أخبار ومتابعات

أمل الرندي تشارك في مؤتمر الطفل بالقاهرة، بكيفية جذب الطفل للقراءة.

ضمن مؤتمر الطفل العربي في دورته الثالثة “أدب الطفل في عصر الذكاء الاصطناعي والميتافيرس” الذي أقيم في المجلس الأعلى للثقافة في الفترة من 28 الى 30 يوليو2026 بالقاهرة.


وبحضور عدد كبير من المهتمين و العاملين في مجال الطفولة قدمت الباحثة الكويتية أمل الهندي ، ورقة بحثية حصدت الإعجاب والتفاعل من جميع الحضور ، وجاءت بعنوان
(الطفل القارئ بين الكتاب الورقي والوسائط الذكية
القسم: الكتاب التفاعلي والقصص الذكية وأثرهما في جذب الطفل)
والتي كانت كالتالي:
لا يُراد من هذا البحث المفاضلة بين الكتاب الورقي والكتاب الإلكتروني، إنما نحن هنا نتعامل مع كل صنف أو وسيط للقراءة، بواقعية تامة، فلكل وسيط إيجابيات وسلبيات. المهم أن نستخدمه بأسلوب ناجح، يؤمّن الفائدة المطلوبة للجيل الجديد، والأسلوب الأصح، ويوصل المعرفة إلى الطفل العربي.

عموماً، الكتاب الورقي يمنح الطفل عمقًا، وتأملًا، وخيالًا، وعلاقة وجدانية مستقرة مع القراءة. بينما يمنحه الكتاب الإلكتروني انخراطًا سريعًا، وتفاعلًا متعدد الأبعاد، وتجربة تتناسب مع عصر السرعة، وعصر الصورة، بل عصر الفيديو.
ما أود أن أؤكده هنا باختصار، أن مستقبل القراءة عند الطفل لن يكون ورقيًا فقط، ولا رقميًا فقط، بل سيكون تكاملياً، يعتمد على الخبرة الحسية الطويلة التي كسبها الكتاب الورقي، والتفاعل الذكي الذي نشهده اليوم، في ظل التحولات الرقمية المتسارعة التي طالت بيئات التعلم والتربية وشؤون الثقافة العميقة والبسيطة في آن.
نحن نهدف هنا إلى تحديد الفروق الجوهرية بين نمطي القراءة، من حيث التفاعل الحسي، وعناصر الجذب، والقدرة على إطلاق خيال الطفل، والاستجابة الانفعالية، إضافة إلى أثر كل من النمطين في النمو اللغوي والمعرفي.


وقد اعتمدنا في هذا البحث على المنهج الوصفي التحليلي المقارن، واستندنا على نظريات النمو المعرفي والأثر الذي تتركه ثورة التكنولوجيا في المجتمع بشكل عام، ووعي الطفل بشكل خاص. وأردنا أن نظهر، من جهة، أهمية الكتاب الورقي في تنمية التركيز والخيال وبناء العلاقة العاطفية مع القراءة، خلال فترة طويلة من الزمن تعود إلى تاريخ القراءة في العالم، وتاريخ صناعة الكتاب. في حين يتميز الكتاب الإلكتروني الرقمي بقدرته العالية على الجذب الفوري للطفل، بل إدهاشه في البداية، وتقديم تجارب متعددة الوسائط، وتحفيز المشاركة التفاعلية، في أداء واسع الاحتمالات، ومنفتح على آفاق لم تُكتشف حدودها بعد.

حاولت جهدي أثناء المقارنة، الابتعاد كل البعد عن إظهار أي عامل للتنافس، أو التباري بين نوعي الكتب، خصوصاً أننا لا نشهد إمكانية إلغاء نوع وتثبيت آخر. خصوصاً أنه، على المستوى التربوي، لم يحسم الأمر حتى الآن، باعتماد خيار دون آخر. فكل الجهود اليوم تتركز على التكامل التربوي بين النوعين، والتفكير الدائم في كيفية توظيف كل منهما، بما يخدم احتياجات الطفل المعاصر، وتطوير وعيه وقدراته المعرفية.


نقول ذلك ونحن نتعامل مع الكتاب على أساس أنه من أهم الوسائط الثقافية التي رافقت الطفل، كما الكبير، عبر التاريخ، وأسهمت في تشكيل وعيه وبناء شخصيته المعرفية والانفعالية. فمنذ بدايات تاريخ الإنسان تعلّم الإنسان تدوين معارفه، حفراً على الصخر أو الألواح الطينية، أو تدويناً على جلود الحيوانات وورق البردى، قبل اختراع صناعة الورق وثورة الطباعة، كانت الكتابة أداة مركزية في نقل الخبرات والقيم والعلوم وتأريخ الأحداث والرغبة في ترك أثر.

مع تطور الطباعة، ترسخت مكانة الكتاب الورقي بوصفه الوعاء التقليدي للمعرفة، وأصبح حاجة ملحة للطفل في دراسته وثقافته وانخراطه في الحياة التربوية. ومع تطور الكتاب وتحديثه، لم يعد الكتاب الإلكتروني مجرد نسخة رقمية من الكتاب الورقي، بل تحول إلى فضاء تفاعلي، يجمع النص والصوت والصورة والحركة، وقد حدث ذلك التحول خلال عقود قليلة أخيرة.
هذا التطور هو الذي أثار التساؤلات العميقة التي نطرحها اليوم في مؤتمرنا هذا، والتي نحاول استقصاءها في مجالات التربية، وعلم النفس، وعلم الاجتماع، والقصة والشعر في أدب الطفل، والتساؤلات العلمية حول الفروق بين تفاعلات الطفل مع كلٍّ من الكتاب الورقي والكتاب الإلكتروني، وأثر الوسيط في طبيعة التعلم والفهم واكتناز المعرفة. خصوصاً أن أطفال اليوم يعيشون هذا العصر الذي بات يتأرجح بين الثقافتين الورقية والإلكترونية، وأن تعامل الطفل مع هاتين الثقافتين، من شأنه أن يجعلنا، نحن كتّاب أدب الطفل، ندرك طبيعة حاجة الطفل، وفهم المنحى التربوي الذي علينا سلوكه.
التفاعل بين عصرين صارت القراءة الرقمية جزءًا أساسيًا من حياة الأطفال في العصر الحديث، إذ باتت الأجهزة الإلكترونية في متناول أيديهم، وقد انتشرت اليوم الأجهزة الذكية والكتب الإلكترونية بشكل واسع. ولا غرابة في القول إن الطفل يقضي ساعات طويلة أمام شاشات الأجهزة الذكية، من أجل الترفيه أو قراءة القصص الرقمية، أو التواصل مع أصدقائه وزملائه في المدرسة. وقد ساهم هذا التطور التكنولوجي في تسهيل الوصول إلى المعرفة والمعلومات بسرعة كبيرة، وتأمين جيل جديد من الأطفال له ثقافته الخاصة التي يكتسب جزءاً كبيراً منها عبر المتابعة الإلكترونية، أي القراءة والمشاهدة وممارسة الألعاب الإلكترونية. أما قراءة الكتب أو القصص فلها خصوصيتها في متابعة الطفل، ففي الوقت الذي لا يزال الكتاب الورقي حاضراً في المناهج الدراسية للأطفال، لم يوضع الطفل بعد أمام خيارين الكتاب الورقي أم الكتاب الإلكتروني، ولم يطلب منه أن يحسم أمره، إنما هو أمام خيار واحد، القراءة التي تستخدم الكتب الورقية والقراءة الإلكترونية في الوقت نفسه، إيماناً منا بأهمية القراءتين في ظل التحولات التي نعيشها في الأساس بين زمنين، وما علينا إلا العمل على تعزيز كل قراءة بحضور الأخرى، لا في مواجهتها.

القراءة التفاعلية
تغيرت القراءة عند الأطفال من الجلوس مع الكتاب ومتابعة النص ومعه الرسوم والصور، وتلك قراءة تقليدية علينا تخطيها، والبحث دائماً عن إيجاد طرق تؤدي بنا إلى تقديم كتاب تفاعلي، إن كان ورقياً أو إلكترونياً. وقد تخطى الكتاب الورقي نفسُه هذه الحدود من القراءة التقليدية، ذلك أن الطفل المعاصر بات يمل قراءة الكتاب الجاف، بوجود كل تلك التكنولوجيات التي تحيط به من كل جهة. فالطفل في الفئات العمرية الصغيرة يحتاج اليوم إلى المزيد من المغريات، بل هو يريد أن يتدخل في القراءة، أن يشارك، أن يكون أحياناً أحد أبطال القصة، أن يشعر بأن القصة تتوقف حيث يتوقف عن القراءة. يريد أن تكون القراءة أمراً ممتعاً، لا مجرد واجب مدرسي عليه إتمامه. على أن هذه المتعة ليست تسلية لقتل الوقت، إنما تساهم في تطوير المهارات اللغوية، وتدعو الطفل إلى التركيز في ما يقرأ ويتابع، وتطرح عليه مزيداً من الأسئلة التي تحرك تفكيره، وبالتالي تتحول القراءة التفاعلية هذه إلى مادة تربوية وتعليمية، يتشربها الطفل من دون أن يشعر بالضرورة بأنه يقوم بمهمة أو يسعى لغاية أو هدف. وبالتالي فإن القراءة التفاعلية من شأنها أن تبني علاقة إيجابية بين الطفل والكتاب.
ويمكننا الحديث عن كتب تفاعلية تركز على اللمس وبقية الحواس، بما في ذلك الكتب الصوتية، والكتب ثلاثية الأبعاد، وتلك التي تعتمد على الأزرار الإلكترونية، أو التي تعتمد على أنشطة موازية، أو التي تثير الكثير من الأسئلة التي تحرك دماغ الطفل أثناء القراءة، وتنمي لديه القراءة الذاتية أو التعلّم الذاتي.
التفاعل مع الكتاب الورقي
يعتبر التعلم الحسي على جانب كبير من الأهمية في تثبيت المعلومات، أو تثبيت اللغة، فالحواس الخمس تساهم في العملية المعرفية، وتراكم الخبرة الإدراكية، وهذا النوع من التعلم يبقى في الذاكرة. يرتب ابن سينا تدرج الحواس من حيث بساطتها على الشكل التالي: اللمس، الذوق، الشم، السمع والبصر. فالأولى هي الأبسط في تركيبها، والأخيرة هي الأعقد أو الأكثر تركيباً. على أن ابن سينا يقول أيضاً بلمس داخلي، بل إن “جميع الأقدمين على العموم يعتبرون جميع الإحساسات نوعاً من اللمس، وجميع المحسوسات ملموسات”.
إذن، يتعامل الطفل مع الكتاب الورقي بمزيد من الإحساس، أي بتشغيل جميع الحواس، وهذا يأخذه إلى التركيز والتفاعل مع المحتوى، فالتعامل مع صفحات الكتاب ولمسها وتقليبها يجعل التجربة أكثر واقعية. وهكذا، فالكتاب الورقي يساعد أكثر على فهم المعلومات وتذكرها أكثر، وعلى التركيز على اللغة والمفردات الجديدة، وتوسيع أفق الطفل وخياله، وتوجيه ذكائه نحو معرفة مركزة، بعيدة عن التشتت الذي نراه في الكتاب الرقمي، ومنحه الأدوات اللازمة التي يتأسس عليها، قبل الدخول في حياته الأكاديمية اللاحقة.
والكتاب الورقي، يعزز التفاعل الاجتماعي لدى الطفل، من خلال القراءة المشتركة مع الأهل أو الأصدقاء، والنقاشات التي تدور حول أحداث القصة، ما يجعل القراءة أكثر فائدة، وأكثر متعة، وتجعل الطفل أكثر استغراقاً في مفاصل القصة وتحولاتها، وبالتالي أكثر تعزيزاً للذكاء الاجتماعي والذكاء العاطفي اللذين يكتسبهما.
وعندما نتحدث عن القراءة لدى الطفل، لا نعني فقط القراءة التقليدية التي كانت في الزمن الماضي، إنما أيضاً القراءة التفاعلية. حيث أن الطفل، في الكتاب التفاعلي، يتخطى القراءة الذاتية، أو الاستماع لقراءة المدرِّس أو المدرِّسة في الفصل، ليشارك في تفاعل حسي وحركي عند لمس الكتاب، أو الاستماع إلى الأصوات الصادرة منه، عند الضغط على نقطة في الكتاب أو الصفحة، أو التحرك بناء على طلب المؤلف، قفزاً، أو تصفيقاً، أو تقليد أصوات الحيوانات. هكذا ترتبط القراءة بالجسد عند الطفل، أي بتشغيل كل حواسه.

ومن تفاعل الكتاب الورقي ما يعتمد على تشغيل عقل الطفل بالأسئلة التي يمكن أن ترافق أحداث القصة، وتتوزع على محاور النص، ولا تقتصر على نهايته، فيشارك في حل العقد البسيطة، ويتفتّح خياله، ويتعود على التركيز والانتباه لما يجري في القصة. إضافة إلى ذلك، يمكن للكتاب التفاعلي الورقي أن يسمح للطفل بالتعبير عن رأيه ومشاعره، حزنه وفرحه، موافقته ورفضه، حيال المواقف التي يتعرض لها بطل القصة أو أبطالها.
فالكتاب التفاعلي من أكثر الأدوات التعليمية تأثيراً في سنوات الطفولة الأولى، لأن الأطفال يملون بسرعة، ويصعب عليهم التركيز لفترات طويلة، ويحتاجون دائماً إلى الحركة والتجربة، فالقراءة التقليدية رغم أهميتها قد لا تناسب جميع أنماط التعلم، خصوصاً في المرحلة العمرية المبكرة. وهنا لا تكون المشكلة في القراءة نفسها، بل في طريقة تقديمها، فعندما يحرك الطفل بعض شخصيات القصة، أو بعض الأشياء في القصة، مثل بعض الأشكال الهندسية، أو أي شكل آخر، يشعر بالانتصار، وبقدرته على الفعل، بل قدرته على التغيير والابتكار، وهكذا يصبح مشاركاً فعالاً، لا مجرد مشاهد!
وهذا يجعل الطفل يتعامل مع الكتاب بإيجابية، لأنه يجد فيه متعة، من خلالها يكتسب معلومة جديدة، وهذه من مميزات الكتاب التفاعلي للأطفال. بعض الكتب ربما تكون من قماش، أو تصدر أصوات حيوانات مثلاً، وأحيانا يكون على شكل دمية أيضاً، أو مجسم وسيلة مواصلات. تلك كتب تقدم للطفل في المرحلة الأولى من حياته. وهي نوع من الكتب التفاعلية التي تساهم في جذب الطفل، بدءاً من شكلها الخارجي، وصولاً إلى تصاميمها الأخرى في الداخل، ثم قد يكون الجذب في تحريك بعض الأشياء، أو إصدار أصوات، أو تغيير ألوان. ورغم التكلفة العالية لهذه الكتب، فإن فائدتها كبيرة، خصوصاً في المرحلة العمرية الأولى، كما سبق وذكرنا.
أود هنا أن أتحدث عن تجربتي الأولى مع القصص التفاعلية، من خلال مجموعتي القصصية (مجموعة قصص الأمل التربوية للأطفال)، لمرحلة رياض الأطفال من (3-6). كانت القصة تقدم للطفل على شكل وسائل تعليمية إيضاحية كاملة، على شكل مشاهد مكبرة للقصة، أو “سي دي”، أو رسوم تعبر عن أحداث القصة. كل وسيلة كان لها هدف يتفاعل الطفل معه بحواسه المختلفة. وفي التطبيق الورقي، كنت أقدم للطفل مشاهد القصة، ليختار المشهد الذي يريد أن يقوم بتلوينه، فيشعر بأنه شارك في القصة من خلال التعبير عن شخصيته، وتقديم ما يعجبه.
تلك كانت وسيلة تعليمية تفاعلية اعتمدتها منذ ما يقارب 20 سنة، وكنت حريصة على أن أقدم للطفل قصة تجذبه، وتفيده في تنمية شخصيته، وتنمية لغته العربية من خلال الاستماع، وأحياناً أضيف إلى القصة أغنية تتوازى مع محتواها أيضاً. هكذا قدمت قصة (ألعاب فارس) في ورش للأطفال، في أسلوب تشتغل من خلاله كل حواس الطفل، وشعرت بتجاوب مهم من قبل الأطفال، وتحفيز على حب القراءة والاطلاع.
هكذا أيضاً قدمت قصة (طعام أمي اللذيذ)، فكانت الصفحة الأخيرة فيها مساحة يعبر من خلالها الطفل بالرسم، أو بالتوقف عند بعض الأحداث، والمشاركة في النقاش حول الطعام الصحي الذي يفضله، أو الذي تعرّف عليه من أحداث القصة. وفي حملة (اقرأ وتذوق) التي شاركت معي فيها أخصائية التغذية، د. مي الهزاع، التي أشرفت على المعلومات الصحية التي تضمنتها القصة، وأثناء لقائنا بالأطفال، كنا نحضر بعض الفواكه والخضار، نوزعها على الأطفال، ونركب، في نهاية الورشة، لوحة كبيرة تجمع الرسوم التي شارك الأطفال بتنفيذها. من واقع هذه التجربة شعرت بمدى تفاعل الأطفال مع القصة التفاعلية التي يكون للطفل دور فيها، فلا يكون مجرد قارئ.
كما قدمت تجربة أخرى للأطفال من خلال قصة (جدتي سميحة)، في نهاية القصة أسئلة للطفل عن أحداثها، وهل تعرض هو لموقف مشابه لما حدث لأبطال القصة. بالإضافة إلى أنني حوّلت النص أيضاً الى قصة إلكترونية، فمن خلال QR موجود على غلافها، يستطيع الطفل مشاهدة القصة، والاستماع إلى أحداثها باللغة العربية الصحيحة، عن طريق (آيباد) أو هاتف. بذلك أحقق للطفل متعة المشاهدة، وعلاقة إيجابية بالقصة الورقية التي اجتهدت في توفير طباعة فاخرة لها.
التفاعل مع الكتاب الإلكتروني الرقمي
ربما من الأفضل استخدام الكتاب الرقمي بدلاً من استخدام الكتاب الإلكتروني، ذلك أن الكتاب التقليدي الورقي عندما ننشره عبر الإنترنت، أو نضعه على صفحات الكومبيوتر، يصبح كتاباً إلكترونياً.
يجدر بنا أن نقول بكل بساطة، إن الكتاب الرقمي التفاعلي صديق المستقبل! وتلك حقيقة يجب أن تقال، كي ننصف ما توصل إليه هذا النوع من الكتب، وننصف التقدم التكنولوجي، خصوصاً أن مواقع الكتب الإلكترونية للأطفال توفر تجارب تفاعلية ممتعة، ومكتبات ضخمة تعزز حب القراءة. في الكتاب التفاعلي الرقمي، أو الإلكتروني الذكي، يشارك الطفل في ألعاب مرتبطة بالقصة، يمكن للنص أن ينفتح عليها. وفي مواقع القصص الالكترونية، التي انتشرت بشكل كبير، وتعتبر من الوسائل الإيجابية لوعي الطفل وثقافته، وتحفيزه على المعرفة، وهي تضم الكتب الورقية التقليدية نفسها، منقولة بصيغة PDF. نذكر منها متجر (الطفل القارئ)، أول وأكبر متجر إلكتروني مختص بكتب الأطفال، وموقع (نوري) الذي يوفر آلاف القصص العربية للأطفال، باللغتين العربية والإنجليزية، مع خيار الاستماع للقصص الصوتية، وهي مخصصة للأطفال من سن 3 الى 13 سنة. في نهاية الكتب يطلب رأي الطفل أو القارئ بالقصة بعد الانتهاء منها، بصيغة مختصرة (لم يعجبني، عادي، رائع). وهذا، رغم محدوديته، يفيد لجهة تقديم استبيان آراء الأطفال في موضوع القصة ومضمونها، والتعرف أكثر على ذائقة الطفل، ليكون التطوير أسهل، وتكون الكتابة في الاتجاه السليم. والأهم من ذلك يدرك الطفل ان لرأيه قيمة، وربما يعتاد الطفل أن يتجرأ ويكون له رأي. وهذا يحفزه على التركيز وتحليل موضوع القصة والشخصيات، والمشاركة في النقاش، فيصبح الكتاب صديقه، لأنه ينصت له، ويستجيب لرأيه.
وأريد هنا الإشارة إلى تجربة (مبادرة أصدقاء المكتبة على المستوى العربي) التي أترأسها، وهي تجربة تعتمد على بناء جسر بين المبدع والطفل، حيث التقى في الورش التي أقمناها، خلال ثماني سنوات مضت، عدد كبير من الكتّاب والفنانين بالأطفال، في مدارسهم أو في مراكز ثقافية، أو في أماكن عامة. أقمنا ورشاً تفاعلية كثيرة في الكويت والعالم العربي. وجديدنا اليوم التعاون الذي نقيمه مع موقع (دار ناشري) للصديقة المبدعة حياة الياقوت، وهو أول موقع للنشر الإلكتروني للأطفال في الكويت، وأول مكتبة إلكترونية مجانية غير ربحية عندنا. أما مشاركتنا فسوف تكون من خلال صفحة خاصة تحمل عنوان (إبداعات أصدقاء المكتبة). وهي محاولة لربط الأطفال بشكل إيجابي بهذا العالم الافتراضي، وتوفير فرصة لهم، يعبرون من خلالها عن أنفسهم، بنصوص خاصة بهم، كمحاولة لاكتشاف مواهبهم وتطويرها، وتحفيزهم، من خلال هذا العالم الافتراضي، على ألا يكونوا مجرد مشاركين سلبيين فيه، إنما فاعلون، من خلال نصوص تتعرض لتفاعل الآخرين معها، وقد تمت الدعوة بشكل أساسي لمجموعة من الأطفال الذي سبق وشاركوا في (برنامج أصدقاء المكتبة) التلفزيوني الذي تم عرضة على (قناة البوادي الثقافية) في رمضان السنتين الماضيتين، على مدى 30 حلقة كل سنة.
إنها تجربة لربط الأطفال (أصدقاء المكتبة) بالعالم الافتراضي، وربما تسهيل دخولهم إلى التفاعل الرقمي بشكل إيجابي ومفيد، وفرصة لتحفيزهم على اكتشاف قدراتهم، بشكل مضبوط، يبتعد عن الخفة والابتذال، ويقترب من وضع الأطفال على سكة الأدب أو الفن، وسكة الإبداع.
في الكتاب التفاعلي الرقمي، أو الإلكتروني الذكي، يحرك الطفل الصورة، ويرى رسوماً متحركة، ويشارك في ألعاب مرتبطة بالقصة، يمكن أن ينفتح عليها النص، وأحياناً يمكن أن تدور القصة حول الطفل القارئ نفسه، فهو البطل بصوته وصورته، وهو الذي يتحرك وينفعل.
إذاً، علينا أن نكرر ضرورة التمييز بين الكتاب الإلكتروني الذي بات متاحاً على نطاق واسع في المكتبات الإلكترونية المنتشرة في العالم، وقد بذلت جهود جبارة لتحويل النص الورقي للكتب إلى صيغ مختلفة، على شكل صورة أو نص PDF، كما سبق الذكر. هذه النسخة الإلكترونية للكتاب الورقي نفسه، أو الكتاب التقليدي الإلكتروني، هي وسيط مختلف عن الكتاب الإلكتروني الرقمي الذي يقرأ بشكل مختلف، “وغالباً ما يتم شراؤه كتطبيق عبر iTunes، ويوفر الكثير من الخيارات، إذ يمكن للمستخدم أن يختار قراءة الكتاب كاملاً من قبل مؤدٍّ صوتي في التطبيق، أو أن يختار قراءة الكتاب بنفسه. وتشمل الكتب الإلكترونية مجموعة من الأشياء، فهي كثيراً ما تشتمل على الاستماع إلى الموسيقى التي تكمل القصة، وألعاب متعلقة بالقصة، وصفحات تكمَّل بالتلوين، وأكثر من ذلك الكثير من التفاصيل. يجد معظم الأطفال الكتب الإلكترونية التفاعلية ممتعة وجذابة”.
سوق الكتب الإلكترونية من النوع الثاني، أي الرقمي، لا تزال ضيقة جداً، في حين تنشط سوق النوع الأول، لسهولة استخدامها وانتقالها عبر العالم. وتشير بعض الأبحاث إلى أنه من السهل على الأطفال أن ينجرفوا في الطبيعة الرقمية للكتاب الإلكتروني (النوع الثاني). وهنا يمكن للآباء المساعدة في تنبيه أبنائهم من هذا الانجراف، والتركيز على القراءة والقصة وحدود معقولة من التمادي مع إغراءات اللهو.
ولتوضيح طبيعة الكتاب الرقمي، تقول الباحثة النرويجية نتاليا كوسيركوفا: “لنشر كتاب إلكتروني تفاعلي متعدد الوسائط، يحتاج المصممون والناشرون إلى تقديمه كتطبيق، يشترى لاستخدامه في الأجهزة اللوحية والهواتف الذكية التي تبيعها “آبل” و”جوجل بلاي”. هذان المتجران لديهما بعض اختبارات الجودة التي تركز على ملاءمة المادة وجاذبيتها العامة للعملاء. كلا المتجرين يعرض أيضا تقييمات المستخدمين وتعليقاتهم على التطبيقات الفردية. بالإضافة إلى ذلك، طور مزودو التكنولوجيا منصات سهلة الاستخدام لإنشاء المحتوى”.
وهي ترى أن الكتاب الإلكتروني متعدد الوسائط التفاعلي يعرض القصص بأشكال بصرية (رسوم ونصوص)، وصوتية (بما في ذلك التعليق الصوتي، والموسيقى) وتفاعلية. يمكن قراءتها على أي شاشة وشراؤها من أي متجر.
عصر التنافس
نحن اليوم مقبلون على عصر تكون المنافسة على أشدها بين الكتاب الورقي والكتاب الإلكتروني الذكي، كجزء من الصراع الموجود بين الحياة الواقعية والحياة الافتراضية، بين رفض الذكاء الاصطناعي واعتماده. ولا يمكن أن نتغاضى عن واقع أن الذكاء الاصطناعي يغزو كل مناحي الحياة، بما في ذلك حياة الطفل وما يدور حوله من ثقافة، وما تقدم إليه من إغراءات ومحفزات، كي يندمج في الحياة الجديدة.
وقبل أن نتمادى كثيراً في التهليل للكتاب الرقمي، لا بد من التسليم أولاً بأن كتاب الطفل الورقي يمكن أن ينجح إذا اعتمد قواعد أساسية لا بد منها، وهي المؤثرات الجمالية، من حيث جودة الطباعة، وإبداع الرسوم، وفن التصميم، ولعبة الإخراج، وتأمين أسباب التفاعل. وبطبيعة الحال ضرورة اختيار النص المناسب للفئة العمرية. وفي كل الحالات يكون نجاحه مرهوناً بالحياة التفاعلية داخل الكتاب، وقدرته على إدهاش الطفل والتأثير فيه.
ولا يمكن أن نهرب من أن الكتاب الورقي اليوم أمام تحدٍّ لا بد من الوقوف عنده، فالذكاء الاصطناعي بات اليوم يساهم في كتابة نص القصة، وطرح الأفكار فيها، وجعلها قابلة لتغيير الأبطال والأسماء، والتفاعل مع الطفل أثناء قراءته، ما يؤدي أحياناً إلى تغيير مستوى اللغة لتناسب عمر الطفل القارئ، وتبدل الأسماء والأحداث، والمساهمة في رسم شخصيات القصة، أو التعديل فيها، بالإضافة إلى طرح أسئلة على الطفل ليجيب عنها، ويمكن تحويل الشخصيات، بناء لاهتمامات الطفل ببساطة وخفة، وخلال لحظات.
في كل الأحوال، علينا ونحن نناقش بشكل عام أن ننتبه إلى خصوصيات الأطفال، إذ لا يمكن أن نضع الأطفال كلهم في خانة واحدة، فلكل طفل، سوى فروق العمر، احتياجاته ورغباته وميوله، حتى أن بين مجتمع وآخر فروقاً قد تكون كبيرة، فجزء من الأطفال لم يستطع حتى الآن الحصول على الأجهزة الإلكترونية الرقمية حتى نتحدث عن تعامله مع الكتاب الرقمي، وجزء ثانٍ لم تبدأ المؤسسات التربوية بعد في بلده استخدام المناهج الجديدة التي تؤكد على القراءة التفاعلية، وجزء ثالث دخل العصر من بابه العريض، وتُجرى معه التجارب التي تخص القراءة الرقمية. ثم إن القراءة من حيث هدفها نوعان، قراءة من أجل المتعة والترفيه وقراءة من أجل التعلم، ويحدث أن يجتمع الهدفان في نص واحد، بغض النظر عن ورقيته أو رقميته. وهذا هو التحدي الذي يعمل كلا النوعين من كتب الأطفال على تحقيقه، فالإمتاع ضروري لقراءة الطفل، إذا غاب ابتعد الطفل عن الكتاب.
المهم أن نركز مع الطفل على أهمية القراءة، وحثه على المثابرة عليها، على أن نعرف، نحن الأهل، كيف نختار له الكتب الجاذبة منها. هنا نتحدث عن قراءة الكتاب الورقي، التي تساعد الطفل على التركيز، وتدرب دماغه على تخزين المعلومات، واسترجاعها بكفاءة، وهذا يختلف عن التصفح الذي هو أسلوب وسائل التواصل الاجتماعي والكتب الرقمية، ذلك أن التصفح سريع، بينما القراءة المركزة تساعد ملكة التحليل. القراءة الورقية التفاعلية تستجوب المعلومات قبل أن تتتابع، مع الفيديو الأمر مختلف، كونه يعبر سريعا.
القراءة العميقة تأخذ الطفل إلى الاستنتاجات، والبحث عن تفسيرات، وتنسيق المعلومات الواردة في النص، وتكسبه مهارة لا توفرها مشاهدة القصة رقمياً، وتطور ذاكرته. هذا النوع من القراءة يمكن أن يساهم في تثبيت المعارف الجديدة، وعلى الأهل أن يساعدوا الطفل على التركيز، من خلال تكرار المعلومات وطرح الأسئلة حول أحداث القصة، والإجابة عن أسئلة ابنهم، كما يساعدوا الطفل على التوازن بين جاذبية الإغراءات الإلكترونية، وفهم القصة ومستوى المضمون الذي تقدمه. “في سبتمبر 2019، نشرت “مجلة الجمعية الطبية الأمريكية” دراسة أظهرت انخفاضاً في وتيرة التفاعل المتبادل (الأخذ والرد) بين الآباء والأطفال الصغار عند استخدام الأجهزة اللوحية. ويُعد هذا النوع من التفاعل مهماً للغاية؛ إذ يسهم في بناء روابط عصبية داخل الدماغ، ويساعد في تنمية مهارات التواصل والمهارات الاجتماعية لدى الأطفال”.
الخيال بين قراءتين
كلا القراءتين لها تأثير في تنمية خيال الطفل، إلا أن طبيعة التفاعل مع كتاب الطفل تختلف باختلاف العمر والخبرة، إن في الكتاب الورقي أو الرقمي. والقراءة عند الطفل عملية مركبة تشمل الإدراك البصري، والفهم اللغوي، والربط الذهني، والاستجابة العاطفية، وأخيراً التخيل. فالطفل يبني علاقته بالعالم من خلال تفاعله مع الأشياء من حوله، والكتاب هو وسيط ضروري لبناء المعرفة. ويتفاعل مع النص من خلال العلاقة الاندماجية بين انفعال الحواس والإدراك. ومن ضمن التفاعلات التي تؤمنها أدوات الكتاب التفاعل التخيلي.
في بحث مشترك لإبراهيم عبد النور وأم كلثوم بودية ينقسم الخيال عند الأطفال، بحسب هادي الهيتي، إلى أربع مراحل:
– مرحلة الواقعية والخيال المحدود: (3 ـــ 5 سنوات)
– مرحلة الخيال المنطلق (6 ــ 8 سنوات)
– مرحلة البطولة (8- 12 سنة)
– مرحلة المثالية (12- 15 سنة)
يذكر البحث أن القص، بالنسبة إلى الأطفال، “كـان يـتم عبـر تقليـد شـخص لحادثـة مـا بواسـطة الحركـة والإيمـاء، ليثيـر اهتمـام الطفـل، ثـم تطـور وأصـبح يروى بواسـطة اللغـة؛ التـي شـكلت أرقـى وسيط للتواصل بين الشعوب، ثم القص مكتوباً مع اختراع وسائل الكتابة، ومع التطور الحضـاري الهائـل تطورت وسائل الطباعة، فتدعّمت القصـص بالصـور والرسـوم الجذابـة. لتقـدم الثـورة الرقميـة نمطـاً جديداً أضحت فيه القصة عالماً ينبض بالحياة صوتاً وصورة”.

في الكتاب الورقي تساهم الصورة والرسم مع النص في تشكيل صورة فنية يتفاعل معها القارئ الطفل، وتجذبه نحو التخييل، خصوصاً أن الطفل وهو يقرأ النص تتشكل في مخيلته الصور التي تجسدها اللغة ومضامينها، حتى أن الصور والرسوم نفسها، بألوانها وحركتها وإغراءاتها تجعل خيال الطفل يلعب خلفها.
ومن حضارة الورق إلى الرقمنة مسافة كبيرة، أو انتقال من عالم إلى عالم آخر جديد ومختلف، “ولعل أدب الأطفال عامة وقصصه خاصة، من أكثر أنماط الأدب تأثراً بالتكنولوجيا الحديثة؛ إذ أفاد منها بإمكانيات هائلة، من خلال أجهزة الإعلام بأنواعها المختلفة، وبخاصة الأجهزة المسموعة والمرئية، وبتطور الحواسيب وانتشارها اتخذت قصص الأطفال أشكالاً جديدة منها:
الألعاب الترفيهية والتثقيفية، القصص الرقمية (الرسوم المتحركة) وغيرها. إذ أسهمت التطورات التكنولوجية في تطوير أنظمة البث وأجهزة الاستقبال، وكفاءة التكنولوجيا، ووضوح الصورة صناعة وتقديماً”.
وتستمر التقنيات الحديثة وبرامج التلفزيونات والتطبيقات الفنية في إدهاش الأطفال، وتوسيع خيالهم، باستخدام الحيوانات الواقعية أو الخيالية، واستخدام شخصيات وهمية، ومنها شخصيات نمطية، لا تستطيع إلا تقديم ما هو جاهز من الصور والخيالات، في حين تسمح نتاجات أخرى في تحريك خيال الطفل وإطلاقه نحو أبعاد جديدة.

لكن الصور الجاهزة، رغم نقدنا لها، تساهم في تكوين خبرة خيالية للطفل، ومخزوناً مهماً في ذاكرته الحسية والإدراكية، خصوصاً عندما يقارن الطفل دائماً بين ما رآه سابقاً وما يراه اليوم. وتتداخل أنواع التخييل في أدب الطفل التفاعلي، مثلما يتداخل التخييل مع الواقع، إلا أن التفاعل مع الكتاب الرقمي بات أكثر كثافة، بل بات يشكل إعادة نظر لكل مفاهيم أدب الطفل، إن لجهة تشكل النص تبعاً للإمكانيات الجديدة للحاسوب، التي تضيف إلى النص الصوت والصورة وحركة الفيديو. وهذا يساهم في تكوين ذوق جديد للطفل، وتشكيل مقاييس فنية جديدة، تناسب مستوى الطفل وطموحاته.
فالنص لم يعد نصاً متتابعاً، إنما يمكن اختراقه بالصورة والصوت والحركة، ولم يعد بالضرورة مكتملاً فالقارئ الطفل يمكن أن يكمل النص، ثم إن الصورة والحركة تكون حاضرتين لإكمال النص أو اختصاره، فلا ضرورة بعد لوصف الشخصية، مثلاً، بالنص ما دامت الصورة موجودة، ولا وصف الحركة ما دامت الحركة نفسها سوف تكون أمام الطفل.
وإذا كان تفاعل الطفل مع الكتاب الورقي يمثل تجربة حسية، أو ذاكرة حسية مكانية، عندما يتذكر وجود النص والرسم في صفحات الكتاب… وإذا كان تفاعل الطفل مع الكتاب الورقي يتميز بإيقاع بطيء، يسمح بالتركيز والتفكير والتأمل والتخيل… إلا أننا لا يمكن أن نغفل عما يكتسبه الطفل من علاقته بالتكنولوجيا، ومن مواكبة لتقنيات العصر، ومراقة تقدمه ونهضته، وبالتالي الانخراط في ثقافته.
ومع الكتاب الرقمي لم تعد العلاقة بين الطفل والكتاب سلبية، بمعنى أن الطفل يتلقى ويتفاعل بحدود، إنما بات الأمر مختلفاً، إذ بات أكثر تفاعلاً، ويمتلك الحرية في التدخل في النص، وطرح الأسئلة على النص، وتقديم تفسيره له، ورأيه فيه. حتى ليمكننا القول إن تفاعل الطفل مع الكتاب الرقمي أكثر اتساعاً منه في الكتاب الورقي.  
في الكتاب الورقي النص لا يتغير، وكذلك المساحات أو الصفحات، ثم لا وجود لمؤثرات خارجية، وهذا يساعد كما سبق الذكر على التركيز والانتباه. وداخل الثبات يملك الطفل حرية تقليب الصفحات كما يريد، ما يشعره بشيء من الحرية. في الكتاب الرقمي تتوزع مساحة التأثير على حركة الرسوم والصور، وعلى التحكم بالصوت، والقدرة على التنقل بحرية بين صفحات الكتاب والبصريات التي يتضمنها، وحرية الضغط على الأزرار بالشكل الذي يراه مناسباً، وهذا يجعل تركيز الطفل خاضعاً لكثير من عناصر التشتيت، بل إن كثرة عناصر التأثير والإغراء في الكتاب تجعل انتباه الطفل ينزلق من مكان إلى آخر.
تفاعل الطفل مع محتوى الكتابين الورقي والرقمي
دراسة محتوى الكتاب الورقي يعيدنا إلى زمن بعيد، يوم ألف التشيكي يان آموس كومينيوس كتابه الشهير “العالم المصور”، ونُشر عام 1658م، وهو أول كتاب مصور مخصص للأطفال في التاريخ. وقد صُمم في الأصل كأداة تعليمية لتعلم اللغة اللاتينية، وكان ثورة في وقته، لأنه استخدم الصور لشرح الأشياء للأطفال، قبل أن ينشر الكاتب الفرنسي شارل بيرو مجموعته القصصية الخيالية “حكايات أمي الإوزة” في العام 1697، وكان محتواها يركز على نقل القصص الشعبية للأطفال، وفي العام 1744 صدر أول كتاب ترفيهي للناشر البريطاني جون نيوبري، وهو الذي أسس سوقاً للكتب الترفيهية المخصصة للأطفال.
ويمكن أن نتحدث عن تطور المحتوى في أدب الطفل خلال فترة زمنية تعيدنا إلى قرابة 400 سنة، عندما كان أدب الطفل يركز على التربية الدينية والأخلاقية الصارمة، في مرحلة سيطر فيها التلقين والوعظ. ثم في القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين توسع محتوى الترفيه، مثلما نشط تضمين الخيال، وظهرت الشخصيات السحرية وانفتح عالم الرحلات عبر العالم والمغامرات. وفي مرحلة تالية اعتبرت تعليمية، ركزت على اللغة، ومهارات الطفل، والمدرسة، والأصدقاء، والمواقف الاجتماعية، ومسألة الهوية، قبل أن تتوسع مضامين القصص في المرحلة الحالية الحديثة، فتطاول كل شيء، وتمثل الثقافات المختلفة.
قالت الباحثة في C.S. Mott Children’s Hospital، تيفاني مونزر: “تعزز القراءة المشتركة مع الوالدين التطور اللغوي لدى الأطفال، ومهارات القراءة والكتابة، والروابط العاطفية مع الوالدين… وقد وجدنا أنه عندما يقرأ الآباء والأطفال الكتب المطبوعة، فإنهم يتحدثون بوتيرة أكبر وتكون جودة تفاعلاتهم أفضل”.
وتحدثت عن أن الآباء أكثر ميلاً لطرح أسئلة مفتوحة على أطفالهم، لاستطلاع آرائهم حول القصة أو توقعاتهم للأحداث عند قراءة الكتب المطبوعة، مقارنة بالكتب الإلكترونية البسيطة أو المعززة. كما أنهم كانوا يربطون القصص بسياق واقعي، واضعين المحتوى في إطار تجارب الطفل الشخصية. كما تحدث الأطفال الصغار أكثر بشكل عام – وعن القصص تحديداً – عندما كانت الكتب مطبوعة. في المقابل، وعند استخدام الكتب الإلكترونية، كان الأطفال يقضون وقتاً في الحديث عن الجهاز نفسه، مما يشتت الانتباه عن القصة.
وأشار الباحثون إلى أن الأجهزة اللوحية المستخدمة لقراءة الكتب الإلكترونية ربما يُنظر إليها على أنها “أدوات للاستخدام الفردي وليست أغراضاً مشتركة”، كما أن الأطفال الصغار قد يتشتت انتباههم بفعل النقر والسحب على الشاشة. ولفتوا إلى أن الأطفال يفوتون فرصاً لتفاعلات مفيدة عند قراءة الكتب الإلكترونية.
وقالت مونزر: “يعزز الآباء قدرة أطفالهم على اكتساب المعرفة من خلال ربط المحتوى الجديد بالتجارب الحياتية لأطفالهم”.
أما بالنسبة إلى المحتوى في الكتاب الرقمي، فمسألة أخرى تحتاج إلى نقاش، إذ إن “شركتا “آبل” و”بلاي غوغل” لا تضعان أي معايير متعلقة بالمحتوى فيما يتعلق بالقيمة التعليمية للكتب الإلكترونية. فقد أدى المستوى الجديد وبالتالي تدفق أصواتنا وصورنا مع المحتوى المتاح الذي يسهله الإنتاج عبر الإنترنت، إلى جانب نقص مراقبة الجودة، إلى جعل الأسواق الحالية لكتب الأطفال الرقمية مزدحمة ويصعب التنقل فيها، فهي تباع جنبا إلى جنب مع تطبيقات الألعاب، الصحة واللياقة، الترفيه، المواعدة، الطعام والعديد من الفئات الأخرى”.
تلك نقطة مهمة لا بد من الوقوف عندها في مسألة دخول الطفل مجال الذكاء الاصطناعي، تتمثل بأن كتاب الطفل الذي يعتمد على الذكاء الاصطناعي يراقب الطفل، مثلما تراقب الأجهزة الذكية التي نستخدمها في المنزل، أو التي نتفاعل معها بشكل يومي، الكبار، ما دمنا نفتح لها المجال، ونساهم في تدفق الأصوات والصور، ونوافق على الكثير من التحفيزات والتوجيهات التي تحاصرنا، وهي نفسها تحاصر ذلك الطفل الذي يتوق دائماً إلى الحرية، وبناء شخصية مستقلة، بعيداً عن تدخل أحد في حياته.
كذلك يمكن أن يتسبب الإكثار من الحركة والصور والألوان والأصوات بإرباك ذاكرة الطفل، وإنهاك عملية تخزين المعلومات، وكذلك تشتيت خياله الشخصي أيضاً، خصوصاً عندما يصله الخيال معلباً وجاهزاً. كل ذلك يؤدي إلى تراجع عملية الابتكار.
كلمة أخيرة
أعتقد أن كتاب الطفل الذي يمكن أن نصفق له اليوم، هو كتاب ورقي معاصر ومتطور، يجمع بين دفتيه الميزات التفاعلية الحديثة، مع اعتبار قدرات الذكاء الاصطناعي التي يمكن إدخالها إلى الكتاب الورقي مسألة تجريبية، يمكن تطويرها والاستفادة منها على هامش متابعات الطفل. ولا شك في أن علينا أن نجرب الذكاء الاصطناعي في أمور كثيرة، وهو مفيد ويختصر الزمن في تقديم المعلومات، قبل استخدامه في المجال التربوي الذي هو أشد حساسية من أي أمر آخر.
وإذا استخدمنا الذكاء الاصطناعي في كتب الأطفال، علينا أن نتعامل معه بحذر ورقابة مسؤولة عن مستقبل الأجيال المقبلة. وإلى حينه، لا يمكننا الاستغناء عن وجود المؤلف والرسام والمصمم والناشر، وعن دور الأهل والمدرسة في اختيار كتب أطفالهم
عن المؤتمر
وتأتي ورقة الباحثة الرندي ضمن مجموعة كبيرة من الأبحاث التي قدمت في المؤتمر الذي أقيم
بحضور كبير من العاملين في مجال الطفولة والمهتمين والإعلاميين ، وتم  في مقر المجلس الأعلى للثقافة صباح الثلاثاء 28 يوليو الجاري ، وعقده نادي القصة وبرعاية وشراكة المجلس الأعلى للثقافة مؤتمر الطفل العربي في دورته الثالثة دورة الكاتب الكبير عبد التواب يوسف، والتي حملت عنوان أدب الطفل في عصر الذكاء الاصطناعي والميتافيرس .
حيث بدأ المؤتمر بعدد من الكلمات الافتتاحية والتي جاءت كالتالي :
ـ رئيس المجلس الأعلى للثقافة أ.د أشرف العزازي.
– رئيس نادي القصة الكاتب الكبير محمد السيد عيسى.
ـ رئيس المؤتمر الشاعر الكبير أحمد سويلم.
ـ أمين عام المؤتمر عبده الزراع.
ـ ابنة المحتفى باسمه د. لبنى عبد التواب يوسف.
ـ رئيس لجنة التحكيم د. محمود عسران.
بعدها جاءت فقرة التكريمات التي كانت كالتالي
ـ د. العيد جلولي من الجزائر  الشخصية العربية المكرمة.
ـ الكاتب الكبير جار النبي الحلو الشخصية المصرية المكرمة.
ـ لبنى عبد التواب عن اسم والدها الكاتب الكبير عبد التواب يوسف.
د. فيروز سمير  عن اسم والدها  المكرم  الكاتب الكبير   سمير عبد الباقي.
د. محمود عسران مكرما كرئيس لجنة التحكيم.
كما تم في الافتتاح تكريم الجهات الداعمة للمؤتمر  والتي تمثلت في:
المخرج هشام عطوة، الحسيني عمران، أشرف بدر، عمرو مغيث، طارق رمضان
وشهد المؤتمر  سلسلة الندوات التي شهدت تقديم مجموعة من الأوراق من مجموعة كبيرة من الباحثين ومنهم:
ـ د. محمد جمال الدين ، د. العيد الجلولي ،د. مصطفى عطية،د. إيمان سند، د. سعد عبد المجيد، د.محمود عسران،أ. أحمد قرني،د. وليد النادي
أ. محسن عبد الحفيظ، د. الآء عبد الحميد،د. نجلاء نصير،د. أحلام عبد الرحيم،د. أماني الجندي، د. ريما الكردي،د. روضة أسامة، د. أحمد عبد العال، د. غالية الزامل، وعدد كبير من الباحثين ، وتضمن المؤتمر أيضا جلسات علمية وموائد مستديرة لمناقشة جميع المجالات التي تخص الطفولة ، حتى اختتامه بجلسة ختامية قدمتها الكاتبة منى ماهر ، ومن ثم تم تلاوة التوصيات التي أعدها أمين عام المؤتمر الشاعر والكاتب الكبير عبده الزراع.

 


مقالات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى