الأيوبي ” و “سقوط الأندلس ” للسبب ذاته، أي غياب التمويل ؛ وقد ينطبق الأمر ذاته على تجربة “حاتم علي ” كذلك .
لنختم بسؤال محوري وجوهري : إلى متى ستظل هذه الهُوَّة قائمة بين المخرجين العرب الأكثر نجاحاً في التلفزيون، والأقل إنتاجا؟ في السينما ؟ ومن يتحمَّل مسؤولية هذا الشرخ، الذي نُعيد قراءته اليوم عبر اسم آخر لا يختلف اثنان على عدسته الذهبية في الدراما ؟
★صحفي ـ المغرب




