نواف الربيع: حضور المرأة في مؤلفات حياة الفهد.

نواف الربيع ★
كانت حياة الفهد واحدة من الفنانات القليلات اللاتي خضن تجربة التأليف الدرامي، لتكتب خلال مسيرتها الفنية عددًا من الأعمال التلفزيونية المختلفة في نصها الدرامي، والتي استطاعت خلالها أن تصنع خطًا كتابيًا مميزًا يلتقط من التراث حكاية خاصة غير دارجة، تكون فيها المرأة بطلةً منسية لم تنصفها الدراما التراثية في الكتابة. ولا تكمن أهمية هذه التجربة في ندرتها فحسب، بل في كونها إعادة صياغة التراث من زاوية أنثوية مغايرة؛ فالتراث ليس استدعاء نوستالجيًا، لكنه أرشيف للنساء اللواتي عشنّ في الظل.
هنا فقط تتقاطع كتابات حياة الفهد مع سؤال الناقدة الهندية الأمريكية غاياتري سبيفاك: كيف يمكن للتابع/ الهمش أن يتكلم؟ فمسلسلات الفهد التراثية تسعى أن تمنح المرأة صوتها خشية أن يسلب منها، وفي أحسن الأحوال، أن ينسى. لكن لماذا لم نهتم كثيرًا بتجربة حياة الفهد ككاتبة؟ أعتقد بأن حياة الفهد الفنانة التي عاشت في ذاكرتنا وأسهمت في تكوين وعينا الجمعي كانت أكبر من إلتفاتنا إليها بوصفها كاتبة في الوقت ذاته، إذ صرنا نصفق للفنانة التي تضحكنا، تبكينا وتتنوع في ثنائياتها أكثر من الكاتبة التي ما كانت تعلن عن نفسها. إضافة إلى أن نصوصها لم تكن تطلب ردة فعل مجتمعية، حيث حافظت على خطوط آمنة من كوميديا وتراث وخفة جعلت نصوصها تمر بسلام دون ضجيج يعلو حول ما تكتبه.
سليمان الطيب والدردور: تجارب أولى
بدأت حياة الفهد تأليف المسلسلات التلفزيونية بمسلسل )سليمان الطيب 1993(، وقد اختارت الكوميديا قالبًا لسير العمل وأحداثه، ومن يتأمل النص الدرامي يجد أن (سليمان الطيب) شخصية مهزوزة تديرها سلطة لأمرأتين، حيث يتحرك النص حول محورين نسائيين: أم سليمان البخيلة المتحكمة، التي تُحكم قبضتها على ابنها بذريعة الحب، و” طيبة” الأرملة الذكية التي تُدير لعبتها بهدوء الواثق.
كلتا المرأتين لا تنتظران أن يُقرر الرجل مصيرهما، بل تصنعانه بأيديهما، وكان القالب الكوميدي غطاءً مثاليًا لتحرك أنثوي رشيق، ومثلما كانت “خالتي قماشة” يستكمل “سليمان الطيب” لعبة الكوميديا والفصح عن مشاغبة نسوية مبكرة.
لكن الخط الأكثر تميزًا وإبداعًا لدى الفهد تمثل في كتابة الدراما التراثية بدءًا من مسلسل (الدردور 1999) الذي جعلت فيه التراث فضاءً مفتوحًا لحكايات تراجيدية عائلية منسية عبر الزمن لتجعل من (وضحة) فاتحة تعلن خلالها قصة المرأة التي عانت من ظلم الإخوة والحياة المحيطة بها.. بعيدًا عن حكايات البحر والغوص، بعيدًا عن التجارة، بعيدًا عن الرجل.. وأقرب إلى المرأة، وأكثر التزامًا بموضوعاتها. وفي تلك التجربة محاولة جادة لمناوشة موضوعات الأعمال التراثية التي تمنح الرجل وقصصه متن الحكاية بينما تحضر المرأة في هامش حكايته، وهنا جوهر حياة الكتابي في الأعمال التراثية.

الشريب بزة والحريم: امرأة ونساء من أقصى الكتابة
أما 2003، فكان مسلسل الشريب بزة أحد أهم الأعمال الدرامية التراثية، قدمت خلالها الفهد شخصية (بزة) المرأة التي تأتي من عشة في (العشيش) وتعمل في منزل بوخالد كخادمة منزلية إلا أنها تخطط للزواج به وتنجح خطتها الوصولية.
المميز في شخصية (بزة) أنها لم تكسر السلطة الذكورية لأبو خالد إلا أنها تقفز داخلها، فلا تطالب العدالة إنما السيطرة على بيت بوخالد؛ أي أنها تقدم نموذج لأمرأة انتهازية، وصولية تستخدم حيلتها لسحب السيطرة من الرجل ومنافسته في سلطته. وبوعي الفهد مزجت الفكرة الدرامية الحادة بخفة كوميدية عالية الجرعة ساندها النجوم مثل خالد النفيسي، خالد العبيد، علي المفيدي، منى شداد، أحمد السلمان وآخرين… وعي يمرر رغبة نسوية إشكالية دون ضجيج.
ربما تتوجت قضايا المرأة في دراما الفهد في مسلسل (الحريم 2003)، وهو مسلسل من قصة لحياة الفهد – دون أن يذكر من قام بكتابة السيناريو والحوار- تتناول فيه حكايات متشابكة لثلاث شقيقات، أسهمنّ في تقديم تراجيديا نسائية قاسية، جريئة وحادة.. بلا تخفيف وإلى درجة المبالغة أحيانًا، وربما ما وما يجعل (الحريم) استثناءً – بالنسبة لي- بين ما كتبته حياة الفهد يكمن في تقديمه العنف ضد المرأة كبنية متكررة تطال أغلب نساء العمل لا كحادثة استثنائية قابلة للحل، فاتحًا باب طرح مآسي المرأة على مصراعيه في الدراما الكويتية.. لينتج في صناعة أولى لشخصية الرجل النمطية في الدراما الكويتية.

الفرية: عن مكان يخون معناه
في “الفرية” (2006)، تكشف حياة الفهد عن ذاكرة المكان، حيث تزيح عن الفرية — وهي الباب المفتوح بين البيتين الملاصقين — كل ما أثقله من حب وثقة وألفة معتادة، ليتحول فجأة إلى مساحة صراع يتبناها المجتمع؛ مساحة لانقلاب الرمزية المكانية الآمنة إلى خيانة وغدر. هنا تُعيد الفهد المؤلفة إنتاج الصورة النمطية عن الماضي وعلاقاته الاجتماعية، فلم يكن زمن الطيبين طيباً، إنما اتسعت بيوته لحكايات خيانة وألم منسي. فالصراع بين “أم مبارك” و” حصة” لم يكن صراعاً اجتماعياً عابراً، بقدر كونه صراعاً مرعباً في فكرته: إذ تربّت “حصة” في بيت أم وأبو مبارك معاً، عبرت الفرية يومياً كأنها من أهله، وأعطتها “أم مبارك” من عمرها ما تُعطيه الأم لابنتها. ومع ذلك تحقق الزواج، ولم تسأل المنظومة الاجتماعية عمّا بذلته “أم مبارك”، بل طالبتها بالتسامح والتعالي على مصابها.
هنا يتحول العمل الدرامي من نقد رغبة الفرد — رجل يخون — إلى نقد منظومة مجتمعية أحاطت بـ” أم مبارك” وكرّست الظلم صمتاً، مما زاد حدة الألم الإنساني وعمقه. أما النهاية فهي الأكثر إيلاماً.. حين تحمل “أم مبارك” أبناء زوجها من (حصة) تنفيذًا لوصية زوجها. لا راحة لامرأة عانت وتألمت؛ الدور لا ينتهي حتى حين يرحل من أوجعها؛ وهنا فقط تأتي ذروة النص إذ يوثق حياة امرأة تستمر بعطائها – حبًا وألمًا- حتى بعد استنزافها.
الخراز والأخ صالحة
يأتي مسلسل (الخراز 2007) بموضوع عقوق الوالدين المكرر في الدراما العربية والخليجية، إلا أن وجود غانم الصالح وحياة الفهد يقلب هذه المعادلة. كتبت المؤلفة مسلسل الخراز دور أم محمد التي تعاني وزوجها من عقوق الأبناء، إلا أنها كانت الضحية التي لم يرها أحد، أم تعاني بصمت، تساند زوجها وتقويه بصبر متنامٍ.. رغم شقاء بومحمد، ظلت الأم الضحية الأكثر صمتًا والأكثر تماسكًا، لتؤكد صورة الأم الأولى، تتحالف مع زوجها ضد زمن متغير من حولهم.
حين عادت حياة الفهد مندفعة نحو الكوميديا في (الأخ صالحة 2007)، كانت تجرب فكرة سابقة لوقتها بإنتاج لم يكن في مستواها. حيث تروي حكاية “صالحة” امرأة مخذولة من طليقها، تجد نفسها مضطرة لتحمّل مسؤوليات لم تخترها، تحاول بناء نفسها في عالم تجاري يضيق عليها. رغم كوميدية النص إلا أن (صالحة) امرأة تستعير دور الرجل وتحاول سد غيابه في حياتها.. وأمام تواضع الإنتاج وبساطة التنفيذ الفني تراجع الخطاب وتلاشت الفكرة وسط الكوميديا المصورة، واقتصر استذكار تلك التجربة في (ميمز عابر)، مع إغفال ما تضمنه من خطاب دقيق يصف تحولات المرأة وقضاياها في وقت معاصر.
الداية: للهامش سردية أخرى
ومن ضمن الهامش المجتمعي التراثي، تلتقط الكاتبة حياة الفهد الداية لتصبح شخصية مركزية في مسلسلها (الداية 2008) التراثي، وهي شخصية درامية كتبت ببراعة؛ (غالية) امرأة فقيرة، لم ترزق بالأبناء إلا أنها تدخل بيوت الفريج كأنها من أفراد عائلاتهم، تربي الأبناء، تطبخ، تولد.. ورغم ذلك تروي غالية الحكاية الحقيقة التي لا يعرفها الأهل عن أبنائهم، مما يجعل الداية الهامشية تمتلك سردية الولادة، العذاب، والمصير.. وهذا التحول الجذري في شخصية الهامش لم يصنعه سوى قلة في الأعمال التلفزيونية؛ وهنا فقط ينضج تقاطع حياة الفهد بسؤال سبيفاك.. أن تُمنح المرأة المهمشة مركزًا كاملاً للبوح، للتعبير، ولكشف ما هو مسكوت عنه؛ وقد تحقق ذلك منذ لحظة الكتابة الأولى حين اختارت المؤلفة الهامش المجتمعي (الداية) لتصبح مركز العمل الفني ممتا يعني رواية الحدث دون مقاطعة ولا تزييف.
أعمال أخيرة..
تتناول الفهد في مسلسلها (دمعة يتيم 2008) وفاة الأم المتبنية وتأثير ذلك على حياة الابن اليتيم، ليجد بعد وفاة أمه المتبنية انقسامًا في مواقف أهله، فمنهم من يحنو عليه ومنهم من يحاول سرقته وإقصاءه عن العائلة. تركز المؤلفة على ثنائية الظالم وضحيته، وتتمسك بكتابة ميلودرامية بشخصيات كلاسيكية البناء؛ حيث الشر الصريح والخير الواضح والنهاية التي تطول الشخصيات كافة.
في مسلسلها (الجليب 2011) تستكمل الفهد المؤلفة رواية الحكايات العائلة من الماضي، منتزعة تلك النظرة الحالمة إلى التراث لتخبرنا حكاية غدر تدور بين شقيقين تروح ضحيتهما امرأة عشيقة ترتبط بالنصيب الذي لم تريده. ومثلما جريمة القتل في مسلسل (الشريب بزة) يظل الجليب شاهدًا صامتًا على أحداث مؤلمة لا تعصف بالمرأة وحدها إنما بالعلاقات الأسرية كاملة.. كأن التراث المادي فضاء لاحتمالين أولهما الارتباط المكاني وثانيهما تراكم الأخطاء والذكريات التي نعجز عن مواجهتها وإصلاحها بعد مرور الوقت.
أما في في آخر مؤلفاتها الدرامية (بياعة النخي 2016) تتمسك حياة الفهد بخطها التراثي، الذي ينحاز لقصة الهامش مجددًا، إذ تكتب عن ماضي امرأة تنتهي بها ظروفها وعالمها الاجتماعي إلى بائعة للنخي.. إلا أن شخصية بائعة النخي كانت شريكة في صناعة هامشيتها، فهي تحولت من امرأة ميسورة الحال تخلت عن زوجها وأبنائها في جزيرة فيلكا لتعود إلى حبيبها القديم، لتسدد ثمن اختيارها طوال حياتها على قارعة الطريق.
عن نساء حياة الفهد.. كتابة للمرأة
هكذا حضرت نساء حياة الفهد في نصوصها التلفزيونية، نساء ممهورات بالكوميديا، بالوجع والألم.. بالخطأ والصواب، ومن “الفرية” كانت تنظر إليهن بحنوّ وطمأنينة لتؤكد وجودها بجانبهن، بجانب كل النساء التي تعرفهن واللاتي لم تتعرف عليهن بعد. كتابة حياة الفهد كتابة للنساء.. بلا شعارات، تعيد توزيع أدوارها داخل الحكاية لتصبح المرأة مرة أمًا، وأختًا، وابنة.. تصبح ندًا، وذاكرة ومؤسسة اجتماعية… رغم تعدد الأدوار لم تعد المرأة هامشًا في الحكاية التلفزيونية هامشًا، بل مركزًا للسرد، تكتبهنّ، تدوّنهنّ.. لتجيب على سؤال سبيفاك القديم عبر نساء أم سوزان اللاتي يخرجن في شاشات التلفاز من لحم ودم ليخبرونا حكاياتهن المنسية كما لم يخبرنا بها أحد.
★ناقد ـ الكويت




