بثينة زمال: نقد الخطاب الصهيوني في الفكر ما بعد الحداثي.. قراءة في كتاب تفكيك الصهيونية .


بثينة زمال★
يُمثّل كتاب تفكيك الصهيونية: نقد ميتافيزيقا سياسية محاولة فلسفية جماعية لإعادة مساءلة الصهيونية خارج الخطابات السياسية التقليدية، وذلك عبر تفكيك الأسس الميتافيزيقية والأيديولوجية، التي قامت عليها.. ويكتسب هذا العمل أهميته من إشراف الفيلسوف الإيطالي “جياني فاتيمو” أحد أبرز ممثلي فلسفة “الفكر الضعيف” وما بعد الحداثة، والذي عُرِف بموقفه النقدي الحادّ من المشروع الصهيوني، ومن السياسات الِاستعمارية، التي مارسها الِاحتلال في فِلسطين..
وبالتالي لم يكن موقف “فاتيمو” من الصهيونية موقفا سياسياً عابراً، بقدر ما اعتُبِرَ امتداداً لرؤيته الفلسفية القائمة على رفض كل أشكال الحقيقة المطلقة، والتمركز الميتافيزيقي والعنف المؤسس باسم الهُوية، أو القداسة، أو التاريخ.. فمن منظور “فاتيمو” تتحوَّل الصهيونية إلى خطاب ميتافيزيقي حين تدّعي امتلاك “حق تاريخي” أو “وعد إلهي” يُبرر الإقصاء والِاستيطان والعنف.. لذلك سعى هذا المُؤلَّف إلى تفكيك البِنية الفكرية للصهيونية، عَبْرَ مقالات فلسفية مُتعَدِّدة المشارب، تجمع بين النقد السياسي والتحليل الثقافي، والتفكيك الفلسفي..
ومن هذا المنطلق نطرح الإشكال التالي: كيف يمكن تفكيك الصهيونية بوصفها ميتافيزيقا سياسية حديثة؟
وما الآليات الفكرية التي استخدمها “فاتيمو” وغيره للكشف عن بِنيتها الِاستعمارية والعنيفة؟
يفتتح الكتابُ بمقدمة كتبها “جياني فاتيمو” و”مايكل ماردر” يضعان فيها الإطار النظري لفكرة “تفكيك الصهيونية” مع التأكيد على أن النقد المُوّجه هنا لا يستهدف اليهودية كدين أو كهوية ثقافية، وإنما يتجه نحو الصهيونية باعتبارها اَيديولوجيا سياسيّة حديثة، اِرتبطت بالِاستعمار والعنف والإقصاء.. ويُعَدُّ هذا التحديد ضرورياً؛ لأن الخطاب الصهيوني سعى طويلاً إلى ربط أي مساءلة سياسية، أو فلسفية بمعاداة السامية، وهو ما يحاول الكِتاب تفكيكه منذ الصفحات الأولى..
ينتقل الكتاب بعد ذلك إلى دراسة تحوُّلات مفهوم معاداة السامية؛ حيث يُوَضِّح “سلافوي جيجيك” أن الذاكرة التاريخية للمحرقة تحوَّلت داخل الخطاب الغربي إلى أداة تَمنح الشرعية السياسية والأخلاقية للمشروع الصهيوني! إلى درجة أصبح معها نقدُ إسرائيل، يُقدَّم أحيانا بوصفه امتداداً للكراهية والعنصرية ضد اليهود..؟ ومن خلال قراءة جينيالوجية، يكشف الكاتب عن انتقال اليهود من موقع الضحية التاريخية إلى موقع القوة السياسية والعسكرية، مع إعادة إنتاج آليات الهيمنة ذاتها تحت خطاب الحماية والدفاع عن النفس.. ويظهر هنا أثرُ التحليل الفوكوي للسلطة، بوصفها إنتاجاً للخطاب والحقيقة والمعنى، لا مجرد ممارسة قمعية مباشِرة..
وفي سياق متصل تتناول “جوديث بتلر” العلاقة بين اليهودية والصهيونية رافضة اختزال الهُوية اليهودية في المشروع الصهيوني.. فاليهودية، بحسب ماطرحته تتضمن تقاليد أخلاقية وروحية وإنسانية عديدة تقوم على العدالة والتعايش والِانفتاح، بينما حوَّلت الصهيونية هذه الهوية إلى قومية مغلقة مرتبطة بالدولة والعسكرة والحدود.. وتكمن أهمية هذا الطرح في تفكيكه الِادعاء الصهيوني بتمثيل اليهود جميعاً، إذ تعود كتابة الأركيولوجيا إلى تاريخ تشكل الهُوية اليهودية الحديثة، لِتُوضح كيف جرى تحويلها تدريجياً من هُوية دينية وثقافية مُتعددة إلى هُوية سياسية مرتبطة بمشروع استيطاني.. ومن جهة أخرى، يُقَدِّم “والتر مينولو” تحليلاً معمقاً للصهيونية باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من البنية الاستعمارية للحداثة الغربية؛ حيث يرى أن المشروع الصهيوني لا يمكن فهمه خارج السياق الكولونيالي، الذي قام على مركزية الغرب وفكرة التفوُّق الحضاري.. ويكشف الكاتب كيف استُخدِمت شعارات مثل “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض” من أجل محو الفلسطينيين رمزياً وتاريخياً مما يجعل الخطاب الصهيوني منتجاً للغياب والإقصاء في الوقت نفسه.. كما يربط بين الدولة القومية الحديثة والعنف التأسيسي، الذي تقوم عليه؛ لأن بناء الهُوية القومية غالباً ما يرتبط بإقصاء الآخر وتجريده من الشرعية التاريخية والسياسية.
ويتعمَّق الكتاب أكثر في تحليل البُعد اللاهوتي للصهيونية من خلال دراسة العلاقة بين الدين والسياسة، إذ يرى بعض كتّابه أن المشروع الصهيوني لم يتخلَّ عن البِنية الدينية التقليدية، ولكنه أعاد إنتاجها داخل خطاب قومي حديث.. فمفاهيم مثل “الشعب المختار” و”الأرض الموعودة” لم تختفِ، ولكن تحوَّلت إلى مرتكزات تمنح الدولة شرعية متعالية فوق النقد، وهو ما يجعل الصهيونية في منظور “فاتيمو” وغيره ميتافيزيقا سياسية تُوَظِّف المقدس داخل المجال السياسي.. ومن خلال المقاربة الجينيالوجية، يحاول “فاتيمو” تتبُّع انتقال المفاهيم اللاهوتية إلى المجال القومي الحديث؛ حيث تحوَّلت الهُوية إلى عقيدة مغلقة، تستمِدّ قوتها من التاريخ والدين والذاكرة الجماعية.. كما يتناول أحد الفصول تحوُّلات الصهيونية داخل النظام الرأسمالي العالمي، موضحاً أن المشروع الصهيوني قد أصبح جزءاً من منظومة اقتصادية وأمنية عالمية ترتبط بالتكنولوجيا والمراقبة والهيمنة النيوليبرالية.. ويظهر الفلسطيني داخل هذه المنظومة بوصفه ذاتاً خاضعة للمراقبة والإدارة الأمنية في انسجام واضح مع مفهوم البيوسياسة عند “ميشيل فوكو” ؛ حيث تتحوَّل السلطة إلى إدارة للحياة والسكان والحدود والأجساد..
ويختتم الكتاب بنقاش إنساني وفلسفي حول إمكان بناء أفق بديل قائم على التعددية والاعتراف بالاختلاف، إذ يدعو “فاتيمو” إلى تجاوز منطق الهوية المغلقة والعنف المؤسس نحو رؤية إنسانية تسمح بالتعايش والعدالة.. ومن هنا يبدو تأثير فلسفة التأويل عند “فاتيمو” حاضراً بقوة؛ لأن الحقيقة في نظره ليست مطلقة، أو نهائية..إنها متعددة وقابلة لإعادة الفهم والتأويل باستمرار.. لذلك لا يكتفي الكتاب بتفكيك الصهيونية كخطاب سياسي، بقدر ما يسعى أيضاً إلى مساءلة الأسس الفكرية والأبستيمية، التي تنتج العنف والإقصاء داخل الحداثة الغربية نفسها جاعلاً من النقد الفلسفي أداة للكشف عن البِنيات العميقة، التي تتحكَّم في إنتاج السلطة والمعنى والتاريخ.
★ باحثة في ميدان النقد الحديث والمعاصر.




