حصة الحمدان: من” ممرضة” إلى” سيدة الشاشة الخليجية” ..حياة الفهد… مسيرة حافلة بالتحديات .


حصة الحمدان★
حين رحلت الفنانة القديرة “حياة الفهد” عن عالمنا، رحل معها جزء مميز من ذاكرة الفن الكويتي والخليجي، كان خبر وفاتها في 21 من إبريل 2026 خبراً صادماً للعديد من الأجيال، التي ارتبطت بأعمالها الفنية الخالدة.

كان وجعاً حقيقياً شعر به كل من عرفها من خلال أعمالها وشخصياتها، التي عاشت معنا لسنوات طويلة، إذ فقدنا برحيلها كنزاً من كنوز الفن الكويتي، فهي لم تكن مجرد فنانة عابرة، بل كانت مدرسة فنية خَرَّجت العديد من الفنانين، الذين كانوا يرون فيها الأم قبل الفنانة.
لعل أبرز ما يُمَيِّز الراحلة أن ملامحها راسخة في وجداننا، وصوتها يحيلنا دائماً إلى طفولتنا، بل إن ضحكاتها المميزة في أعمالها – خاصة مع رفيقة دربها الفنانة القديرة “سعاد عبدالله ” تظل تتصَدَّر وسائل التواصل الاجتماعي كل يوم، احتفاء من جمهورها بالعشرات من مشاهدها الفنية الخالدة.

مسيرة حافلة، أسهمت فيها الفنانة “حياة الفهد” في الإعلاء من مكانة الفن الكويتي، حتى وصل صداه إلى العالم العربي بأكمله، فباتت عَلماً فنياً بامتياز، ورمزاً يفتخر به وطننا الغالي أمام الجميع، وبقيت أعمالها شاهدة على موهبة صادقة وعطاء متدفق، لا يُنسى.
“حياة الفهد”.. قبل الفن
في بيئة تسكنها البساطة، وتعكس حياة الأجداد، في منطقة شرق، في قلب الكويت، وُلِدَت الفنانة الراحلة “حياة الفهد” في ١٥من أبريل ١٩٤٨، ليكون شهر أبريل علامة فارقة في مسيرتها؛ حيث شهد ميلادها ورحيلها أيضاً.
خلال طفولتها تُوُفِيَ والدها، الأمر الذي جعلها تُواجِه صعوبات الحياة باكراً، وتبدأ بالاعتماد على ذاتها، مما اضطرها لعدم استكمال تعليمها، لكن جميع تلك الظروف لم تجعلها تتوقف عن السعي وراء المعرفة، بل كانت تمتلك شغفاً كبيراً بالتعلُّم وتثقيف ذاتها، فبدأت بتعلُّم الكتابة باللغتين العربية والإنجليزية، وهو ما يعكس طموحها ورغبتها المستمرة في تطوير ذاتها معرفياً وثقافياً، ومع مرور الأيام أصبحت الفنانة الراحلة “حياة الفهد” تمتلك ثقافة واسعة ووعياً لافتاً للانتباه، انعكس بصورة واضحة على شخصيتها وطريقة تفكيرها، كما ساهم ذلك في تنمية وعيها الفني ونضوجها، الذي ظهر لاحقاً في أعمالها ومسيرتها الفنية.
وقبل خوض سيدة الشاشة الخليجية المجال الفني، كانت تعمل ممرضة في إحدى المستشفيات الكويتية؛ حيث تَميَّزت بجديتها واجتهادها الكبير في العمل، الأمر الذي عكس قوة شخصيتها وتحمُّلها للمسؤولية في عمر مبكر، ومن خلال تلك الوظيفة بدأت أول خطواتها تجاه العالم الفني، وذلك عندما زارت فرقة (أبو جسوم) الكويتية المستشفى حينذاك بحثاً عن ممثلة للمشاركة في أحد الاعمال الفنية، لتصبح تلك الزيارة نقطة البداية في مسيرة الراحلة “حياة الفهد” الفنية.
بدايات “حياة الفهد” الفنية ..
خلال تلك الزيارة، أخبرت “حياة الفهد” الفرقة برغبتها الكبيرة في خوض تجربة التمثيل والمشاركة معهم، وحينها ذهبتْ لإبلاغ عائلتها برغبتها في المشاركة التلفزيونية، إلا أنها واجهت رفضاً تاماً من قِبَل أسرتها بحكم العادات والتقاليد السائدة آنذاك، حتى أنها تعرضت للضرب بسبب إصرارها على خوض تلك التجربة الجريئة حينذاك.
وعلى الرغم من قسوة الموقف، فإن “حياة الفهد” كانت مُصِرَّة ولم تتراجع عن حلمها، وهو ما يدُلُّ على قوة شخصيتها وثقتها الكبيرة في نجاح طموحها، وعندما عادت الفرقة مرة أخرى للتأكد من رغبتها، أكدّت لهم مجدداً رغبتها في التمثيل والمشاركة معهم، ومن هنا بدأت نقطة التحوُّل الحقيقية في حياتها.
وعلى أثر ذلك الموقف، اِنطلقت مسيرة حياة الفهد الفنية، فجاءت انطلاقتها الأولى من خلال مسلسل(عايلة بو جسوم) الذي عُرِض على شاشات التلفزيون عام١٩٦٢، لِيكون بداية رحلة فنية مليئة بالعطاء والنجاحات، والتي صنعت من خلالها مكانتها كأحد أبرز نجوم الفن الكويتي والخليجي.
“حياة الفهد”..التلفاز
بعد مشاركتها في مسلسل(عايلة بوجسوم)، قَدَّمت “حياة الفهد” دور (الحدباء) في مسلسل يحمل الاسم ذاته، وعلى الرغم من أن هذا الدور كان أكبر من عمرها في ذلك الوقت، إلا أنها استطاعت أن تُقَدِّمه بصورة لافتة ومؤثرة، وفي واقع الأمر لم تكن الشخصية تعتمد على الحوار، بل اقتصر الدور على الحركة والتعبير الجسدي، ونتيجة لذلك تبينت قدرة “حياة الفهد” على إيصال ملامح الشخصية دون الحاجة إلى الكلمات.
ومن الجدير بالذكر أن حركة (العَرَج) التي ظهرت في العمل كانت من إضافتها الخاصة، إذ لم تكن موجودة في النص الأصلي، وبذلك استطاعت أن تمنح الشخصية بُعداً أكثر غرابة، كما ساهم دمج ملامح الحدباء مع حركة(العَرَج)في تعزيز طبيعة الشخصية وإبراز أثرها داخل العمل، ويُعد هذا العمل أحد أبرز أعمال تلك الحقبة، حيث ساهم المسلسل في تشكيل ملامح الفن التلفزيوني الكويتي، عبر مسلسل يَطرح قضية اجتماعية، بأحداث مرعبة، وأسلوب جديد وغير مألوف، كما كان دور (الحدباء) التحدي الأكبر بالنسبة للفنانة “حياة الفهد” العائدة حينها من مرحلة الاعتزال، باحثة عن تجربة تفاجئ بها الجمهور، فما كان منها إلا أن قبلت بأداء شخصية (ذيبة) التي لم تقبل تأديتها فنانات تلك المرحلة.

أما ثالث أعمالها التلفزيونية فكان مسلسل (الشرباكة)، الذي ألَّفه الراحل “عبد الحسين عبد الرضا”؛ حيث جاء العمل بطابع طريف، ومن هنا بدأت “حياة الفهد” تتدرَّج في مشاركاتها الفنية، إلى أن أصبحت لاحقاً واحدة من أبرز الأسماء في الدراما الكويتية.
وعند الانتقال إلى مرحلة الثمانينيات، نجد أن حياة الفهد شهدت نقلة كبيرة في مسيرتها التلفزيونية، إذ قدَّمت في هذه الحقبة مجموعة من الأعمال الناجحة، التي لا تزال حاضرة في ذاكرتنا إلى اليوم، من بينها(إلى أمي وأبي مع التحية)، و(درس خصوصي)، و(خرج ولم يعد).
كما برزت في تلك الفترة من خلال أعمال مهمة مثل(خالتي قماشة) و(على الدنيا السلام)، وبلا شك هي أعمال رسّخت حضورها الفني، وخصوصاً أن أغلب ما قدَّمته في تلك الفترة كان يميل إلى الطابع الكوميدي الاجتماعي، الذي يُعَدُّ مفضلاً لدى الجمهور العربي والخليجي على وجه التحديد.
وتبعاً لذلك، واصلت “حياة الفهد” حضورها في التسعينيات من خلال عدد من المسلسلات، أبرزها(بو مرزوق)، و(سليمان الطيب)، و(قاصد خير)، ثم مع بداية الألفية الجديدة، دخلت مرحلة مختلفة، اتجهت فيها بشكل أوضح نحو التراجيديا، وقدَّمت أعمالاً شكَّلت لوناً مغايراً في مسيرتها، مثل مسلسل(جرح الزمن)، و(ثمن عمري)، و(أبلة نورة)، و(الخراز)، و(الفرية).

أما مسلسلاتها في السنوات الخمس الأخيرة، فقد شكَّلت امتداداً لحضورها الفني الطويل، إذ قدَّمت مسلسل (أم هارون) في عام 2020، وهو العمل الذي واجه في بداية عرضه نقداً واسعاً، لكن بعد عرض المسلسل تغيَّرتْ موازين الآراء،وذلك نتيجة لعرض أحداث المسلسل واستكشاف أبعاد الحكاية و أدائها، وتميُّزها في تجسيد الشخصية أسهم في تغيير وجهة نظر كثير من المتابعين، ليحظى العمل لاحقاً باهتمام لافت، وبعد ذلك واصلت “حياة الفهد” حضورها الدرامي من خلال مسلسل (مارغريت)في عام 2021، ثم شاركت في مسلسل (بتوقيت مكة) عام 2022، إلى جانب مسلسل (سنوات الجريش) في العام نفسه، كما قدَّمت مسلسل (قرَّة عينك) عام 2023، وصولاً إلى آخر أعمالها التلفزيونية، وهو مسلسل (أفكار أمي) عام 2025، أي قبل وفاتها بسنة واحدة.
وبالإضافة إلى أعمالها في المسلسلات التلفزيونية، شاركت “حياة الفهد” أيضاً في عدد من السهرات التلفزيونية التي تُعَدُّ قريبة في طبيعتها من الأفلام القصيرة، ويُطلق عليها غالباً في اللهجة الكويتية اسم (تمثيلية)، إذ تمتَدُّ مدتها عادةً إلى ساعة أو ساعة ونصف، وتقوم على حكاية مكتملة لها بداية ووسط ونهاية،وقد بلغ عدد مشاركاتها في هذا النوع من الأعمال ما يقارب خمسة وثلاثين عملاً، ومن أبرز بداياتها في هذا المجال سهرة (وهم )عام 1964، وهي من الأعمال التي جاءت في مرحلة مُبكرة من مشوارها الفني، ثم توالت بعدها مشاركاتها في عدد من السهرات، من بينها( قتلت ولدي)، و(أوراق الخريف)، (وحياة في ثلاث أيام)، إلى أن قدَّمت آخر تمثيلية لها عام 2001 بعنوان (البومة).

“حياة الفهد”..الإذاعة
كتبت الفنانة الراحلة “حياة الفهد” للإذاعة ما يقارب عملين من تأليفها في أواخر السبعينيات، وذلك تحت اسم مستعار أطلقت عليه(وفاء أحمد)لأنها كانت ترى آنذاك بأنه لا يصح أن يظهر اسمها ككاتبة للعمل وممثلة في الوقت نفسه،إلا أن الفنان الراحل “منصور المنصور” نصحها بعدم طمس اسمها وهويتها الفنية، وشجَّعها على الظهور باسمها الحقيقي.
وقد ذكرت “حياة الفهد” في أحد لقاءاتها بأنها عملت في إذاعة الكويت لمدة ثلاث سنوات، وكانت تلك المرحلة في بداياتها الفنية؛ حيث بدأت العمل في الإذاعة عام 1965 بجانب عدد من المذيعين البارزين، واستمرت حتى عام 1967، ثم تركت الإذاعة بعد أن ابتعدت عن التمثيل لمدة ثلاث سنوات بسبب زواجها.
كما أوضحت أن العمل الإذاعي كان بالنسبة لها ممتع، و أيضاً اجمل و أصعب من المسرح والتلفزيون، وذكرت السبب بان الإذاعة تعتمد على السمع فقط، مما يتطلَّب من الفنان إيصال جميع المعطيات للمستمع، حتى يتمكَّن من فهم العمل الدرامي وتخيُّل أحداثه وشخصياته…وإلى جانب تجربتها في إذاعة الكويت، شاركت أيضاً في عدد من الأعمال الإذاعية والتلفزيونية مع كبار الفنانين والنجوم، لِتُضيفَ بذلك جانباً مهماً إلى مسيرتها الفنية المتنوعة.

“حياة الفهد” ..المسرح
يُشَكِّل المسرح في مسيرة سيدة الشاشة الخليجية محطة مهمة، وباتت أعمالها المسرحية عطاءً فنياً باقياً في الذاكرة، من خلال خشبته تألقت موهبتها، ولمست بصورة مباشرة حب الجمهور لها، كما أتاح لها المسرح فرصة الوقوف بجانب نخبة من أهم قامات الفن الكويتي؛ حيث كانت بداياتها من خلال مسرحية (الضحية) التي شاركت فيها مع الفنان الراحل “منصور المنصور”، والمؤلف “صقر الرشود”، ثم قَدَّمت بعد ذلك ما يقارب ال21 مسرحية، من أبرزها مسرحية (حرم سعادة الوزير) و(بني صامت)و(سيف العرب)وغيرها من الأعمال، التي وَثَّقت حضورها المسرحي، وأضافت بصمة إبداعية إلى مسيرتها الفنية، ولم تكن حياة الفهد تقف عند حدود النص فقط، بل كانت ترتجل بكل إتقان وذكاء، من دون أن تخرج عن سياق المسرحية، أو تُفسِد حكايتها، كما تَميَّزت بِحِسٍ فكاهي جميل ومختلف جعل وقوفها على خشبة المسرح مشحوناً بالكوميديا، وقريباً من الجمهور.

وعلى الرغم من كل ذلك العطاء الجميل، إلا أنها توقفت لاحقاً عن تقديم العروض المسرحية، وكانت آخر أعمالها في دولة الكويت مسرحية (قناص خيطان)التي عُرضت عام 2002، إضافة إلى مسرحية (صح النوم يا عرب)التي عُرضت عام 2004 في كل من دولة قطر، ودولة الإمارات العربية المتحدة، لِتبقى تجربتها المسرحية شاهدة على موهبة لم تتكرر، وبصمة في ذاكرة الفن الكويتي والخليجي..
“حياة الفهد”..السينما
قبل دخولها عالم الفن،كانت الفنانة الراحلة “حياة الفهد ” من المغرمين بالسينما، إذ كانت تذهب إليها بصورة شبه يومية، وتشاهد الأفلام بشغف كبير وروح متعطشة للفن، وبعد عودتها إلى المنزل، تستعيد ما شاهدته من خلال تقليدها للشخصيات ، ولم يكن ذلك التقليد مجرد تسلية عابرة، بل كان بداية مُبكرة لتنمية فنانة تمتلك حِساً إبداعياً عالياً، وتُدرك معطيات التمثيل السينمائي من صوت وحركة وتعبير، ومن هنا بدأت علاقة “حياة الفهد” بالفن تتسع مع الأيام من خلال الملاحظة والتجربة والتقليد، ثم الإبداع..
وقد ظهر نتاج ذلك الشغف وحب السينما عندما خاضت أول تجاربها السينمائية عام 1971 من خلال فيلم(بس يا بحر)الفيلم الكويتي الشهير الذي يُصنَّف ضمن أهم الأعمال السينمائية، التي أنتجتها دولة الكويت، وأول فيلم روائي طويل في تاريخ الكويت والخليج.
ولم تتوقَّف الراحلة “حياة الفهد” عند هذا العمل فحسب، بل واصلت حضورها السينمائي من خلال فيلم(الصمت) الذي عرض عام 1980، ومن ثَمَّ فيلم(نجد)الذي عُرِض في عام 2020، وكان آخر أعمالها السينمائية…ومن خلال هذه التجارب، تركت “حياة الفهد” أثراً واضحاً في ذاكرة الفن الكويتي والخليجي، وحقَّقت الحلم الذي بدأ معها منذ أيام شغفها الأولى بالسينما، لِتُثبتَ أن البدايات الصادقة قد تصنع فناً خالداً ونجاحاً يبقى في عقول وقلوب الناس.
“حياة الفهد”..خواطر شاعرية ومؤلفات
وفي مجال الشعر، كتبت “حياة الفهد” عدداً من الكلمات الشعرية والخواطر، بالرغم من أنها لم تكن ترى نفسها شاعرة بالمعنى التقليدي، بل كانت تُعبِّر عن مشاعرها وأحاسيسها من خلال كلمات تَصوغها على هيئة خاطرة، أو قصيدة،ومن هنا يمكن القول إن كتاباتها لم تكن تكتب بدافع الظهور كشاعرة بقدر ما كانت انعكاساً صادقاً لما تشعر به، إذ كانت تكتب بروح عفوية قريبة من الوجدان.
وفي عام 1978، طُبع لها كتاب بعنوان (عتاب)، وقد حمل هذا الكتاب جانباً إنسانياً وفياً من شخصية “حياة الفهد”، وهو جانب يستحق التوقف عنده؛ حيث قدمت من خلاله إهداءً شاعرياً مؤثراً إلى روح أخيها الكاتب الراحل “صقر الرشود”، فجاء الإهداء بكلمات عذبة وحزينة، مفعمة بالوفاء والصدق وحفظ الجميل، كما ذكرت فيه أنها تلميذته وأخته، وهو ما يعكس عمق العلاقة الإنسانية والفنية، التي جمعتها به، وقد أهدت هذا الكتاب في ذلك الوقت إلى الراحل “محمد الرشود”، شقيق “صقر الرشود”، رحمهما الله جميعاً.
ومن كلماتها الشعرية في هذا الكتاب:
من أسبابه
عزي للي بكى ومحد حواليه
حيث الرفاقه عافو أطنابه
جاها الخبر ومحد نشد فيه
جن ما شافوه ولا هم أحبابه
قال لو بس أصويحبه جاه بتواليه
يغنيه عن هله و عن كل أصحابه
مير لا هذا ولا ذاك شدو لراضيه
ولحد سال منهم ويش اللي صابه
قال شرهتي مو عليهم من اللي أعانيه
لومي عل اللي بخلي بطبابه
قال لو شوفة منه تكفي وأحاجيه
وأخبره بللي أعانيه من أسبابه
وأنشد اللي خذوه وبعدو ليه
مايدرون عن روحي معلقة في شبابه
والله يا يوه ان فراشي مدانيه
من عيني السهيرة وقلبي اللي شابه
وبناءً على ذلك، يمكن القول إن كتاب عتاب جاء منسجماً مع عنوانه، إذ امتلأ بمشاعر العتاب والحزن والفقد والحسرة، كما كشفت كلماته عن جانب وجداني عميق في شخصية “حياة الفهد”، بعيداً عن حضورها الفني المعروف على الشاشة، ولذلك بدت كتاباتها مؤثرة وصادقة، لأنها لم تخرج من رغبة في الظهور كشاعرة، بل من إحساس إنساني صادق استطاعت أن تنقله بكلمات بسيطة وعميقة في الوقت نفسه.

مسلسلات من تأليف “حياة الفهد”:
ومن جانب آخر نلاحظ أن الأعمال التلفزيونية التي ألَّفتها سيدة الشاشة الخليجية “حياة الفهد” غالباً ما حملت عناوين قريبة من التراث، أو مستوحاة منه، وهو ما يعكس ارتباطها العميق بالبيئة القديمة وحنينها إلى تفاصيل تلك الحياة، ولم يقتصر هذا الحضور التراثي على العناوين فحسب، بل امتَدَّ أيضاً إلى مضمون الحكايات التي كتبتها، إذ كانت تميل في كثير من أعمالها إلى استلهام القصص من الذاكرة الشعبية والواقع الاجتماعي القديم، مما منح نصوصها طابعاً تراثياً أصيلاً قريباً من وجدان الجمهور.
ومن أبرز الأعمال التي ألَّفتها: (شيكات بدون رصيد)، و(سليمان الطيب)، و(الدردور)، و(الشريب بزة)، و(الحريم)، و(الفرية)، و(الأخ صالحة)، و(الخراز)، و(الداية)، و(دمعة يتيم)، و(الجليب)، و(بياعة النخي).
ساهمت هذه الأعمال في إبراز جانب مهم من تجربتها الفنية؛ حيث لم تكن “حياة الفهد” ممثلة فقط، بل كانت أيضاً كاتبة تمتلك قدرة على تحويل الذاكرة والتراث إلى أعمال درامية قريبة من الناس ومُعَبِّرة عنهم.
علاقاتها الاجتماعية والأسرية:
وعلى الصعيد الاجتماعي، تربَّتْ حياة الفهد في كَنَف أسرة حنونة ولطيفة أحاطتها بالحب والاهتمام منذ طفولتها؛ حيث كانت الابنة المُقرَّبة لدى والدتها، التي عُرِفَت برعايتها الدائمة لها، وقد انعكس هذا الدفء العائلي على علاقتها بابنتها وأحفادها، وبالتالي نقلت إليهم الحنان ذاته، وملأت تجمعاتهم بنفس الحب والحنان..
كما كانت تميل إلى تجمعات العائلة والأصدقاء، إذ كانت تعشق رواية القصص والحكايات القديمة، التي تعلَّمتها من جدتها، ثم أصبحت ترويها لأحفادها بحب وشغف، وكأنها تهتم باحتفاظها بذكريات الأجداد، وتنقل جمالية الماضي إلى الأجيال،ومن هنا باتت “حياة الفهد” قريبة جداً من عائلتها وأصدقائها، كما تحمل في جوفها أمان المنزل، وحب العائلة، وجمال حكايات الأجداد، التي لا تنسى.
تكريم “حياة الفهد”
ومن خلال مسيرتها الفنية الطويلة، نالت الفنانة “حياة الفهد” تقديراً واسعاً يليق بمكانتها الفنية وعطائها غير المحدود، إذ حصلت على جائزة الدولة التشجيعية في عام٢٠٠٠ عن عملها(الدردور)، كما مُنحت جائزة الدولة التقديرية في الكويت عام٢٠٠٨، إلى جانب تكريمها في عدد من المهرجانات العربية، وامتداداً لذلك التقدير حازت في عام٢٠٢٣ على جائزة صُنَّاع الترفية الفخرية(Joy awards), تقديراً لمسيرتها الفنية، التي تركت أثراً واضحاً في ذاكرة الجمهور.
ولم تقتصر شهرة “حياة الفهد” على الساحة المحلية أو الخليجية فقط، بل امتد حضورها إلى نطاق آخر، إذ تلقَّى خبر رحيلها رد فعل واهتمام لافت في الكثير من الصحف ووسائل الاعلام الأجنبية، فلم يكن خبراً عابراً، بل كان انعكاساً لمكانتها الفنية الإنسانية، مما يدُلُّ على أن أثرها تجاوز حدود الوطن العربي..
وعندما نتأمل هذه المسيرة، نجد أن تجربة “حياة الفهد” تُمَثِّل امتداداً حقيقياً لتاريخ الفن الكويتي والخليجي، فهي لم تكن مجرد فنانة قَدَّمت أعمالاً ناجحة، بل كانت وجهاً من وجوه الذاكرة الفنية.
ألقاب “حياة الفهد”
اِكتسبت “حياة الفهد” خلال مسيرتها الفنية عدداً من الألقاب، التي لم تأتي من فراغ، بل جاءت انعكاساً لمكانتها الكبيرة وحضورها المؤثر في الفن الكويتي والخليجي، كما لُقِّبت بلقب(أم المسرح الكويتي)، ويعود هذا اللقب إلى الأدوار، التي جَسَّدت فيها شخصية الأم في بداياتها الفنية، إذ استطاعت من خلال أدائها الصادق أن تقنع الجمهور بهذه الصورة، حتى ارتبطت بها في ذاكرة المتابعين،وهذا بحد ذاته يكشف عن قدرتها الكبيرة على تقمُّص الشخصية ومنحها روحاً قريبة من الناس.
كما لُقِّبت أيضاً بلقب ( سيدة الشاشة الخليجية)، وهو اللقب الذي أصبح ملازِماً لاسمها مع مرور السنوات، حتى صار الجمهور يذكره كلما ذكر اسم “حياة الفهد”، ويقال إن هذا اللقب برز من خلال تتر مسلسل (زمن عمري)، ثم انتشر بين الناس حتى أصبح جزءاً من هويتها الفنية ومكانتها في الذاكرة الخليجية.
أما لقب (عميدة الدراما الخليجية)، فهو من الألقاب التي تُعَبِّر بكل وضوح عن حجم عطائها ومسيرتها الطويلة، إذ لم يكن حضورها مقتصراً على التمثيل فقط، بل امتد إلى الكتابة وصناعة الحكاية والمساهمة في ترسيخ الدراما الخليجية ونتيجة لذلك فإن هذه الألقاب المجتمعة لا تُعَبِّر عن شهرة عابرة فقط، بل عن تاريخ فني طويل صنعته “حياة الفهد” بإخلاصها وموهبتها وتأثيرها المستمر.
ختاماً
تبقى “حياة الفهد” وجهاً باقي في ذاكرة الفن الكويتي والخليجي، ليس فقط بما قدَّمته من أعمال فنية خالدة، بل بما تركته من أثر إنساني ووجداني في قلوب محبيها، كما استطاعت خلال مسيرتها الطويلة أن تكون أكثر من مجرد فنانة، إذ أصبحت جزءاً من ذاكرة المجتمع، وصوتاً قريباً من الناس، ووجهاً ارتبط بالصدق والإبداع،وعلى الرغم من رحيلها، فإن إرثها الفني سيظل حاضراً في الأعمال التي قدَّمتها، وفي الأجيال التي تعلَّمت منها، وفي المكانة الكبيرة التي صنعتها بكامل إخلاصها ومشاعرها وموهبتها.
★ناقدة ـ الكويت.




