هند محسن: أبي لم يغِبْ… كان العالمُ طريقته في الحضور..شعرية الأبوة بين قداسة الأثر وفلسفة الجسد في قصيدة «أبي شاعرٌ» لأحمد سلامة.

هند محسن حلمي★
أبي شاعِرٌ
أغرى البياضَ اسمرارُهُ
قصائِدُهُ الإنسانُ والحُبُّ دارُهُ
إذا عزَمَتْ ريحٌ
على سَحْقِ وردةٍ
تَفَتَّحَ قبلَ العِطْرِ فيها اعتذارُهُ
أبي
ما انْحنى للريحِ يوماً
وإنّما
تَمايَلَ نَخْلاً أثقَلَتْهُ ثِمارُهُ
ننامُ ونَصحو في حدائقِ رُوحِهِ
ومن أجلِ
أن نَخضَرَّ يَذوي اخْضرارُهُ..
وكم شيبةٍ في رأسِهِ اشتعلَتْ
لِكَي تُضيءَ
لنا درباً تهاوى نهَارُهُ
لقد مَنَحَ الأبناء أيّامَ عُمرِهِ
ولم ينتبِهْ إلا وحانَ احتِضارُهُ
ولم يَكرَهِ الموتَ احتجاجاً
وإنّما
مَخافةَ أنْ يَبكي عليهِ صِغارُهُ
أبي لم يغِبْ..
ذكراهُ في كلِّ زهرةٍ
تفوحُ، وفي جذعِ النخيل اصطبارُهُ
على عتباتِ الليلِ من صلواتِهِ
ضياءٌ، وفي بردِ الشتاءاتِ نارُهُ
أبي كلُّ شيءٍ هاهنا في امتدادِهِ
عزيزٌ على البَحْرِ الطّويلِ اختصارُهُ
ثَمَّةَ قصائد لا يأتي الموت فيها بوصفه خاتمةً للحياة، وإنما بوصفه اللحظة التي ينكشف فيها ما كان خفياً منها.
وقصيدة الشاعر أ. أحمد سلامة من هذا النوع؛ فهي، وإن انتمت في ظاهرها إلى فضاء الرثاء، لا تستسلم لمنطق المرثية التقليدية التي تجعل الفقد مركزاً وحيداً للخِطاب، وإنما تنقل مركز الثقل من سؤال الموت إلى سؤال البقاء، ومن الحزن على الغائب إلى اكتشاف ما أبقاه الغائب حيّاً في العالم. ولهذا فإننا لا نقرأ في النص سيرة أبٍ رحل بقدر ما نقرأ سيرة أثرٍ قاوم الرحيل، ولا نتابع جسداً انتهى، وإنما نتابع كيف انتقل هذا الجسد من حضوره المادي إلى حضور أكثر اتساعاً في الأبناء والطبيعة والذاكرة واللغة.
من هنا تبدو القصيدة محاولة شعرية لإعادة بناء مفهوم الأبوة بعد الغياب؛ فالأب ليس شخصيةً عائليةً تستعيدها الذاكرة فحسب، وإنما مركزٌ دلالي تتجمَّع حوله قِيَم الحب والعطاء والصبر والإيثار. ولذلك لا يصبح السؤال الحقيقي: أين ذهب الأب؟ وإنما: أين بقي؟ والإجابة لا تأتي مباشرة، بل تتوزع في القصيدة كلها؛ بقي في اخضرار الأبناء، وفي شيبه الذي أضاء الطريق، وفي النخلة التي تشبهه، وفي الزهرة التي تفوح بذكراه، وفي الصلاة التي تركت ضياءً على عتبات الليل. وبذلك تتحوَّل القصيدة من رِثاء شخص إلى تأمُّل في الإنسان حين يتجاوز حدود جسده، ويصبح أثره أقوى من حضوره.
وتبدأ هذه الرؤية من المطلع:
أبي شاعِرٌ
أغرى البياضَ اسمرارُهُ
قصائِدُهُ الإنسانُ والحُبُّ دارُهُ
فالجملة الأولى، على بساطتها، تحمل مفتاح النص كله. «أبي شاعرٌ» ليست إخباراً عن مهنة، ولا تعريفاً بشخص يكتب الشعر، وإنما إعادة تعريف للشعر نفسه؛ فالأب شاعر؛ لأنه عاش ما يمكن أن تكتبه القصائد من حب وعطاء وإنسانية. وحين يقول الشاعر: «قصائده الإنسان والحب داره»، فإنه ينقل الشعر من الورق إلى الحياة، ومن اللغة إلى السلوك، حتى يصبح الأب نفسُهُ قصيدةً مجسَّدة.
إن القصيدة الحقيقية ليست ما كتبه الأب، وإنما ما فعله في العالم، وما تركه في أبنائه من معنى. ومن هنا يمكن أن نستدعي أفق “عبد القاهر الجرجاني” في مفهوم النظم؛ فالكلمات لا تستنفد معناها منفردة، وإنما يتوَلَّد معناها من علاقاتها داخل السياق، وكلمة «شاعر» هنا تتجاوز معناها المعجمي لتصبح صفةً وجودية، تجعل من حياة الأب نصاً مفتوحاً للقراءة،
ثم تأتي العبارة:
«أغرى البياضَ اسمرارُهُ»
لتكشف أن الشاعر لا يصف الجسد، بل يُعيد تأويله. فالاسمرار، الذي قد يكون في الرؤية السطحية أثراً للتعب والشمس، يتحوَّل هنا إلى علامة جَمال، لأن الجسد لا يُقاس بما يبدو عليه، وإنما بما حمله من تاريخ.
لقد أعادت القصيدة ترتيب المعيار الجمالي: البياض ليس أجمل لأنه أبيض، والاسمرار ليس أقل جمالاً، لأنه أثر الشمس.
إن القيمة الحقيقية كامنة فيما وراء اللون. السمرة هنا ذاكرة عمل، وشهادة على عمرٍ قضاه الأب خارج ظلال الراحة. ولهذا يبدأ الجسد في التحول من مادة بيولوجية إلى أرشيف أخلاقي؛ فالعلامة الجسدية لم تَعُدْ مجرَّد وصف، وإنما أصبحت دليلاً على قيمة.
ويتأكَّد هذا المعنى حين يقول:
إذا عزَمَتْ ريحٌ
على سَحْقِ وردةٍ
تَفَتَّحَ قبلَ العِطْرِ فيها اعتذارُهُ
فالوردة هنا ليست مجرَّد عنصر جمالي، والريح ليست مجرَّد حركة طبيعية؛ إنهما يدخلان في بناء شخصية الأب،
في مواجهة القوة والعنف، لا تظهر شخصية الأب بصورة القوة المضادَّة، وإنما بصورة الرِقَّة التي لا تفقد كرامتها. «الاعتذار» يتفتَّح قبل العطر، وكأن الأب يُواجِه قسوة العالم دون أن يسمح لها بأن تنتزع منه إنسانيته. وهنا تتحوَّل الوردة إلى استعارة أخلاقية: الرِقَّة ليست ضعفاً، والعطاء لا يحتاج إلى صَخَب كي يكون قوياً. وربما لهذا تتجاور صورة الوردة مع صورة النخلة بعد ذلك، لتصنع القصيدة قطبي الأبوة: رِقَّةً لا تنكسر، وقوةً لا تقسو.
ومن هنا نصِل إلى واحدة من أكثر صور النص إحكاماً:
أبي
ما انْحنى للريحِ يوماً
وإنّما
تَمايَلَ نَخْلاً أثقَلَتْهُ ثِمارُهُ.
فالفرق بين «انحنى» و«تمايَل» هنا ليس فرقاً لغوياً عابراً، وإنما هو قلب كامل لدلالة الجسد.
الأب لم ينحَنِ أمام الريح، وإنما تمايَل تحت ثِقَل ما حمل.
والنخلة ليست رمزاً للقوة فقط، بل رمزٌ للثمرة التي تأتي بعد الصبر، ولذلك يُصبح الانحناء هنا عكس ما يبدو عليه، إنه ليس علامة ضعف، وإنما علامة امتلاء.
بعض الانحناءات لا تدُلُّ على السقوط، بل على أن الإنسان يحمل من الثمر ما يفوق قدرة قامته على الاعتدال.
ومن هذه الصورة يبدأ مفهوم «إيتيقا الجسد» في التبلور؛ فالجسد في القصيدة لا يُقرأ باعتباره جسداً يشيخ، وإنما باعتباره جسداً يكتب. السمرةُ تكتب العمل، والشيبُ يكتب السنين، والانحناءُ يكتب المسؤولية، والذبولُ يكتب الفداء.
كل تغيُّر جسدي يُصبح جملة في سيرة الأب الأخلاقية، وكأن الحياة لم تترك تجاعيدها عليه عبثاً، وإنما تركت شهاداتها.
ويتعمَّق هذا المعنى في:
ننامُ ونَصحو في حدائقِ رُوحِهِ
ومن أجلِ
أن نَخضَرَّ يَذوي اخْضرارُهُ..
هنا يتسع الأب من جسد إلى فضاء.
لم يعد مجرَّد إنسان يعيش بين أبنائه؛ أصبح المكان الرُّوحي الذي يعيشون فيه. «حدائق رُوحه» ليست صورة زخرفية، بل تعبير عن أبوة تحوَّلت إلى مُناخ كامل؛ ينام الأبناء داخل أثره، ويصحون فيه.
ثم تأتي المفارقة الكبرى: «ومن أجل أن نخضَرَّ يذوي اخضراره». فالأب لا يذبل لأنه خسر الحياة، وإنما لأنه أنفق ربيع حياته في صناعة ربيع الآخرين.
كل ما ينقص من جسده يزداد في أبنائه، وكل ما يذوي فيه يُزهِر فيهم.
وهنا تُقدِّم القصيدة تصوُّراً عميقاً للأبوة بوصفها اقتصاداً للفداء؛ فالزمن لا يُعاش فقط، وإنما يُمنح. وهذا ما تؤكده العبارة:
لقد مَنَحَ الأبناءَ أيّامَ عُمرِهِ
ولم ينتبِهْ إلا وحانَ احتِضارُهُ
الفعل المحوري هو «مَنَحَ».
لقد تحوَّل العمر من ملكية شخصية إلى عطية.
لم يكن الأب يستهلك أيامه، بل كان يُودِعُها في حياة أبنائه، حتى لم يبقَ له في النهاية إلا ما يكفي للوصول إلى الاحتضار. وهنا لا يبدو الموت حادثاً منفصلاً عن حياته، وإنما نتيجة بعيدة لمسار طويل من العطاء؛ لقد أنفق نفسَهُ في الآخرين، حتى فرغت منه الأيام.
ويأتي الشيب ليكمل هذا المعنى بصورة شديدة الجمال:
وكم شيبةٍ في رأسِهِ اشتعلَتْ
لِكَي تُضيءَ
لنا درباً تهاوى نهَارُهُ.
الشيب، الذي عادةً ما يكون علامة على أُفول الشباب، يتحوَّل إلى ضوء.
واللافت أن الشاعر لا يقول «أضاءت»، وإنما «اشتعلت»، وكأن السنوات لم تطفئ الأب، بل حوَّلته إلى مصباح.
كل شيبة تحمل عمراً، وكل عمر يحمل تجربة، وكل تجربة تصبح ضوءاً يهتدي به الأبناء.
وهكذا تتحوَّل الشيخوخة من خسارة جسدية إلى رأس مال معرفي وأخلاقي.
لكن أجمل ما في هذا التصوير أن الأب لا يخاف الموت لنفسه:
ولم يَكرَهِ الموتَ احتجاجاً
وإنّما
مَخافةَ أنْ يَبكي عليهِ صِغارُهُ
إنه يخاف أثر الموت لا الموت نفسه. وهذا التفصيل الصغير يختصر فلسفة الأبوة كلها: الإنسان الذي قضى حياته يفكر في الآخرين، يظل الآخر حاضراً في خوفه الأخير.
حتى الموت لا يصبح مأساةً شخصية، وإنما احتمالاً لإيلام الأبناء. وهنا يرتفع النص من صورة الأب الحنون إلى صورة الأب الذي أصبحت ذاته أقل أهمية من أثره فيمن يحب.
ومِنْ ثَمَّ تأتي العبارة المفصلية:
أبي لم يغِبْ..
هذه ليست مجرَّد جملة وجدانية؛ إنها النتيجة الفلسفية التي كان النص كله يُمَهِّد لها.
فإذا كان الأب قد أودع عمره في أبنائه، وجسدَهُ في العمل، ورُوحَهُ في البيت، وصلواتِهِ في الليل، فإن غيابه الجسدي لا يستطيع أن يساوي غياباً كاملاً.
ولهذا يأتي البرهان:
“ذِكراهُ في كلِّ زهرةٍ
تفوحُ، وفي جذعِ النخيل اصطبارُهُ”
لقد انتقل الأب إلى الطبيعة. الزهرة تحمل عطره، والنخلة تحمل صبره.
ولم تعُدِ الطبيعة خلفية للمشهد، وإنما أصبحت ذاكرة كونية للأب. كل شيء يمكن أن يستدعيه، وكل شيء يمكن أن يتحوَّل إلى حامل لأثره. وهنا لا تعود الذاكرة مجرَّد استرجاع للماضي، وإنما تُصبح طريقة جديدة لرؤية الحاضر؛ فالشاعر لا ينظر إلى الزهرة فيراها زهرةً فقط، بل يرى فيها أباه.
ويتسع هذا الحضور في قوله:
“على عتباتِ الليلِ من صلواتِهِ
ضياءٌ، وفي بردِ الشتاءاتِ نارُهُ”
فالليل لم يعد ليلاً كاملاً؛ بقيت فيه صلاة الأب ضياءً.
والشتاء لم يعُدْ برداً خالصاً؛ بقيت فيه نار حضوره.
إن الأب يتوزَّع في الثنائيات التي تواجه الإنسان: في الليل ضوء، وفي البرد دفء، وفي الغياب حضور، وفي الذبول اخضرار.
وهذا النسق التحويلي هو الذي يمنح القصيدة وحدتها العميقة؛ فكل صورة فيها تقوم على إعادة تحويل الشيء من دلالته الأولى إلى دلالة جديدة أكثر اتصالاً بالأب.
ولهذا يمكن القول: إن النص لا يبني صوراً متجاورة، وإنما يبني شبكة من التحولات: الاسمرار يصبح جمالاً ، والانحناء يصبح ثمراً، والشيب يصبح نوراً، والذبول يصبح اخضراراً، والموت يصبح خوفاً على الآخرين، والغياب يصبح حضوراً، والطبيعة تصبح ذاكرة. وكل تحوُّل منها يدفع النص خطوةً أخرى بعيداً عن الرِّثاء التقليدي باتجاه قصيدة الأثر.
وهنا نصِل إلى خاتمة القصيدة:
“أبي كلُّ شيءٍ هاهنا في امتدادِهِ
عزيزٌ على البَحْرِ الطّويلِ اختصارُهُ”
إذا بدأ النص بـ«أبي شاعر»، فإنه ينتهي بـ«أبي كل شيء».
وبين العبارتين رحلة كاملة من الشخص إلى الكون، ومن الجسد إلى الأثر، ومن الحضور المحدود إلى الامتداد.
لقد اتسعت صورة الأب تدريجياً حتى لم تعُد القصيدة قادرة على حصره في صفة، أو صورة، أو بيت.
ولذلك تأتي عبارة «عزيز على البحر الطويل اختصاره» وكأنها اعتراف بأن الأب أكبر من أن يختصره الوزن، وأوسع من أن تحتويه اللغة.
وهنا تكمن المفارقة الأجمل: القصيدة التي بدأت بمحاولة الحديث عن الأب تنتهي إلى العجز عن اختصاره.
لكن هذا العجز ليس نقصاً في الشعر، بل دليل على فائض المعنى؛ لأن بعض الشخصيات حين تدخل الشعر لا تُصبح مادة له، وإنما تصبح أفقاً يتجاوز اللغة.
في النهاية، لا يبدو أن “أحمد سلامة” كتب مرثيةً لأبٍ رحل، بقدر ما كتب قصيدةً عن إنسان استطاع أن يُحوِّل حياته إلى أثر.
فالأب هنا لا يخلده الموت، بل يخلده ما تركه في أبنائه؛ ولا يحفظه الحجر، بل تحفظه القيم؛ ولا تستعيده الذاكرة فقط، بل تستعيده الأشياء نفسها: زهرةٌ تفوح، ونخلةٌ تصبر، وليلٌ يضيء، وشتاءٌ تُدفئه نار الذكرى.
إنها قصيدة تنقل الأب من جسد الفناء إلى خلود الأثر؛ ومِنْ ثَمَّ فإن موت الأب ليس خاتمة الحكاية، وإنما اللحظة التي يبدأ فيها الأثر في الانتشار.
لقد ذوى جسده، لكنَّ أبناءه أخضرّوا.
اِشتعل شيبه، فأضاء طريقهم.
انحنى جسده، لأن ثماره أثقلته.
غاب صوته، فتكلمت الأشياء عنه.
وهكذا يصبح الأب في النهاية أقل حضوراً في الجسد، وأكثر حضوراً في العالم.
كان أباً، فصار أثراً؛
وكان أثراً، فصار معنى؛
وكان معنىً، حتى عجز البحر الطويل نفسُهُ عن اختصاره.
ولعل هذا هو سر جمال القصيدة كلها: أنها لا تقول إن الأب لم يمت، وإنما تقول شيئاً أعمق بكثير:
إن بعض الآباء يموتون مرةً بالجسد،ثم يعيشون طويلاً… كلما أزهرت حياةٌ من بعدهم.
★باحثة ـ مصر.




