نواف الربيع: مسرح طفل بلا طفل؛ مسرح الطفل على كف عفريت!

نواف الربيع ★
لم تكن العبارة السابقة استعراضًا بلاغيًا إنما خلاصة مؤلمة لما آلت إليه كثير من عروض مسرح الطفل في الكويت، وهذه نتيجة حتمية إذا ما دارت عقلية المال مسرح الطفل وحاولت امتلاء المقاعد بكل ما استطاعت من طرق تضمن نجاحها الجماهيري المادي دون أي اعتبار للنجاح الفني. وبدلاً من إدارة مسرح الطفل بعقلية المختص، صارت الخشبة تستوعب عروضاً جميلة في ظاهرها إلا أنها لا تُوجَّه للطفل أبداً، وهنا فقط جرح ينزف دون ضماد؛ إلى الأبد.. ليقترن موسم العيد المسرحي في الكويت بموجة من الاستياء والاستذكار القاسيَّين على صنّاع هذا النوع المسرحي، دون سؤال حقيقي: لماذا تحوّل المسرح إلى ما تحوّل؟
قد يكون أخطر ما في تحوّل مسرح الطفل — والمسرح عموماً في الكويت — أنه جاء بهدوء مجزأ، حتى صار الاعتياد عليه نوعاً من جنس مسرح الطفل، كأنها رداءة تكررت حتى تحوّلت لشكل طبيعي لا يثير ريبة ولا غضباً.. أبداً.
تكمن الإشكالية الجوهرية في مسرح الطفل في غياب المتخصص الصانع لهذا النوع المسرحي، بدءاً من كاتب مسرحي مهموم بالطفل ومسرحه وعارف بأنه راوٍ للحكاية التي صنعها بمعايير فئته المستهدفة، حينها قد ينجو مسرح الطفل من كل أشكال المشكلات التي تواجهه.
ربما أنحاز للمؤلف المسرحي أولاً وأحمله مسؤولية مضاعفة، لافتراضي بأن عملية التأليف المسرحي لا تتحقق دون تحديد للجمهور المستهدف، وحين يتعلق الأمر بالأطفال فإن الفئة المستهدفة تتشعب تباعاً ولا تتوقف؛ إذ تنقسم الطفولة إلى أربع مراحل عمرية تبدأ بمرحلة الطفولة المبكرة أو الإيهام، ثم مرحلة الطفولة المتوسطة أو الخيال الحر، ثم الطفولة المتأخرة أو البطولة، وأخيراً مرحلة اليقظة. وفي كل مرحلة من هذه المراحل يختلف الطفل اختلافاً جذرياً عمّا قبله في احتياجه للصراع الدرامي، وفي علاقته بالبطل، وفي قدرته على الإيهام والتصديق؛ وهي أدوات يحتاج إليها المؤلف المسرحي ليصنع نصًا مسرحيًا يحترم فئته العمرية التي يكتب نصه لأجلهم.
ولكن لانعدام المسرح القومي في الكويت الذي يتبنى مسرح الطفل، وقلة الكثافة السكانية، إضافة إلى غياب التصنيف العمري للعروض الفنية نجد صعوبة في ولادة مسرح حقيقي يراعي الفروقات الدقيقة بين المراحل العمرية للطفولة، ليتحوّل الأطفال من احتياجات نفسية وذهنية معقدة إلى كتلة استهلاكية واسعة غير قابلة للتجزئة أو الفهم.
فالمسرح الذي يمنح الحيوانات صوتاً وسط الغابة لم يكن مسرحاً يستخف بقدرات الطفل، والحكاية التي تجعل من الخير والشر طرفَي صراع ليست حكاية اعتيادية بالنسبة للطفل، والنص المسرحي الذي يرتكز على قيمة أخلاقية ما ليس مثالياً، والبطل الوحيد في مسرح الطفل — الذي يتم تغييبه وسحقه في معظم عروضنا المسرحية — ليس ترفاً نصيًا، وليست صفات طارئة ومكررة في مسرح الطفل إنما هي أساسه وجوهر نصه المسرحي الذي يحاول تقدير احتياجات الأطفال العقلية والعمرية والنفسية بشكل متخصص دقيق.. بشكل يحث الطفل على تصديق المسرح وأبطاله؛ وربما هذا ما جعلنا نحب مسرحية “روبن هود” لخالد بن حسين لأنه البطل الذي نطمح أن نكونه، ونحب “ليلى” لهدى حسين لأن خوفها يشبه خوفنا، ونحب علاء الدين لداوود حسين لأنه صورة المروءة والأخلاق المثالية التي ينبغي علينا التحلي بها لننجو من الشر وصناعه، ونحب مسرحية “نعنوعه” لمؤلفها علاء جابر لأنها حكاية أصدقاء تختبرهم لتمنحهم الصدق.. ومثلما كان طفل الأمس صار طفل اليوم.. طفلٌ يدخل المسرح بحثاً عن بطل يشبه هشاشته، يشبه مشاعره وخوفه ورغبته في الانتصار، لكي يخرج من العرض المسرحي متماهياً بين متعة وسؤال وقيمة مغروسة.
وبكل أسف وحرقة، لا تُبنى معظم النصوص المسرحية الراهنة على سؤال تربوي أو جمالي متخصص مكترث بالطفل، ولكنها تندفع نحو حكايات مسرحية تحتمل عشرات النجوم والفنانين، وتختار حكايات قابلة لصناعة إبهار فني تستمتع به كافة الفئات العمرية؛ حكايات مسرحية “بمقاس العائلة” بهجةً واستعراضاً. ليغدو النص المسرحي فكرةً مقدَّمة سلفاً للمنتج المسرحي، فكرة جذابة تحقق له صناعة “العرض الفني” الخالد في ذاكرة كل الجمهور، كما يصنع حالة رقص لا واعٍ يسكن في جسد الطفل والأم والأب والمراهق؛ لأنه عرض للكل -Free size – حينها يصير الطفل طارئاً في عرض فني ما كُتب له مثلما تم تسويقه، عروض تهتم بالضوء والحركة على حساب الحكاية، أمام مخيلة طفل صغير كل ما يحتاج إليه معنى محددًا واضحًا.
يظن البعض بأن الحديث عن أزمة مسرح الطفل شأن فني خالص، متجاهلاً حقيقة كونها أزمة ثقافية عميقة؛ وذلك لاعتبار مسرح الطفل وكافة الفنون المتعلقة بالطفل احتياجاً ضرورياً. فمثلما حرصت الجدات على حكاياتهن وافتتحن السرد الشفاهي بـ”زور ابن الزروز”، ومثلما اهتم الآباء والأمهات بمسرح الظل والعرائس في أزمنة سابقة لم تكن الخشبة المسرحية موجودة، علينا الاهتمام بمسرح الطفل والتعامل معه باعتباره مشروعاً أخلاقياً تربوياً سامياً لا فرصة لكسب الأرباح. لأن مسرح الطفل قادر على تشكيل مخيلة الإنسان ووعيه الأول، ولعل أي تسطيح أو إفساد – غير مقصود – لمسرح الطفل هو إفساد للطفولة وإفساد لعلاقته الأولى بالمعنى والفن.
غاب المتخصص الواعي عن مسرح الطفل، وكان المنتج المسرحي حريصاً على أرباحه أكثر من الطفل؛ لنجد أنفسنا وأطفالنا محاطين بعروض تدّعي المسرحة وتملأ أوقات الأطفال في الإجازات بدلاً من مشاريع ترفيهية مغلقة، وعروض فنية يؤدي بطولتها ألف فنان دون أن يكون لأيّ منهم معنى في الحكاية.
لنعرف أنه زمن اللا مسرح، واللا طفل.. معاً.
★ناقد ـ الكويت .




