نواف الربيع:دراما تفقد عقلها (2): كيف تحول الماضي إلى “فلتر” بصري في الدراما الكويتية؟

نواف جمال الربيع★
في البدء كان الأمر مسليًا إلى أن نسينا الآن!
يذكر الكاتب فهد العليوة في مقابلته “مع حمد قصص” بأن تقديم مسلسل “ساهر الليل” كان نتيجة اتصال بين المخرج محمد دحام الشمري والكاتب فهد العليوة، حينها كانت صورة حقبة الستينيات جديدة في الدراما الكويتية – وربما الخليجية، لستُ متأكدًا- أن ترَ ماضيًا لم تعشه، بعيدًا عن الأعمال التراثية كافة منتقلاً إلى فجوة زمنية لم تُقدم دراميًا ولم ترها بصورة أخاذة. بعد تجربة أجزاء ساهر الليل الثلاث الحقبوية، صارت الدراما الفنية في الكويت متمسكة بعض الشيء بتيار درامي يقدم ما هو راهن، وآخر يقدم ما هو تراثي في حقبة ما قبل النفط؛ وما بين ركاكة الراهن الأول وأخطاء تنفيذ ما هو تراثي شهدت الدراما في الكويت تياراً ثالثًا: دراما النوستالجيا الحقبوية.
في غالبية المسلسلات الدرامية الحقبوية في الكويت اختزل الزمن في صور قابلة للتداول وتحقيق النشوة البصرية، دون التقاط عناوين الأزمنة البارزة تاريخيًا ، ليتحول التاريخ إلى نظرة حنونة تمهد الفن وتمسده بهدوء يشبه تهويدة الطفل للنوم، دون أن يحقق لهذا الطفل حق السؤال أو معرفة إجابة إنما فرصة مثالية للنوم الهانئ والطمأنة المثالية، فما بين ديكورات الزمن القديم، أزياءه، سياراته الكلاسيكية وأغانيه تقدم القصص والحبكات الدرامية بمعزل عن الزمن ومتطلباته، كأن الزمن خلفية شكلية واسعة تمسرح الأحداث الدرامية دون أن تؤثر عليها.. وبلا وعي يتسلسل للدراما هاجس الاطمئنان الدائم لأنها تكتب التاريخ الحقبوي بنظرة تحن وتشتاق فتجمل كل ذاك الماضي بما في ذلك عيوبه وسلبياته.. لأنه “الزمن الجميل” و “زمن الطيبين”، وربما هذه الاستعادة ما هي إلا استعادة الشعور المريح المتخيل عن ذلك الزمن، لا محاولة لفهم الأمس أو عرض إشكالاته.
وصرنا حينها نشاهد – باعتياد- دراما توثيقية لقشور ذلك الزمن الماضي، تحمل كافة تفاصيله الصغيرة وتنسى هواجسه التاريخية وهموم أفراده آنذاك، ولا أقصد بذلك أسئلته السياسية، إنما قضاياه الاجتماعية والاقتصادية وتحولاته التي فاجئت مجتمعات محلية محدودة وأرغمتها على استيعاب حضارة وثقافة حديثة مستوردة لم يتهيأ لها تمامًا، فصارت النوستالجيا “فلتر” بصري بامتياز يصفي ذلك الزمن القديم من ذاكرته الحقيقية ويفرغها من تدوينها – حق التدوين – فنيًا.
تصف الباحثة سفيتلانا بويْم هذا النوع من النوستالجيا بـ” النوستالجيا الترميمية” وهي التي لا تتأمل الماضي، بل تحاول إعادة بنائه كما لو كان حقيقة كاملة، وتذكر بويْم: “النوستالجيا الترميمية لا ترى نفسها نوستالجيا، بل حقيقة وتقاليد.”صنعت الكثير من نماذج الدراما النوستالجية زمنًا آمنًا لمتلقيها، زمن أشبه بملاذ متعبين من الحاضر الراهن، وهو تجديد استلطاف زمن ولى بعملية تكرير تصفي الماضي من كل ضوضاء وضجيج حمله معه، تشذبه وتعيد تقديمه مجددًا بنظرة معجبة لا تسأل وتحاور ذلك الماضي بقدر ما تعجب به وتقدمه فنًا آخر يبتر من الماضي تاريخته، ليبقى السؤال: هل استعادة الماضي فنيًا طريقة لحضوره أم نسيانه؟

أعتقد بأن إعادة تمثيل الماضي مراراً وسيلة ناجحة لصناعة تيارين يتمثل الأول باهتراء الزمن تحت وطأة إعادة التكرار، أما الثاني تحقيق فرصة مثالية لنسيان تأريخ الماضي فعليًا، لأن معظم دراما النوستالجيا تعالج كلاسيكية صورة الأمس لا أسئلته، وكلا التيارين يسهمان دفعًا في كتابة دراما مرسخة مزورة بعض الشيء عن الأمس الذي أعدنا تشكيله في مخيلتنا لكنه ما هو سوى صورة ذهنية متخيلة قد لا تتعلق بالماضي تمامًا، وهذا ما يؤكده المفكر فريدك جيمسون في كتابه (ثقافة ما بعد الحداثة) حين يكتب: النوستالجيا لا تعيد الماضي، بل تعيد الأسلوب الذي نتخيل به ذلك الماضي. ويضيف جيمسون أن أفلام النوستالجيا “تمحو التاريخ الحقيقي وتستبدله بمجموعة من الإشارات الأسلوبية”، أي أن الماضي يتحول إلى علامات يمكن التعرف عليها فورًا: ألوان معينة، موسيقى معينة، أزياء معينة… دون أن يكون هناك تاريخ فعلي وراءها. رغم وجود التاريخ الفعلي إلا أنه يأتي تأريخًا يخطئ – بعض الأحيان.

لكن، هل من حاجة فعلية للنوستالجيا؟ حين نلحظ معظم الأعمال الدرامية النوستالجية في الكويت نجدها تقدم صراعات اجتماعية صغيرة آمنة مكررة وبلا تاريخ انتهاء، صراعات درامية مرنة إذ يصلح كتابتها في كل الأزمنة وربما في المستقبل وقد تبدو لوهلة تفقد خصوصيتها المفترضة أمام الزمن الذي يحتضنها مثلما تبدو مبررة ومنطقية، فإذا ما كان رواية الحكاية وصناعة أحداثها ممكنة في كل زمن يعني فقدان المبرر الدرامي لأزمنة الماضي المختارة.. المعيار إذًا المبرر الدرامي للزمن، لا صناعة الدراما ذاتها.. الزمن هنا لا يغير سلوك الشخصيات ولا يشارك بتحديد مصائرهم، بل مساحة فسيحة تحتوي الأحداث لا غير.

تفرض الحكايات الملتقطة الزمن بضرورة مبررة في مسلسلات درامية عدة، وفي مقدمة تلك الأعمال مسلسل “الصفقة” لمؤلفته نادية أحمد وإخراج كريم الشناوي وجاسم المهنا. في الصفقة، فرضت الحكاية مبرراتها الضرورية في اختيار الثمانينات حاضنة للعمل الدرامي وأحداثه، ليكشف النص الدرامي عن معاناة المرأة في الكويت وأحلامها المتمثلة في دخول عالم الاقتصاد وفق مبررات شخصية منطقية. أما في مسلسل” سما عالية” كان النص الدرامي الذي كتبه صالح النبهان وشيخة بن عامر وأخرجه محمد دحام الشمري نصًا يوازي بين الصورة والأحداث المنسجمة مع اختيار الأزمنة الممتدة من ١٩٦٩ حتى ٢٠٠٢، فالزمن يفرض سلطته وحضوره على الشخصيات وحضورها ويسهم بشكل فاعل في تشكيل هوياتهم وانطباعاتهم في قضايا ظلت إشكالية لفترة طويلة من الزمن مثل تعليم المرأة وتحررها وقيادتها في مجتمع وجد نفسه مجبرًا في خوض تحولات لم يكن مستعدًا لها.
أما عن الإنتاج فهي عملية وحيلة تجارية صرفة، قد يصر البعض تقديم أعمال حقبوية لأن الماضي آمن وجميل ويمكن إتقان نجاحه جماهيريًا، باعتباره عاملاً جاذبًا لكل من عاش تلك الحقبة ويرغب بإعادة استذكارها، وعامل جذب للأجيال التي ترغب أن تشبع فضولها بماضٍ لم تعشه.. وهو حق مشروع تمامًا لجهات الإنتاج، كما أن من حق التاريخ إعادة كتابته بمعطياته الحقيقية كما كانت لا إعادة تعريفه أو تزييفه بمعطيات العيون المعجبة التي تعيد صناعته وإنتاجه؛ أي كتابته كما هو بما فيه من تناقضات وارتباكات ومعطيات مهدت صناعة الحاضر الراهن الذي نعيشه اليوم.. وربما من هذه الزاوية تصنع الأعمال العظيمة في تاريخ الفن، والرديئة في آن واحد.
يفرض رواج إعادة تمثيل الماضي دراميًا أو صناعة الدراما الحقبوية فكرة محتملة عن تهاون كتابة الحاضر وتخيل المستقبل، لأن الإفراط في رواية الأمس يعني – بشكل ما- عجزًا في فهم الراهن اليوم، وعجز آخر في محاورة أنفسنا التي تحترق بعالم يستعر ويتشظى بتقلبات وتغيرات لم نتمكن من فهمها ولم نتمكن من اختزالها لنمنحها فرصة الكتابة.. ومثال على ذلك، صورة العالم في جائحة كوفيد ١٩، هل استطاعت الدراما في الكويت أو الخليج كتابته كما يجب؟ هل شاهدنا- دراميًا – يومنا المرهون بإعداد الإصابات والوفيات وأمل النجاة بطرق الوقاية والعقار الطبي الجديد؟ هل صاغت الدراما تساؤلاتها – وإن كانت ردة فعل مستعجلة- إزاء بشرية ظنت أنها النهاية؟ بعد جولة سريعة في الذاكرة تكون الإجابة: لا، وذلك لأننا فضلنا الكتابة عن صراعات اجتماعية صغيرة مرنة تناسب حقبة الستينيات والسبعبينيات والثمانينيات والتسعينيات وبداية الألفية ونهاية 2070 .. دراما بلا خصوصية، تفقد التساؤلات وتفرط بخصوصية التاريخ والزمن وتكتفي بصور براقة يمكن أن تختزل في فترينة الوقت الزمني دون مراعاة منها لمجتمع بشري له تغيراته، متطلباته، همومه وأحلامه.
بمثل هذه الأنماط الدرامية التي نتمسك بها – كتابة وصناعة ومشاهدة- نكتشف بأننا نضحي بالماضي الذي نفرغه من أصله مثلما نضحي بالحاضر الذي نهمله.. وما بين تضحيتين يصبح المستقبل قربانًا للاوجود واللافهم.. وحينها فقط، فلتتأكد البشرية بكل ما تحمله من تعب وهموم وتساؤلات وأوجاع.. بأن الدراما فقدت عقلها منذ تغافلت عن الزمن وجعلته “فلترًا” بصريًا يُزيف الحقيقة ويعيد إنتاج ماضٍ مرسخ بصورة أكثر جودة من الصور القديمة التي يحتفظ بها الأرشيف مثلما تحب الدراما التي فقدت عقلها.. حقًا.
★ناقد ـ الكويت.




