د.هند حلمي:تفكك الدراما وصعود اللايقين.. قراءة في المسرح المعاصر.


د.هند محسن حلمي★
تمهيد: من الطمأنينة إلى الارتباك:
لم يعد المسرح المعاصر مجرد فضاء لتقديم حكايات مترابطة أو سرديات مطمئنة تنتهي بحلول واضحة أو انسجام بين الشخصيات، بل أصبح مرآةً لاضطرابات العصر، وتجربة مباشرة للقلق والارتباك. فبينما كان المسرح الكلاسيكي يسعى إلى تأسيس نظام درامي متماسك—بداية واضحة، صراع مركزي، ذروة متقنة، ونهاية مقفلة—أضحى اليوم يقدّم بنى مفتوحة، متشظّية، تُربك المتلقي بدل أن ترشده، وتضع السؤال دائمًا في موقع الإجابة، وتفتح الباب لتأويلات متعددة تتجاوز حدود النص.
هذا التحوّل الفني ليس مجرّد خيار جمالي أو تجربة شكلية، بل هو انعكاس حقيقي لأزمة الإنسان المعاصر، الذي يواجه تفكك المعنى، وانهيار السرديات الكبرى التي كانت تشكّل مراجع للمعرفة والهوية، ويعيش حالة مستمرة من انعدام اليقين على المستويات الوجودية والسياسية والاجتماعية. المسرح بهذا الشكل الجديد يصبح مساحة اختبار للوجود نفسه؛ مكانًا يتجاوز حدود الدهشة التقليدية إلى استدعاء العدمية، وطرح الأسئلة المصيرية عن الذات والعالم، ومواجهة المتلقي مع فوضى الحياة التي لا تتقنها الروايات القديمة.
علاوة على ذلك، يعكس هذا التوجه ميلًا إلى إدراك أن الإنسان الحديث لم يعد بحاجة إلى الطمأنينة الوهمية التي توفرها النهايات المغلقة، بل يحتاج إلى مساحة يختبر فيها صراعه الداخلي، ويواجه فيها تناقضاته، ويُجبر على إعادة النظر في معايير الواقع والجمال. المسرح المعاصر إذن، لم يعد مجرد نافذة على الحياة، بل صار انعكاسًا صادقًا لحالة الإنسان في زمن الانكسار، زمن الارتباك الذي يكسر اليقينيات ويكشف هشاشة كل الأُطر التقليدية للمعنى.
أولاً: مفهوم تفكّك الدراما:
-1تعريف الدراما الكلاسيكية:
ارتبطت الدراما منذ العصور الكلاسيكية بفكرة بناء متماسك ومرتب، يتيح للمتلقي تجربة منسجمة ومكثفة، حيث يتم توجيه الانتباه نحو صراع مركزي وواضح. وقد أبرز أرسطو هذه الرؤية في “فن الشعر” (Poetics)، إذ ركّز على عناصر محددة تضمن وحدة العمل الفني:
وحدة الفعل: (Unity of Action) يجب أن تدور الأحداث حول صراع رئيسي واحد، مع تجنب السرديات الفرعية التي تشتت الانتباه.
تصاعد الصراع: (Climactic Tension) تتصاعد الأحداث بشكل منطقي ومنظم حتى تصل إلى الذروة، ما يخلق شعورًا بالإثارة والاهتمام الدائم.
سببية الأحداث: (Causality) كل حدث يجب أن يكون نتيجة مباشرة للحدث الذي سبقه، ما يعزز من ترابط النص ويجعل مساره منطقيًا ومفهومًا.
النهاية الحاسمة والتطهير: – Catharsis تختم الدراما الكلاسيكية غالبًا بنهاية مغلقة، تمنح المتلقي شعورًا بالاكتمال النفسي، وتحقق تطهيرًا للمشاعر (Catharsis)، وفقًا لأرسطو، سواء عبر الشفقة أو الخوف.
هذا النموذج الهيكلي ظل مسيطرًا على المسرح الأوروبي حتى القرن التاسع عشر، حيث شكل أساس المسرح الكلاسيكي والتراجيدي، مع عدد من التطويرات في التمثيل والحبكة في القرون اللاحقة (Brockett & Hildy, 2007).
-2تفكك الدراما: تعريف إجرائي:
تفكك الدراما يشير إلى انهيار البنية الأرسطية المغلقة، وغياب الحبكة السببية التقليدية، وتحوّل الشخصية من كيان نفسي متماسك إلى كائن متشتت أو مجزأ، مع غياب النهاية الحاسمة التي تمنح المعنى. كما يمكن ملاحظة هذه الخصائص في المسرح المعاصر الذي يميل إلى المفتوحية وعدم اليقين، ويعرض صراعات لا تحل بالضرورة، أو شخصيات تتصارع مع نفسها ومع بيئتها دون الوصول إلى مصطلح نهائي.
ووفقًا لهانس-تيز ليمان (Hans-Thies Lehmann, 2006)، فإن المسرح المعاصر تجاوز مفهوم “الدراما” التقليدية، ودخل مرحلة ما يُسمّى بـ المسرح ما بعد الدرامي (Post-Drama Theatre)، حيث:
النص لم يعد محور العرض: بل يصبح أحد عناصر الشبكة الأدائية، متساويًا مع الأداء الحركي، الصوت، والإضاءة.
تفكك الشخصيات :تتحول الشخصيات إلى كيانات متعددة الطبقات، مهتزة، أو حتى متناقضة، ما يعكس تجربة الإنسان المعاصر في مواجهة الاضطراب وفقدان اليقين.
غياب النهاية الحاسمة: تُترك الأحداث والأسئلة مفتوحة أمام المتلقي، مما يخلق حالة من التفاعل الذهني والنفسي المستمر مع النص.
لذا يشير ليمان إلى أن هذا النوع من المسرح يعكس أزمة الإنسان المعاصر، حيث تصبح التجربة المسرحية مرآة للفوضى الداخلية وللانكسار الوجودي، وليس مجرد إعادة تمثيل للعالم الواقعي أو سرد لحكاية مكتملة. هذه التحولات تنعكس أيضًا في أعمال بيتر هاندكه، هيكتور كافال، وريبرتو سيريتي، الذين سعوا إلى تقديم أعمال تتحدى التنظيم السردي التقليدي وتدفع المتلقي إلى مواجهة الأسئلة أكثر من تقديم الإجابات.
لذلك لم يعد المسرح المعاصر مجرد فضاء للحكاية المترابطة أو السرد التقليدي، بل أصبح مرآة للاضطرابات الوجودية والفكرية للإنسان الحديث. فقد كان تعريف الدراما الكلاسيكية، منذ أرسطو في فن الشعر، يقوم على وحدة الفعل، وتصاعد الصراع، والسببية الواضحة للأحداث، والنهاية الحاسمة التي تحقق التطهير العاطفي (Catharsis)، وهو النموذج الذي هيمن على المسرح الأوروبي حتى القرن التاسع عشر (Brockett & Hildy, 2007). أما تفكك الدراما فيشير إلى انهيار هذه البنية المغلقة، وغياب الحبكة السببية، وتحول الشخصية من كيان متماسك إلى كائن مهتز أو مجزأ، مع نهاية مفتوحة أو غائبة، وهو ما أشار إليه هانس-تيز ليمان حين صاغ مفهوم المسرح ما بعد الدرامي، حيث لم يعد النص مركز العرض، بل عنصرًا من شبكة أدائية مفتوحة تتفاعل فيها الصورة والجسد والصوت لإنتاج المعنى (Lehmann, 2006).
وربما اللايقين في هذا السياق ليس غياب المعنى، بل غياب المعنى النهائي، وهو سمة فلسفية مرتبطة بالحداثة المتأخرة وما بعدها، حيث صار العالم أقل قابلية للفهم عبر منظومة واحدة، وانكشفت هشاشة السرديات الكبرى التي كانت توفر للإنسان شعورًا بالطمأنينة (Lyotard, 1984). ويتجلى هذا اللايقين في المسرح عبر نهايات مفتوحة، شخصيات بلا تاريخ واضح، زمن دائري أو مفكك، حوار متقطع أو صامت، وكسر الإيهام المسرحي التقليدي، بحيث يتحول المتلقي من مستهلك سلبي إلى مشارك نشط في عملية التأويل (Esslin, 1961).
لهذا تتجسد هذه التحولات النظرية عمليًا في مجموعة من التيارات المسرحية. فقد مهّد مسرح العبث، على يد صمويل بيكيت ويوجين يونسكو، لتفكك الدراما من خلال العبث بالزمن، والحوار الدائري، والانقطاع عن المنطق السببي، حيث تصبح أفعال الشخصيات بلا نتيجة محددة، كما في في انتظار غودو، ليصبح الانتظار نفسه رمزًا لللايقين المستحيل (Esslin, 1961). من ناحية أخرى، أثّر الفكر التفكيكي لجاك دريدا في المسرح المعاصر، من خلال تقويض الثنائيات التقليدية مثل بداية/نهاية أو بطل/ثانوي، وزعزعة مركز المعنى وفتح النص على قراءات لا نهائية، مما أتاح للعرض المسرحي تجاوز اليقينيات التقليدية (Derrida, 1978).
كما تظهر تطبيقات هذه التحولات في تفكك الحبكة، حيث تتجاور مشاهد ومقاطع وحالات دون رابط سببي واضح، وفي تلاشي الشخصية التي لم تعد كيانًا له تاريخ وأهداف محددة، بل تتحول إلى صوت وجسد وحالة نفسية تعبّر عن القلق والاضطراب الداخلي للإنسان المعاصر. الجسد أصبح نصًا قائمًا بذاته، ينقل الانكسار واللايقين عبر الحركة والتكرار والتشويه المتعمد، وكذلك الصمت والإيماءة والتفاعل مع الفضاء والضوء والصوت (Lehmann, 2006).
وفي هذا الإطار، لم يعد المتلقي شاهدًا سلبيًا، بل شريكًا في إنتاج المعنى، إذ لا يقدم العرض إجابات جاهزة، بل يستفز، يربك، ويترك فجوات تأويلية، محوّلًا المسرح إلى تجربة فكرية ونفسية عميقة، تعكس هشاشة الواقع وتفكك السرديات الكبرى، وتعيد إنتاج تجربة الإنسان المعاصر في زمن اللايقين والانكسار.
خاتمة: المسرح كمساحة سؤال:
إن تفكك الدراما وصعود اللايقين لا يعنيان نهاية المسرح، بل ولادته من جديد بوصفه فنًا يقاوم الطمأنينة الزائفة. المسرح المعاصر لا يعد بالخلاص، لكنه يملك شجاعة الاعتراف بالهشاشة. إنه لا يمنح إجابات، بل يضع الإنسان أمام مرآة قلقه، ويقول له: هذا زمنك… فكيف ستحتمله؟
في هذه المساحة، يصبح العرض المسرحي تجربة وجودية قبل أن يكون مجرد حكاية. كل حركة، كل صمت، كل تشويه للخطاب أو الانكسار في الشخصية هو دعوة للتفكير وإعادة القراءة، لا للمشاهدة السطحية. هنا يكتشف المتلقي أنه ليس مجرد مستهلك للحكاية، بل مشارك في إنتاج المعنى، شريك في البحث عن الحقيقة الملتبسة، المتفرقة، المتحركة.
المسرح المعاصر، بهذا المعنى، يشبه مختبرًا للتجربة الإنسانية: يضع الأسئلة قبل الإجابات، يثير الشكوك قبل الطمأنينة، ويؤكد أن الجمال يكمن في الصراع، لا في الحل النهائي. إنه يعلّمنا أن مواجهة اللايقين ليست ضعفًا، بل فعل شجاع للوعي، واحتضان لحقيقة أن الحياة نفسها مسرح مفتوح، مليء بالفراغات والفرص للتأويل.
وفي النهاية، يظل المسرح هو المكان الذي يمكن فيه للقلق أن يتحوّل إلى إبداع، وللارتباك أن يصبح لغة، وللانكسار أن يفتح آفاقًا لم تكن في الحسبان. هو إذن خشبة الأسئلة الكبرى، حيث يلتقي الإنسان مع ذاته، ومع زمنه، ومع العالم في لحظة صادقة لا تحتمل التظاهر.
★باحثة ـ مصر.




