مسرح

بكر صابر: ” متولي وشفيقة”.. الحكاية التي لم يروها الأجداد.

بكر صابر

جميعنا سمعنا بحكاية شفيقة ومتولي تلك الحكاية التي تم تناقلها عبر الأجيال والتي تتناول رموز ثقافية وفنية تعكس قضايا الشرف والطبقية ، والسلطة في الصعيد المصري ، وحكاية شفيقة ومتولي باختصار هي حكاية فتاة من محافظة سوهاج وبالتحديد من مركز جرجا ، وقعت تلك الفتاة تحت إغراء شاب ثري غرر بها ، واضطرت شفيقة تحت وطأة الفقر والظروف بعد أن تركها أخوها متولي وذهب للتجنيد ، أن تعمل في الدعارة في محافظة أسيوط ، ليعود متولي من الجيش ويكتشف انحراف أخته ويبحث عنها ، ثم يقوم بذبحها ليغسل عاره .

حكاية شفيقة ومتولي كانت موضع اهتمام حيث قدمت في عرض مسرحي للكاتب شوقي عبد الحكيم ، كما قدمت الحكاية في صورة فيلم عام 1978م ، بطولة الفنان أحمد زكي والفنانة سعاد حسني ، كما قدمت الحكاية في صورة مسلسل عام 1993م ، بطولة الفنان أحمد ماهر والفنانة معالي زايد ، كما قدمت الحكاية في صورة عرض مسرحي حمل عنوان ” متولي وشفيقة” على مسرح الطليعة عام 2026م ، يمثل العرض المسرحي ” متولي وشفيقة” الذي تم عرضه على مسرح الطليعة إعادة لصياغة حكاية ” شفيقة ومتولي ” من زوايا جديدة ، حيث أن حكاية ” شفيقة ومتولي ” كان يتم تداولها بين الأجيال بشكلها التقليدي ، إذن السؤال الذي يطرح نفسه هنا ما الذي يميز عرض ” متولي وشفيقة” عما سبقه ، أو ما الجديد الذي يقدمه عرض ” متولي وشفيقة” على خشبة مسرح الطليعة ؟

لعل أبرز إضافة قدمها عرض ” متولي وشفيقة” على مسرح الطليعة ، الكشف عن ما تم إخفاؤه داخل هذه الحكاية ، خاصة فيما يتعلق بصورة المرأة التي تحولت في كثير من الأحيان إلى اتهام أو ضحية لأحكام اجتماعية قاسية لا تعرف الرحمة ، فشخصية ” شفيقة” في هذا العرض تأتي كصوت مقاوم للصمت ، يطالب بحقه في أن تروى الحكاية من وجهة نظره ، كما أن عرض ” متولي وشفيقة” ظهر وهو يراهن على مساءلة الموروث وليس تقديسه ، في محاولة للكشف عن العنف الكامل داخل بعض الحكايات التي تم تناقلها عبر الأجيال ، إذن يمثل عرض ” متولي وشفيقة” إعادة لوجهة النظر أو طريقة التفكير تجاه تلك الحكاية الشعبية لفهم أعمق .
إذا تأملنا بعمق إلى عرض متولي وشفيقة ” نجد أن عنوان العرض يحمل إشارة ذكية من المؤلف ” محمد علي إبراهيم” والمخرج ” أمير اليماني” إلى أن الأزمة تكمن في ” متولي ” ( الرجل / المجتمع ) وليس في ” شفيقة” ( الضحية) .
المؤلف ” محمد علي إبراهيم ” كان له دور بارز في صياغة العرض المسرحي” متولي وشفيقة ” بمهارة عالية تمثلت في التحول من الدراما التسجيلية إلى الدراما الذهنية ، فالمؤلف لم يكتف بنقل الحوارات الريفية بل استنطق الصمت .
يتضح أن العرض المسرحي” متولي وشفيقة ” ظهر فيه ما يمكن أن نطلق عليه ” جدلية القاتل والقتيل” ، بمعني أوضح أن شخصية ” متولي ” هنا شخصية مأزومة، ممزقة بين عاطفة الأخوة الفطرية وبين السوط الاجتماعي الذي يمثله الخال أو القرية ، هنا يتحول متولي من جلاد إلى ضحية لمنظومة قيمية متهالكة.
كما أن العرض المسرحي ” متولي وشفيقة” احتوى على تفكيك للشخصيات ، فشفيقة هنا ليست الخاطئة التي تبحث عن غفران ، بل هي الإنسان في مواجهة العدم ، فالعرض هنا يعيد قراءة دوافع هروب شفيقة ، ليس كفعل انحلال بل كفعل احتجاج على واقع لا يرى فيها سوء وعاء للملكية.
شخصيات العرض:
نجد أن شخصيات العرض المسرحي ” متولي وشفيقة” تتحرك على خشبة المسرح ضمن أداء جماعي يفتح المجال لتعدد الأصوات ، حيث يشارك في البطولة محمد فريد ( متولي ) ، الشابة يسرا المنسي ( شفيقة ) ، الطفلة دالا حربي ( شفيقة) ، الصبية : منة اليماني( شفيقة) ، نلحظ هنا تقديم شخصية ” شفيقة” عبر ثلاث ممثلات يمثلن مراحلها العمرية المختلفة ، يؤكد على براءتها وكيف تشكلت مأساتها عبر الزمن.
كما شارك في العرض المسرحي أحمد عودة (دياب) ، اسلام مصطفي ) صالح ابن العم ) ، كما شارك في العرض صلاح السيسي ، أحمد راضي ، عبد الله شوقي ، تقي طارق ، وجوزيف مجدي.
الإخراج:
نلحظ أن المخرج أمير اليماني اعتمد على المسرح الفقير ، بمعني الإعتماد الكلي على جسد الممثل وطاقته لخلق الفراغ ، كما نلحظ أن المخرج أمير اليماني نجح في ضبط إيقاع متصاعد للعرض بحيث يبدأ بهدوء يسبق العاصفة ، وينتهي بلحظة التنوير التي يكتشف فيها المشاهد أن القتل لم يكن حلا بل كان تكريساً للمأساة .
السينوغرافيا:
١ـ الديكور :
لم يعتمد العرض المسرحي على بناء بيوت صعيدي كاملة بل استخدم كتلا خشبية ومعدنية صماء ، هذه الكتل كانت تتحرك لتصبح تارة (سجن الصخر ) الذي يعمل فيه متولي في السخرة ، وتارة أخرى( جدران) تضيق على شفيقة في رحلة هروبها .
٢- الإضاءة:
الإضاءة المسلطة من الأعلى كانت تشعرنا بأن الشخصيات تحت مجهر المحاكمة الإلهية والمجتمعية ، كما نلحظ أن الألوان التربية والرمادية كان لها حضور كبير مع ومضات اللون الأحمر ) القاني) الذي لم يرمز فقط للدم ، بل رمزاً أيضاً الشهوة ، للثورة ، وللحياة التي ترفض الموتى .

٣- الأزياء:
كانت ملابس متولي ممزقة ورثة مما يعكس ذل السخرة ، ثم تحولت إلى ملابس أكثر قسوة عند عودته إلى القرية ، لتوحي بتحوله إلى أداة تنفيذ للعرف والتقاليد .
كانت ملابس شفيقة عبارة عن ملابس بسيطة كانت تركز إلى البراءة ، ثم تحولت تلك الملابس إلى أثواب أكثر بهرجة لكنها مهلهلة في رحلة غوايتها ، مما عكس ضياع هوايتها وتشتتها بين ما كانت عليه وما أصبحت عليه.
٤- الإكسسوارات:
الحبال والسلاسل : استخدمت بشكل رمزي في الرقصات التعبيرية لتربط بين العمال في السخرة وبين تقييد حرية شفيقة ، لتوحي بأن الجميع مقيدون بمنظومة واحدة.
الخنجر : لم يكن مجرد سلاح ، بل تم التعامل معه كعبء ثقيل يحمله متولي ، في بعض المشاهد كان يبدو وكأنه يفيد حريته ، ليرمز إلى ثقل تقاليد الشرف التي تمنعه من ممارسة إنسانيته.
٥- الصوت :
لم يكتف العرض المسرحي بالموال الحي ، بل استخدمت مؤثرات صوتية كأصوات ضرب فؤوس ، احتكاك معادن تداخلت مع صوت الناي لتخلق صراعاً سمعياً بين الروح الإنسانية (الناي) ، والآلة القمعية ( أصوات السخرة ).
بالنظر إلى عناصر السينوغرافيا نجد أنها تكاملت على خشبة مسرح الطليعة ، لتجسد لنا لحظة درامية فارقة تتمثل في لحظة قتل شفيقة ، تلك اللحظة التي شكلت انفجار حتمي انتقل تأثيره إلى المشاهد الذي تأثر به.
الموسيقي:
كان استلهام الموال هو البديل لاستخدام الموسيقي التقليدية بغرض الإيحاء بالوحشة ، فالموسيقي كانت هنا بمثابة منبه للوعي تمنع المشاهد من الاستغراق العاطفي وتدفعه نحو التأمل الفكري .

أداء أبطال العرض :
قدم البطل محمد فريد ( متولي ) دوراً في غاية الروعة حيث تمكن من تجسيد التردد ، فنظرات عينيه كانت تشي برغبة في احتضان أخته ، بينما يده تمتد للسكين ، هذا التشظي النفسي هو ما جعل الشخصية ثرية نقدياً.
قدمت البطلة يسرا المنسي ( شفيقة) أداء يبتعد عن الميلودراما الصارخة متبنية أسلوباً يعتمد على النظرة وحركة الجسد المنكسر والمقاومة في آن واحد ، لقد جعلتنا نرى شفيقة الإنسانة لا شفيقة الأسطورة.
دور باقي الممثلين أو المجاميع لم يكن أقل أهمية ، فالمجاميع ( الجوقة) لعبت دور القدر أو عين المجتمع التي لا تنام ، تحركاتهم الدائرية حول شفيقة كانت توحي بالحصار الخانق ، وصمتهم في لحظات معينة كان أقوي من أي صراع .
إيجابيات وسلبيات عرض ” متولي وشفيقة” :
أي عمل مسرحي ناجح لا بد أن نذكر ما يميزه وما فيه من سلبيات حتى لو كانت بسيطة ، تكمن الإيجابيات في عرض ” متولي وشفيقة” في الرؤية الإخراجية التي صاغها المخرج ” أمير اليماني ” للنص الشعبي ، حيث تمت إعادة قراءة للنص برؤية نقدية حديثة ، تصدفت هذه الرؤية الإخراجية مع تناغم مذهل سمعي وبصري ساهم في ظهور عرض ” متولي وشفيقة” بهذا المظهر الرائع ، من إيجابيات عرض ” متولي وشفيقة” القدرة على جذب جيل الشباب لمشاهدة عمل تراثي دون الشعور بالملل.
بالنظر إلى السلبيات ربما يعاب وجود بعض المشاهد في النصف الثاني من العرض فيها بعض الإطالة في المونولوجات الفلسفية التي أدت إلى تباطؤ الإيقاع الدرامي قليلا ، كما أن بعض الرموز البصرية في الديكور كانت مشفرة بعمق قد يصعب على المشاهد العادي استيعابها دون معرفة مسبقة بالمدارس التجريبية.

الأثر على الجمهور:
لقد تجاوز العرض المسرحي ” متولي وشفيقة” التوقعات بتحقيق نجاح كبير رغم قلة الإمكانيات المتاحة ، حيث استطاع جميع القائمين على عرض ” متولي وشفيقة” من التكاتف ليظهر العرض بهذه الصورة المشرفة ، فمسرح الطليعة كان مكتمل العدد عند عرض ” متولي وشفيقة ” ، ذلك العرض الذي يأتي في ثوب جديد يتناسب مع الرؤية العصرية التي تهتم بإعمال العقل في جميع القضايا ويسلط الضوء على المشكلات لكي يتم حلها، فالعرض هنا لا يقدم كحكاية تراثية معادة بل يقدم كجدار من الأسئلة ، تجعل المتفرج يقف أمام مرآة اجتماعية مضطربة يحاول الوصول إلى إجابات لتلك الأسئلة التي تظل تطارده.

الخاتمة:
إن عرض ” متولي وشفيقة ” هو صرخة في وجه كل من يحاول تنميط الضحية ، الحكاية التي لم يروها الأجداد هي حكاية الحق في الاختيار ، والمسرح هنا لم يأت ليقدم إجابات ، بل ليطرح أسئلة موجعة حول موروثاتنا ، لقد نجح عرض ” متولي وشفيقة” في أن يكون مرآة تعكس قبح الواقع عبر جمالية الفن ، إن المشاهد لعرض ” متولي وشفيقة” سيخرج وفي رأسه الكثير من الأمور التي سيحدث بها نفسه ، وهي إن شفيقة لم تمت بالخنجر في هذا العرض ، بل ماتت لأنه لم يقدم لها يد العون والمساعدة حين كانت تقاوم ، ومتولي لم يقتل لأنه شرير، بل لأنه كان يحاول ترميم ذاته المحطمة بفعل السخرة ، عرض ” متولي وشفيقة” يدين الجميع ويطالب بالتوقف عن الصمت والتفرج والجريمة تحدث ، عرض ” متولي وشفيقة ” يطالب الجميع برفض الخضوع بكافة أشكاله.


★باحث مسرحي ـ مصر.

مقالات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى