تشكيل

د.وصال العش: الجمال بوصفه مفهومًا وتحولاته الدلالية في فنون الصورة لدى أحمد جمال عيد.

 

د.وصال العش

التقديم
لم تعد جماليّات الصورة الفنية مجالًا للوصف أو التذوّق فقط، وإنما حقلًا فلسفيًا تُختبر فيه حدود المفهوم وتُقاس فيه تحوّلاته الدلالية. ضمن هذا الأفق، تبرز فنون الصورة المعاصرة بوصفها ممارسة تتجاوز التمثيل المرئي، لتغدو فضاءً لإنتاج المعنى، ولمساءلة العلاقة بين الحسّي والتقني، بين اليومي والرمزي وبين الفردي والجماعي. فالصورة لم تعد مجرّد انعكاس للواقع، وإنما صارت بنية دلالية مركّبة، تنطوي على أبعاد تاريخية وثقافية وأنثروبولوجية وتستدعي مقاربة تحليلية دقيقة، تُنصت إلى تفاصيل التجربة الفنية وتفكّك آليات اشتغالها الداخلية.


بهذا، تندرج تجربة الفنان المصري أحمد جمال عيد في هذا السياق الإشكالي، حيث تتقاطع الوسائط الفوتوغرافية والرقمية مع المخيال الأسطوري ويتجاور التوثيقي مع الفنطاسي وتحتل صورة المرأة موقعًا مركزيًا بوصفها حاملاً رمزيًا للتاريخ، والخصوبة، والقداسة والحياة اليومية. غير أنّ هذا التنوّع الوسائطي والرمزي يثير تساؤلات فلسفية حول طبيعة الجمال المتجلّي في هذه الصور: هل يُقدَّم الجمال هنا باعتباره قيمة جمالية خالصة، أم ممارسة دلالية تُعيد تشكيل العلاقة بين الذات والعالم؟ وكيف تتحوّل الصورة من مجرّد وسيط تقني إلى أفق مفهومي ينتج المعنى ويؤسّس لرؤية جمالية مخصوصة؟


من هنا، تتمحور إشكالية هذا المقال حول مساءلة مفهوم الجمال وتحولاته الدلالية في فنون الصورة لدى أحمد جمال عيد، من خلال تحليل الكيفية التي يُعاد بها بناء الجمال داخل الصورة، عبر تداخل الحسّي بالتصوّري والتقني بالرمزي والذاتي بالجماعي.
يرى باومغارتن في تعريفه للجمال وجماليات الصّورة الفنيّة: «إنّ الجماليات كعلم مازالت جديدة»، لذلك، يتمتّع التّفكير الجمالي بقواعد فنيّة ضروريّة. لقد جمع باومغارتن جميع هذه القواعد تحت صياغة علميّة محكمة التّنظيم وأطلق على هذا العلم اسم «نظريّة العلوم الجميلة»، لكنّ هذه العلوم الجميلة كما يؤسّس لذلك باومغارتن ليست لها أيّة علاقة بما هو علمي، فالألمان يستعملون عبارة: «فنّ التّفكير بجمال» أيضًا. إنّ استعمالنا اليوم لهذه العبارة الألمانيّة: «فنّ التّفكير بجمال»، يحمل قيمًا جماليّة ترتبط بفلسفة أرباب الفنون وبميتافيزيقا الجمال وسيميولوجيا الصّورة.

من أجل ذلك، يُطرح الجمال، في تاريخ الفكر الفلسفي، لا بوصفه قيمة ثابتة أو خاصية لصيقة بالأشكال، وإنما بوصفه مفهومًا إشكاليًا يتشكّل داخل أنماط الإدراك الحسّي ويتحوّل تبعًا لتحوّل شروط التمثيل ووسائط التعبير. فمنذ أن أقرّ باومغارتن حداثة علم الجمال، أصبح التفكير في الجمال تفكيرًا في طرائق الإحساس وفي كيفية انتظام المعنى داخل الصورة وفي العلاقة المعقّدة التي تنسجها الذات مع العالم عبر الحسّ والتخييل.

انطلاقًا من ذلك، تثير فكرة جمال الصّورة الفنيّة لدى الفنّان أحمد جمال عيد في مدوّنة معارضه التي أقيمت سابقًا في الجزائر والأقصر والقاهرة وفي المغرب العربي… صعوبات جمّة تضع القارئ المتبصّر من جهة أولى، أمام بناء تصوّري وتمثّلي وفنّي وجمالي وتاريخي وأركيولوجي لصورة الحياة اليوميّة المصريّة. يعتمد الفنّان وسائط متعدّدة نذكر أهمّها: الصّور الفوتوغرافيّة، من الوسيط الرّقمي إلى المحيط المطبوع ومجال الديجيتال آرت… ومن جهة ثانية، يكاد بهذا التعدّد الوسائطي الرّقمي ينحصر في العلوم التقنيّة الصّارمة أو العلوم الرّقميّة البالغة التّعقيد، رغم حضور الذّات الإنسانيّة في أعماله، لا سيما تواجد صورة المرأة المكثّف في ممارسته الفنيّة.

في هذا السياق، يجد القارئ لجماليّة هذه الصّور المختلفة، أمام مسائل متنوّعة لأنشطة ثريّة ترتبط بالحياة اليوميّة في حلّها وترحالها. تتراوح صوره الفنيّة بين الفنّي والتأريخي عن طريق عمليّة توثيقيّة فوتوغرافيّة لأهمّ الأحداث العاديّة المصوّرة والمرتبطة خاصّة بعلاقة المرأة مع محيطها القريب والبعيد. لقد كانت صورة المرأة المصريّة الشّريك الفاعل لممارسات الفنّان التّشكيليّة وهي التي تجلب الخصوبة وتشيّد تاريخيّا عراقة أمّ الدّنيا.  فالفنّ حسب الفنّان جمال عيد هو الّذي يقدّم لنا عطاء لا محدود من حبّ الأمومة الخصب وهو الذي يكشف لنا عن التمثّلات المقدّسة لصورة المرأة المصريّة قديمًا. لذلك ارتبطت صور الفنّان بتمجيد رفيع لهذه الذّات الإنسانيّة الرّائدة، والذي ينطلق أساسًا من خيال جمال الإدراك الحسّي.
معنى ذلك، أنّ الفنّان يحاول تصوّر وتمثّل معبودات من النّساء فيتوّج رسوماته بالقيمة المقدّسة الذي أنتجها المخيال العربي والأسطوري للمرأة الفرعونيّة. أنتج الفنّان صور لتمثّلاته الفنيّة بروح فنطاسيّة وتغنّى بريشته ألوان الحياة السندسيّة وعزف بآلته الفوتوغرافيّة ميتافيزيقا الوجود مع آلهات الحكمة والفنّ الوفاء والإخلاص والحبّ… لم تكن هذه التمثّلات الفنطاسيّة مجرّد صدفة ولكنّها انبثقت من روح الفنّان الإبداعيّة التي تسعى إلى الاهتمام بتطوير مباحثه الجماليّة وتصوّراته الفنيّة والوقوف على مشاكل تقوّمها والسّعي إلى إخراجها بتقنيّات تكنولوجيّة متطوّرة.
فإذا اعترف الفنّان للمرأة مشاركتها في الحياة العامّة وإذا كانت المرأة هي التي تعتلي عرش أعمال الفنّان المصري أحمد جمال عيد، فإنّ هذه المواقف الفنيّة تنجلّي من خلالها، الوظيفة المرموقة التي كانت تعتليها المرأة المصريّة قديما، فهي الأمّ والملكة والآلهة والجمال … لم يقف الفنّان ثابتًا عند هذه الحقائق المقدّسة تاريخيًّا، بل إنّ حقل اشتغاله الفنّي لم يفارق حقل تمثّله الثّقافي والاجتماعي والسّياسي.

لقد حاول الفنّان تأسيس فلسفة خاصّة لتمثّلاته الفنيّة، فاهتمّ بالشّأن اليومي والعقائدي والأسطوري والتراثي… في حياة الإنسان وصوّر سفينة الحياة اليوميّة وحضر المسجد بشموخه وتمثّل الدّيار القديمة ببساطتها ونحت العادات والتقاليد والموروث الثقافي المادي واللاّمادي على جسد المرأة من حليّ وزينة ولباس… لقد وعى الفنّان بقيمة هذا التراث فجسّد تمثّله من خلال الصّورة اليوميّة للحياة. لذلك تكمن فعاليّة هذا الوعي في الاعتناء بالدّمج النّبيه بين البعد التّقني والبعد النّفسي لشخصيّاته الفنيّة، وهي الطّريقة الفنيّة في الجمال. كما خصّص الفنّان لهذا المعرض الفنّي مبحثًا فنيًّا يهتمّ فيه بتصميم غلاف الكتب والفنّ الحكواتي وفنّ التّصميم… وما أحوجنا اليوم إلى هذا الفعل الفنّي.

لعلّ إحالتنا على الصّور الكاريكاتوريّة في فنّ الحكايات التي يدمجها الفنّان في ممارسته الفنيّة، توضّح لنا المنطلق النّقدي الذي ينتهجه ويبلور لنا تفكيره الفلسفي بصورة بيِّنة. يكشف هذا الجهد الفنّي روح الفنّان الرّاقية ونظرته المتآلفة مع عامّة النّاس والأشياء والأحداث والرّموز. فبمقدور خياله الفنّي أن يتّسع كلّ هذه الحقائق التّاريخيّة في علاقتها باليومي وبمسرح شخصيّاته التي تحملها الكتب المصوّرة… إنّه بالأحرى الوعي بقيمة الحاضر ومدى تآلفه مع الماضي والمستقبل. إنّها «حقائق الطّبيعة». ولعلّ هذه الدّلالات القيمية هي التي تحتمل حقائق الطّبيعة البكر بتجليّاتها المنفتحة، بما أنّ الفنّان يرتبط بـ«منتجات الحضارة والآثار التّقنية والفنون الجميلة والعلم» ووقائع الحضارة الخالدة بثرائها وحقيقة الفعل الفنّي المبدع.
ضم هذا الأفق، لا يمكن للقارئ المتبصّر الذي يهتمّ بممارسات الفنّان المصري أحمد جمال عيد أن يهمل تعدّد وسائطه الفنيّة أو أن يتناسى إحدى الجوانب في أعماله الفنيّة… إنّ جميع تمثّلاته الفنيّة والجماليّة وجميع لوحاته وتمثّلاته الفكريّة في الصّورة، هي التي تكشف للقارئ اللّغز الجميل للفنّ اليوم. ولأنّ الغوص في هذه التمثّلات، يشكّل أحد المداخل الأساسية لمباشرة الفنّ المصري اليوم لدى الشباب اليافع والباحث عن الجمال لا في المفاهيم المجرّدة، ولكن من خلال علاقة مفهوم الجمال بالأنا والآخر والعالم… إنّه المفهوم التّطبيقي والإجرائي للجمال الفنّي وإنّه الواقع المستشكل الذي يطرح اليوم، كإمكانيّة ممارسة فنيّة حرّة وفاعلة.


يُظهر هذا التحليل أنّ الجمال في فنون الصورة لدى الفنان أحمد جمال عيد لا يُختزل في بعده الشكلي أو في قيمته الزخرفية، وإنما يتبدّى بوصفه ممارسة دلالية مركّبة، تتشكّل داخل تفاعل الحسّ بالإدراك والخيال بالتقنية والذات بتاريخها الثقافي والرمزي. فالصورة، في هذه التجربة الفنية، لا تعمل كوسيط بصري محايد، وإنما كفضاء يُنتج المعنى ويُعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان وعالمه وبين الذاكرة والحاضر.

الخاتمة
لقد مكّن تتبّع تحوّلات مفهوم الجمال في هذه الأعمال من الوقوف على انتقاله من مستوى المفهوم النظري المجرّد إلى مستوى الفعل الفنّي الإجرائي، حيث يغدو الجمال تجربة معيشة تُدرك عبر التفاصيل، وتُفهم من خلال تعدّد الوسائط وتُمارَس ضمن انفتاح الصورة على اليومي والأسطوري والمقدّس. وفي هذا السياق، تبرز صورة المرأة لا كعنصر تمثيلي فحسب، وإنما كبنية رمزية مركزية، تحتضن الذاكرة الجماعية وتحمل آثار التاريخ وتكشف عن عمق العلاقة بين الجمال والخصوبة والحياة. ويكشف هذا التداخل عن فهم للجمال باعتباره إمكانًا مفتوحًا، يتحقّق من خلال الاشتغال الواعي على الوسيط وعلى المعنى وعلى الأثر الذي تخلّفه الصورة في المتلقي.
وعليه، يمكن القول إنّ فنون الصورة لدى أحمد جمال عيد تتيح أفقًا فلسفيًا لإعادة التفكير في الجمال المعاصر، لا بوصفه قيمة مكتملة، وإنما كمسار تحوّلي، يشتغل داخل التاريخ والثقافة ويتغذّى من اليومي والأسطوري معًا. إنّها ممارسة فنية تُعيد للجمال بعده الإنساني وتمنحه قدرة على مساءلة الواقع وفتح إمكانات جديدة للتفكير في الذات والآخر والعالم، ضمن أفق جمالي يتّسم بالحيوية والانفتاح والاستمرارية.
بيبلويوغرافيا:
أولًا: المراجع العربية
مرلو-بونتي، موريس. تقريظ الفلسفة. تعريب قزحيا خوري. بيروت–لبنان/باريس–فرنسا: منشورات عويدات، سلسلة «زدني علمًا»، ط. 1، 1983.
ثانيًا: المراجع الأجنبية
Baumgarten, Alexander Gottlieb. Esthétique précédée des Méditations philosophiques sur quelques sujets se rapportant à l’essence du poème et de la Métaphysique (§§ 501–623). Traduction, présentation et notes par J.-Y. Pranchères. Paris : Éditions de l’Herne, 1988.
Husserl, Edmund. Idées directrices pour une phénoménologie et une philosophie phénoménologique pures. Tome 1 : Introduction générale à la phénoménologie pure. Traduction par Paul Ricœur. Paris : Gallimard, 1950.


★أستاذة بجامعة المنستير.

مقالات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى