إذاعة وتليفزيون

عادل العوفي: لغز “الزير سالم ” الصامد لأكثرَ من 26 عاماً.

عادل العوفي

_ أعتذر منك ..الآن سأغادر؛ لأنه حان وقت متابعة مسلسل “الزير سالم ” مع الأهل
_ حسب علمي أنهم أعادوا إنتاج سيرته في عمل مسرحي جديد، وليس في مسلسل تلفزيوني
_ نحن نعكف على مشاهدة المسلسل القديم؛ كأنه يُعرَض لأول مرة..
هذا حوار حقيقي جمعني بإحدى الزميلات، التي تحمل الجنسية العراقية، وفاجأتني بكونهم يعيدون متابعة مسلسل “الزير سالم ” كل مساء ؛ والمُلفِت أنهم يتفاعلون مع أحداثه باهتمام وحماس شديدَيْن؛ كأنه يُعرَض للمرة الأولى .
غزت هذه الكلمات مُخَيِّلَتي، وأنا أُتابع بعض مسلسلات دراما رمضان، الذي ودّعناه؛ حيث رغم معارك “الترند ” التي تحتَلُّ الفضاء والهواء بين صُنّاعها إلّا أنها سُرعان ما تندثر من المُخَيِّلة والذاكرة، بمجرد إطلاق مدفع العيد، ولا يبقى لها أثر أُسوة بأكلات الشهر الفضيل، التي تتبوأ صدارة الموائد في كل بيت عربي ؛ لماذا إذن يتذكر الناس، ويحفظون عن ظهر قلب، حواراتِ ومشاهدَ مسلسل مثل “الزير سالم ” أُعيد عرضه لأول مرة قبل 26 عاماً بالتمام والكمال ؟ ولماذا أعمالنا الحديثة تفتقد لهذه الميزة، ولا تتدفق تفاصليها في الشريان كما مسلسلات الماضي، الذي أضحى يُعرَف “بالزمن الجميل ” و “العصر الذهبي ” و حتى “الأيام الخوالي ” رغم أنها صُنِعَت بميزانيات متهالكة، ولعل أبلغ وصف يختصر تلك المرحلة ما صدر ذات يوم على لسان “شيخ الكار ” المخرج السوري الراحل “هشام شربتجي” حين قال مستحضراً أحد أجمل مسلسلاته ونقصد { أيامنا الحلوة } ” لم نكن نملك الأدوات ..ولا الرأسمال ..
ولكننا كنا نملك أياماً حلوة ” ؟
مع العلم أن مسلسلاً مثل “الزير سالم ” الذي تولى الفنان “سلوم حداد” إنتاجه بجانب بطولته عانى في البداية من صعوبات هائلة في التمويل واضطر لخوض مغامرة غير محسوبة العواقب وتَحَمَّلَ دُيوناً مكلفة من أجل أن يرى النص الذي خطَّه الكاتب الراحل “ممدوح عدوان” النور وتمت الاستعانة بمخرج واعد حينها، ولم يسبق له خوض غمار الدراما التاريخية قبل أن يُصبح عَرّابها الأول عربياً في وقت لاحق، ونقصد الراحل “حاتم علي” الذي كانت تجاربه الإخراجية حينها مقتصرة على الجزء الأول من مسلسل “الفصول الأربعة ” و العمل الكوميدي “عائلتي وأنا ” وجزأين من سلسة “مرايا ” الشهيرة مع القدير “ياسر العظمة” تحديداً لسنتي 1998 و 1999 بالإضافة الى مسلسل “سفر ” وسهرات تلفزيونية، مثل “الحصان ” و سباعية تحمل اسم “عودك رنان ” ؛ ما يعني أنه مجرد التفكير في إسناد عمل تاريخي بهذا الحجم لمخرج شاب يُعَدُّ بمثابة قرار شجاع في تلك الحقبة .
إغراء السيرة الشعبية :
قد يتبادر هذا العامل للذهن بمجرد النبش في أسباب نجاح مسلسل “الزير سالم ” بما للقصة إجمالاً من وزن، وحضورها في المُخَيِّلة الشعبية السورية والعربية عن طريق شخصيات “الحكواتي ” في المقاهي وليالي رمضان على سبيل المثال ما يعني أنها رَسَّخَت في الذاكرة مكانة خاصة من المنطقي أن ينجح المسلسل التلفزيوني في استثمارها على النحو الجيد ؛ ولكن هل هذا المعطى لوحده يكفي لفهم حيثيات النجاح الباهر، الذي حصده العمل ؟
من الإجحاف تجاهُل تواجد كاتب بحجم “ممدوح عدوان” وبصمته المميزة في السيناريو ؛ وباعتراف الراحل “خالد تاجا” الذي أفصح عن انبهاره بالقصة فور قراءتها وأيضاً خوفه وحرصه الشديد على شخصيته الأيقونية “الحارث بن عبّاد ” لذلك كان مُستعداً لتجسيدها دون مقابل مادي، فقط لأنه أُغرِم بها وبطريقة صياغتها الفذَّة ؛لنصل للصورة البصرية، التي شكَّلت نقلة نوعية في عالم الدراما التاريخية حينها بعدسة “حاتم علي” واختيار الأماكن بشكل جذّاب ، و الموسيقى التصويرية الآسِرة للمبدع “طاهر ماملي” وصولاً للعلامة الفارقة في اختيار الممثلين من اللبناني “رفيق علي أحمد” في شخصية “كليب ..وائل بن ربيعة ” و “فرح بسيسو” في دور “الجليلة بنت مُرّة ” و “زهير عبد الكريم” في “هَمّام بن مُرّة ” وأيضاً نقطة التحول الكبيرة في مسار “عابد فهد” حين اختير لتجسيد شخصية “جسّاس بن مُرّة ” دون إغفال منح الممثلين الشباب فرصة البروز والظهور في عمل تاريخي، ما مهّد وفتح الباب لميلاد نجوم تسيّدوا الساحة اليوم، وأولهم بالطبع “تيم حسن”
في أول إطلالة له بدور “الهجرس ..
الجرو بن كليب ” وكذلك برع “مصفى الخاني” للمرة الأولى في دور “جحدر ” الشاب المضطهد الذي كان حلمه الوحيد يقتصر على مناداته باسمه الحقيقي أي “ربيعة ” قبل أن يشهد انقلاباً كلياً، ويعود فارساً مغواراً، اِنتهت حياته بمبارزة “الزير سالم ” .
ومن الشباب الذين منحهم “حاتم علي” الفرصة أيضاً هناك “تاج حيدر” التي تألقت في دور “اليمامة بنت كليب ” في مرحلتها العمرية الأولى قبل أن تُكْمِل “هيما إسماعيل” هي الأخرى المهمة باقتدار دون نسيان “كفاح الخوص” في دور “مُرّة ” ؛ كل هذه العوامل مجتمعة، ساهمت في رؤية مشروع تلفزيوني شبه متكامل ، لا يمكن البتة إنكار الفضل الكبير للمخرج “حاتم علي” فيه، والدليل أنه في العام الذي تلا إنتاج المسلسل، واصل حضوره في الدراما التاريخية بتجارب أخرى حصدت الأخضر واليابس من “صلاح الدين الأيوبي ” وصولاً للثلاثية الأندلسية وباقي المسلسلات الناجحة.
لكن بالعودة لسؤال الزخم الجماهيري للقصة انطلاقاً من الحاضنة الشعبية القوية، التي تتوفر عليها ؛ لابد من الإشارة إلى شخصيات أخرى من السير الشعبية لا تَقِلُّ شعبية عن “الزير سالم ” تحوَّلَت لمسلسلات تلفزيونية، ولم تترك الأثر الذي خلَّفه الأول ؛ وللمفارقة كان وراءها أيضاً “سلوم حداد” على غِرار مسلسلات “أبو زيد الهلالي ” أُنتِج سنة 2004 أي بعد أربع سنوات منه العمل السالف الذكر ؛ وأيضاً عرض مسلسل “عنترة” سنة 2007 ، وكلاهما لشخصيات ذات مكانة مرموقة في التراث الشعبي، لكنها لم تنجح جماهيرياً ؛ وكي نكون أمناء في الطرح، فالكاتب “ممدوح عدوان” هو الآخر كتب سيناريو مسلسل ” المتنبي ” وجسَّد الدور “سلوم حداد” كذلك ومَرَّ العمل مرور الكرام رغم البذخ الإنتاجي والانتظار الشعبي له .
الوجه الآخر للترند :
رغم كل ما سبق من إشادة وتنويه، فطريق المسلسل لم تكن مليئة بالورود كلها حين عرض سنة 2000 ؛ حيث انبرى البعض للبحث والتدقيق في المصادر التاريخية المعتمدة في الكتابة لدرجة التشكيك في نوايا الكاتب وتحميله مسؤولية الافتراء و إقصاء شخصية دون الأخرى ؛ صحيح أننا حينها كنا في عصر ما قبل “الترند ” إلا أنها المقالات النقدية والندوات الموازية وجدت ضالتها المفقودة في حلقات المسلسل ؛ مما حدا بكاتبه للرد ليس على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي كما يحدُث في أيامنا هذه بل بأسلوب حضاري ومهم لإثراء النقاش الصحي حول شخصية تاريخية لها ما لها وعليها ما عليها .
جمع “ممدوح عدوان” أغلب الاتهامات وردود الفعل ليتناولها بالشرح المفصل من خلال كتاب حمل عنوان “الزير سالم ..البطل بين السيرة والتاريخ والبناء الدرامي ” لِيَرُدَّ على وجهة نظره سارداً المراجع التي اعتمدها خلال رحلة الكتابة مُفنِّداً تفضليه لرأي أو شخصية على حسب الأخرى وأيضاً مُوَضِّحاً ما يحتاجه السيناريو والحبكة الدرامية.
قبل الوصول للنتيجة الحالية والصورة البهية للمسلسل في الذاكرة والأذهان كان لابد من استحضار هذه الوقائع من باب الأمانة وأيضاً لضرورة وجود حالة من “النوستالجيا ” و الحنين تجتاح المُخَيِّلَة العربية، وتؤثر على طريقة إصدار الأحكام فيها كما كتب الراحل “محمود درويش” ذات يوم ” فليس الحنين ذكرى بل هو ما ينتقى من متحف الذاكرة ..
الحنين انتقائي كبستاني ماهر، وهو تكرار للذكرى وقد صُفِّيَت من الشوائب ” .
وربما ينطبق هذا الوصف مع علاقتنا بالدراما التلفزيونية أيضاً؛ لكن لا أحد يستطيع نفي الحظوة الكبيرة لهذا المسلسل، وكذلك تفسير سر تعلق الجمهور العربي به وبشخصياته وحتى صراعاته بالاحتفاء به من الأساس ..


★صحفي ـ المغرب.

مقالات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى