إذاعة وتليفزيون

بدر الأستاد:مسلسل (كسرة)… لماذا لا يرضى الإنسان بقدره!؟


بدر الأستاد
حين يصبح الإنسان في أضعف حالاته، يبدأ الصراع النفسي مع الذات، حول مدى إيمان الإنسان بقضاء الله وقدره، وسعيه للوصول لمرحلة الرضا، أو النقيض تماماً؛ تلك هي الفكرة التي يتناولها مسلسل (كسرة)، فيناقش ما إذا كان الإنسان قانعاً بما كتبه الله له، أو أنه سينقلب على مبادئه وقيمه إلى أن يصل للهاوية!؟
يتضح ما سبق منذ البداية، حين يُتَوَفَّى ابن (دنانير) بسبب نسيانها له في السيارة، وحين تحاول تعويض خسارتها بالإنجاب مرة أخرى، تفقد فرصتها بسبب وصولها سن اليأس؛ عندها تُقَرِّرُ ( دنانير ) وزوجها (عارف ) رعاية ثلاثة أبناء يرسم لهم القدر عقبات تحول دون تحقيق أحلامهم التي لن تتحقق إلا بالمال، فيتجه المسلسل لمسار مختلف يناقش من خلاله الأمان الاجتماعي والمادي.
يرغب الأبناء الثلاثة ببيع المنزل، ولكن (عارف) يرفض الأمر، فيُشَكِّلُ ذلك مصدر قلق بالنسبة للأبناء الذين يخشون لحظة وفاة الأب كونهم ليسوا الورثة الشرعيين، وهنا تبدأ هواجس النفس البشرية وترددها ما بين تقبل القدر والرضا به، أو التمرد عليه.

بين النشمي والرومي
حين نتابع العمل نشعر بأن كاتب العمل (محمد النشمي) قد تأثر – إلى حد ما – بالكاتب (حمد الرومي) ليس على صعيد الصراع النفسي فحسب، بل كانت هناك بعض المشاهد تبدو وكأنها مستوحاه من مشاهد سابقة لمسلس( كف ودفوف)، كما في اهتمام المسلسل بشعور الفقد وأثره على العقل الإنساني؛ حيث أشار المؤلف بصورة واضحة في الحلقات الأخيرة، إلى التراكم الذي يعيشه الإنسان في مراحله الأولى، فمثلاً (دنانير) عانت من صدمات عاطفية، واختبرت شعور الفقد في سن المراهقه حين سلبت منها أختها حبها الأول، ابن خالتها (الدكتور شاهين)، هنا أبدع (النشمي) بالتأكيد على انعكاس حياة (دنانير) بعد أن تزوجت (عارف) وقامت برعاية الأبناء؛ حيث كان ربط الصوت بصوت خطواتها في المنزل، مما يبث في قلبها الشعور بالسعادة، وحين يتزوج (عارف) للمرة الثانية، ويلهث الأبناء وراء رغباتهم المادية، مع دخول (دنانير) إلى دار رعاية المسنين، نلاحظ تغيير الخطوات.

تأثر الكاتب (محمد النشمي) بـ (الرومي) يتضح أيضاً بتناوله لمرض الفصام (الشيزوفنيا) بسبب الفقد، وهو ما شاهدناه في مسلسل ( كف ودفوف) حين فقدت (هدى حسين) ابنها وزوجها، ولكن الفرق أن في ( كسرة ) أشار (النشمي) للتشخيص بصورة مباشرة، في حين الشخصيات في مسلسل الرومي تعاني من المرض ذاته دون إشارة مباشرة.
كما أن تأثر (النشمي) واضح عن طريق اقتباس مشاهد وجمل منسوبه إلى شخصيات واقعية معروفة عبر (السناب شات) و(الانستغرام) مما يُسَبِّبُ لَبساً لدى المشاهد، ويجعله يتساءل: هل كان الكاتب يقصد بأن شخصية (ياسمين )هي ذاتها (الفاشينستا ) على أرض الواقع؟ فهو لم يكتف بالحكايه، بل جعل اسم المحامية في العمل هو ذاته اسم المحامية في الواقع أيضاً!!
كما أن بعض الحوارات التي وردت في العمل، منسوبة إلى شخصيات في الواقع، لإحدى الكاتبات المعروفات في السوشيال ميديا، التي كانت تكرر “فيني ثلاث صفات حميدة، ما أخاف، ما أستحي، بايعتها” ، وهي العبارة التي قالتها (دلال) إحدى شخصيات العمل، فما هو سبب الاستعانة بعبارات واقعية لشخصيات جدلية، حتى وإن تم توظيف الجملة لخلق نوع من الكوميديا!


البعد الزمني

العديد من الحوارات تُسَبِّبُ نوعاً من أنواع اللَّبس لدى المشاهد، فعلى سبيل المثال، كانت (دنانير) تعمل في وزاره الصحة، ولكن وفي منتصف الحلقات كان زوجها (عارف) يمازحها ويقول لها: “أين تبذر دنانير معاش الشؤون!!” وهو راتب لربات البيوت اللاتي لا يعملن!
اللامنطقية أيضاً، نجدها في التنقل الزمني، فقبل أن تتبنَّى (دنانير) الأطفال تم انقطاع الطمث عنها، وهنا يفترض أن يتجاوز عمرها الخمسين، وبعد تربية الأطفال الذين اقتربوا من الثلاثين، يفترض بها في منتصف السبعين، أو تقترب من الثمانين، لكن الأداء والتعامل مع تفاصيل الشخصية يتناقض وذلك تماماً.
وفي مشاهد الفلاش باك التي جمعت بين (دنانير) و(فاتن) تم الاستعانة فيها بممثلين اخرين، هذه المشاهد أظهرت (فاتن) وهي طفلة ببشرة داكنة، على عكس شخصية (فاتن ) وهي كبيرة!
الأداء التمثيلي.. داود وطيف الأفضل
على مستوى أداء الممثلين، نجد أن من استطاع تقديم صورة مغايرة لما اعتدنا عليه، وبعضهم ظل محافظاً على أدائه التقليدي المعتاد.
 بالنسبة للفنان (داوود حسين)، فلا بد من الإشارة إلى أنه أبدع في تمثيل شخصية (عارف) وخاصة في تعبيره بالانفعالات، التي استطاع من خلالها توصيل مشاعره، ولكننا كنا نتمنى أن يتخلص من بقايا شخصية (شاهين الفطين) التي قدَّمها في السنوات الماضية، خاصة في مشاهد الحزن.
أما الفنانة (طيف)، فكان أداؤها على المستوى الدرامي الأفضل في العمل؛ حيث إنها اشتهرت بالتراجيديا منذ مسلسل ( دمعة عمر) وإن كان هناك بعض الأخطاء في المشاهد، مثل رجفة اليد التي كانت تعاني منها، والتي كانت تنساها في مشاهد أخرى!  
الممثل (ناصر عباس) الذي تميَّز في المسرح الاستعراضي، لم يكن متفاعلاً مع مشاهده في هذا العمل؛ حيث إن تعابير وجهه ظلت جامدة باستثناء مشاهد الغضب.
من جيل الشاب، نرى أن الممثل (منصور البلوشي) كان الأفضل بين الممثلين الشباب؛ حيث أبدع برسم شخصية (بدر) الذي نجده يعيش في صراع ما بين تحقيق حلم الأبوة عن طريق طفل الأنابيب، وبين المال الذي يقف عائقاً بينه وبين تحقيق حلمه، فكان الأفضل في تجسيد تضارب نواياه وأفعاله.
اِشتهرت الممثلة (إيمان فيصل) عبر أدوار الكوميديا، لكن تكرار تجسيدها للشخصية سليطة اللسان، أصبح عائقاً بينها وبين إبراز دورها كممثلة، فنتمنى أن تتخلص منه.
نرى أن على الممثل (فهد باسم) أن يُطَوِّرَ من أدائه التمثيلي، فانفعالاته في جميع المسلسلات هي ذاتها لا تتغيَّر رغم تعَدُّدِ الأدوار. 
الممثلة (شوق الهادي) كذلك لم تُطَوِّرْ من أدائها التمثيلي، أما الممثلة (جلنار) فهناك تَطَوُّر واضح في أدائها التمثيلي عن العام الماضي؛ حيث استطاعت أن تَبرُزَ هذا العام من خلال مسلسل (كسرة).
وبالنسبة للممثلة (هبة العبسي) فقد أثبتت أنها لم تختصر قدراتها في أدوارها الكوميدية فقط، بل استطاعت أن تُجيد الألوان الأخرى أيضاً، وتُفَجِّرَ طاقتها في لعب الأدوار الجادّة والكوميدية بشكل مُميَّز.
رغم جميع الملاحظات، إلا أن مسلسل (كسرة) من الأعمال التي تستحق المشاهدة، والتي تجعلنا نتساءل بألم: كيف تتلاشى تربية السنوات بلمح البصر.


★ناقد ـ الكويت

مقالات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى