أخبار ومتابعات

محي الدين إبراهيم:موسم مسرح برودواي ( 2026 ) وجوائز توني: قراءة نقدية في تحولات المسرح العالمي.

محي الدين إبراهيم★

في كل عصر توجد منصات ثقافية تتحول إلى مرايا كاشفة لتحولات الفن العالمي. وفي المسرح، تظل برودواي واحدة من أهم هذه المرايا؛ ليس لأنها تمثل النموذج الوحيد للمسرح المعاصر، بل لأنها تكشف سنويًا عن اتجاهات جديدة في الكتابة والإخراج والتمثيل والإنتاج، وتقدم صورة مكثفة للعلاقة المتغيرة بين المسرح والجمهور. ومن هنا تأتي أهمية قراءة موسم برودواي لعام 2026، لا بوصفه حدثًا أمريكيًا محليًا، بل باعتباره مؤشرًا فنيًا يمكن للمسرحيين في مصر والعالم العربي أن يتأملوا من خلاله مستقبل هذا الفن العريق.
لقد جاء موسم 2026 حافلًا بالمفاجآت، خصوصًا بعد إعلان نتائج جوائز توني، التي تُعد أرفع الجوائز المسرحية في الولايات المتحدة والعالم الناطق بالإنجليزية. وما تكشفه قائمة الفائزين هذا العام يتجاوز حدود الاحتفاء بعروض ناجحة أو نجوم لامعين، ليطرح أسئلة أكثر عمقًا حول طبيعة المسرح في القرن الحادي والعشرين، وكيف يمكن لهذا الفن أن يحافظ على حضوره في زمن المنصات الرقمية والصورة السريعة وثقافة الاستهلاك الفوري.

حين تنتصر الكلاسيكيات من جديد:
في مقدمة المشهد وقفت مسرحية «موت بائع متجول» (Death of a Salesman) للكاتب الأمريكي الكبير آرثر ميلر، مؤكدة أن الأعمال العظيمة لا تخضع لقوانين الزمن. فالنص الذي كُتب قبل عقود طويلة عاد هذا العام في إنتاج جديد حصد ست جوائز توني، من بينها جائزة أفضل إعادة إحياء لمسرحية، وجائزة أفضل مخرج مسرحي للمخرج جو مانتيللو (Joe Mantello)، إضافة إلى جائزة أفضل ممثلة مساعدة للنجمة لوري ميتكالف (Laurie Metcalf).
لكن القيمة الحقيقية لهذا النجاح لا تكمن في عدد الجوائز، بل في الرسالة التي يبعثها إلى العالم المسرحي كله: النصوص الكلاسيكية لا تُعاد إلى الحياة بدافع الحنين فقط، وإنما لأنها ما تزال قادرة على مخاطبة الإنسان المعاصر. وقد منح النجم ناثان لاين (Nathan Lane) شخصية ويلي لومان أبعادًا إنسانية عميقة جعلت أزمة الرجل المهزوم أمام الحلم الأمريكي تبدو وكأنها أزمة عالمية تتجاوز حدود الزمان والمكان.

شمغادون! وعودة المسرح الموسيقي الكبير:
إذا كانت «موت بائع متجول» قد مثّلت انتصار الكلاسيكيات الدرامية، فإن المسرحية الموسيقية «شمغادون!» (Schmigadoon!) جسدت الوجه الآخر للمشهد المسرحي الأمريكي. فقد حصد العرض أربع جوائز توني، بينها أفضل عرض موسيقي، إضافة إلى جائزتي أفضل نص موسيقي وأفضل موسيقى أصلية للمؤلف والملحن سينكو بول (Cinco Paul).
ويكشف هذا النجاح عن عودة قوية للمسرح الموسيقي بوصفه فنًا قادرًا على الجمع بين الترفيه والعمق، وبين السخرية والحنين، وبين الإبهار البصري والذكاء الدرامي. فالعرض لا يستدعي العصر الذهبي لبرودواي باعتباره ماضيًا منتهيًا، بل يحاوره ويعيد إنتاجه بلغة تناسب جمهور اليوم.

الأولاد الضائعون: حين يتحول الخيال الشعبي إلى مسرح رفيع:
ومن أكثر الأعمال إثارة للاهتمام هذا الموسم مسرحية «الأولاد الضائعون: مسرحية موسيقية جديدة» (The Lost Boys: A New Musical)، التي أثبتت أن الثقافة الجماهيرية يمكن أن تتحول إلى مادة فنية راقية إذا وجدت الرؤية المناسبة.
وقد لمع في العرض النجمان علي لويس بورزجوي (Ali Louis Bourzgui)، الفائز بجائزة أفضل ممثل مساعد في عرض موسيقي، وشوشانا بين (Shoshana Bean)، الفائزة بجائزة أفضل ممثلة مساعدة في عرض موسيقي. ويؤكد نجاح العمل أن المسرح التجاري لا يتناقض بالضرورة مع الجودة الفنية، بل يمكن أن يكون جسرًا بين الجمهور الواسع والطموح الإبداعي الحقيقي.

راغتايم… التاريخ يغني للحاضر:
أما المسرحية الموسيقية «راغتايم» (Ragtime) فقد قدمت درسًا مهمًا في كيفية توظيف التاريخ داخل عمل فني معاصر. وقد فازت بجائزة أفضل إعادة إحياء لمسرحية موسيقية، بينما حصد بطلاها جوشوا هنري (Joshua Henry) وكايسي ليفي (Caissie Levy) جائزتي أفضل ممثل وأفضل ممثلة في عرض موسيقي.
وتكمن أهمية هذا العمل في أنه يعيد قراءة بدايات القرن العشرين الأمريكي من أجل فهم أسئلة الحاضر المتعلقة بالهوية والعدالة الاجتماعية والحلم الإنساني. وهنا تتجلى قدرة المسرح على تحويل التاريخ إلى مادة حية تنبض فوق الخشبة.

كاتس… عندما تولد الكلاسيكيات من جديد:
ومن بين أبرز مفاجآت الموسم أيضًا إعادة تقديم «كاتس: حفلة الجيليكل» (Cats: The Jellicle Ball)، حيث نجح المخرجان زايلون ليفينجستون (Zhailon Levingston) وبيل راوخ (Bill Rauch) في تقديم رؤية جديدة تمامًا للعمل الشهير، حصدت ثلاث جوائز توني، منها أفضل إخراج لمسرحية موسيقية وأفضل تصميم رقصات وأفضل تصميم أزياء.
وهنا تبرز إحدى أهم سمات المسرح المعاصر: لم يعد النص وحده مركز التجربة المسرحية، بل أصبحت الصورة والحركة والإضاءة والرقص عناصر مساوية للكلمة في صناعة المعنى.

نجوم السينما يعودون إلى الخشبة:
من الظواهر اللافتة في موسم 2026 الحضور القوي لنجوم السينما والتلفزيون على خشبات المسرح. فقد تألقت مايا رودولف (Maya Rudolph) في عرض «أوه، ماري!» (Oh, Mary!)، بينما سجلت ماريسكا هارجيتاي (Mariska Hargitay) حضورها المسرحي اللافت في «كل شيء رائع» (Every Brilliant Thing).
كما جذب جيريمي جوردان (Jeremy Jordan) اهتمام الجمهور في «في الوقت المناسب» (Just In Time)، وحقق النجم الحائز على الأوسكار أدريان برودي (Adrien Brody) حضورًا استثنائيًا في مسرحية «الخوف من الرقم 13» (The Fear of 13).
أما الحدث الأكثر جذبًا للانتباه فكان عودة توم فيلتون (Tom Felton) إلى شخصية دراكو مالفوي في مسرحية «هاري بوتر والطفل الملعون» (Harry Potter and the Cursed Child)، في تجربة تؤكد أن المسرح لا يزال قادرًا على استثمار شعبية النجوم دون التفريط في جوهره الفني.

أبرز الفائزين في جوائز توني 2026:
أفضل إعادة إحياء لمسرحية: موت بائع متجول (Death of a Salesman).
أفضل ممثلة مساعدة في مسرحية: لوري ميتكالف (Laurie Metcalf).
أفضل مخرج مسرحي: جو مانتيللو (Joe Mantello).
أفضل عرض موسيقي: شمغادون! (Schmigadoon!).
أفضل نص موسيقي وأفضل موسيقى أصلية: سينكو بول (Cinco Paul).
أفضل ممثل مساعد في عرض موسيقي: علي لويس بورزجوي (Ali Louis Bourzgui).
أفضل ممثلة مساعدة في عرض موسيقي: شوشانا بين (Shoshana Bean).
أفضل إعادة إحياء لمسرحية موسيقية: راغتايم (Ragtime).
أفضل ممثل في عرض موسيقي: جوشوا هنري (Joshua Henry).
أفضل ممثلة في عرض موسيقي: كايسي ليفي (Caissie Levy).
أفضل إخراج لمسرحية موسيقية: زايلون ليفينجستون (Zhailon Levingston) وبيل راوخ (Bill Rauch).

المسرح فن جماعي قبل أي شيء:
تكشف تجربة برودواي هذا العام عن حقيقة في غاية الأهمية وهي أن: النجاح المسرحي لا يصنعه النجم وحده، ولا النص وحده، ولا المخرج وحده. إنه ثمرة منظومة كاملة يعمل فيها الكاتب والممثل والمخرج ومصمم الديكور ومصمم الإضاءة ومصمم الرقصات والمؤلف الموسيقي بوصفهم شركاء متساوين في بناء العرض.
ولهذا لم تعد الجوائز الكبرى تُمنح للأسماء اللامعة فقط، بل أصبحت تحتفي بكل عنصر يسهم في تشكيل التجربة المسرحية، من الإضاءة إلى الصوت، ومن الأزياء إلى المشهد البصري.

لماذا نكتب عن برودواي؟
قد يتساءل البعض: ما الذي يدفعنا إلى تخصيص هذا الاهتمام لموسم برودواي أو لجوائز توني؟
وللإجابة على هذا السؤال يمكننا القول أننا لا نكتب عن برودواي بدافع الانبهار، ولا ندعو إلى استنساخ التجربة الأمريكية أو تقليدها. فالمسرح العربي يمتلك تاريخه وأسئلته وخصوصيته الثقافية التي لا تشبه أي تجربة أخرى في العالم.
لكننا نكتب عنها لأنها تمثل مختبرًا حيًا للأفكار الجديدة، ولأنها تكشف الاتجاهات التي يتحرك نحوها المسرح العالمي. إنها فرصة للتأمل في كيفية إدارة المؤسسات المسرحية، وفي طبيعة العلاقة بين الفن والجمهور، وفي الأساليب التي تجعل المسرح قادرًا على البقاء والتجدد وسط عالم يتغير بسرعة مذهلة.
إن الدرس الأهم الذي يقدمه موسم برودواي 2026 للمسرحيين في العالم ليس أن نقلد ما نراه، بل أن نؤمن بما نملكه. فكل هذه العروض الناجحة، على اختلاف أشكالها وأساليبها، تشترك في حقيقة واحدة: أنها انطلقت من احترام الفن، واحترام الجمهور، والإيمان بأن المسرح ما زال قادرًا على الدفاع عن الإنسان، وإثارة الأسئلة، وصناعة الدهشة.
وهذا هو الدرس الذي يستحق أن نعبر به من نيويورك إلى القاهرة، ومن برودواي إلى كل خشبة مسرح عربية تحلم بمستقبل أكثر إشراقًا.


★كاتب وناقد ـ مصر.

مقالات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى