إذاعة وتليفزيون

منيرة العبد الجادر: “الغميضة”… مسلسل الصدف واللامنطق!

  منيرة العبدالجادر★

عندما نُشاهد مسلسلاً يطرح شخصيات غير مُقنعة، فنحن بالتأكيد أمام عمل لـ”هبة مشاري حمادة”، هذا ما جاء في ذهني، وأنا أشاهد مسلسل “الغميضة”؛ حيث البطلة شخصية من ذوي الإعاقة البصرية، وتقوم بكل شيء؛ تطبخ، وتكنس، وتُخيّط، وتتجلَّى لها رؤى في المنام.
المسلسل من تأليف “هبه مشاري حمادة” وإخراج “علي العلي”، وبطولة “هدى حسين”، و”إبراهيم الحربي”، و”عبد الرحمن العقل”، و”سعاد علي”، و”لولوة الملا”، وآخرين.
يطرح المسلسل حكاية أسرة فقيرة تعيش في فترة السبعينيات، مُكوَّنة من الأم/”وداد”، الكفيفة، التي تعمل بالخياطة، وزوجها وأبنائها، فنرى طبيعة حياتها، وعلاقتها بالآخرين من جهة، ونتعرف على عائلة أخيها الثرية من جهة أخرى.

البطلة الخارقة!
يَستَهِلُّ المسلسل الحلقة الأولى بتعريفنا بالشخصيات، وأولها بالطبع، شخصية بطلة  العمل  الفنانة  “هدى حسين” التي قامت بدور “وداد “، وذلك من خلال “صوت الراوية”، التي تُشير لعدَّة أمور باستثناء أن “وداد” كفيفة! فنجد “وداد” تمشي بثبات وأريحية، وهي تُغني وتُؤدي جميع المهام المنزلية، بل إن نظراتها مُسلَّطة على الأشياء والأشخاص دون أي عائق، لكننا فجأة، وفي نهاية الحلقة الأولى، نكتشف من خلال مشهد السوق أن “وداد” كفيفة!! وعندها لا بد أن نتساءل: إذا كان بإمكان الكفيفة أن تعيش في بيتها بشكل طبيعي، هل بإمكانها أن تُوَجِّه نظراتها بصورة طبيعية على الأشخاص والأشياء أيضاً؟! كان يجب على العمل عرض موقف، أو الإشارة ولو بطريقة غير مباشرة، لعدم قدرتها على النظر، حتى لا يقع المتلقي في لَبْس كبير؛ حيث إن الحلقة أوضحت وكأنها فقدت بصرها في السوق!  وإذا تبين لنا أنها ليست كفيفة، وأنها تدعي ذلك، فهل من المنطقي أن يغفل جميع أفراد العائلة عن هذا الأمر؟

هدى حسين

بمتابعة بقية الحلقات، نكتشف أن شخصية “وداد” تم تصويرها بصورة مثالية؛ حيث تتحلى بالقوة الإنسانية، ولا تعاني من أي نوع من القيود الاجتماعية نتيجة التصوّرات المُسبقة، فلم نجد شخصية واحدة  يمكن الشعور تجاهها بالتعاطف، أو أي نوع من المشاعر المبنية على إعاقتها، رغم أنها تتعامل مع العالم الخارجي الملغوم بالشخصيات، التي لا تمتلك القدرة على الإلمام بكيفية التعامل مع الكفيف، بل إن هناك شخصيات ترتبك من فكرة التواصل معه بحد ذاتها.

حنان والحدث المنسي!

ونحن نتابع شخصية “حنان”  التي أدتها الفنانة “لولوة الملا”، راودنا سؤال عن سبب نجاح هذه الشخصية، الذي فاق نجاح المسلسل بِحَدِّ ذاته، فوجدنا أن السر بالأداء الطبيعي أولاً، ومنْ ثَّم الحس الكوميدي لدى الشخصية.
خاصة وأنها تعاني من إعاقة ذهنية، أو تأخُّر عقلي، لكن اللامنطق ظَلَّ يسيطر على بقية الشخصيات، فنُفاجأ بإنجابها لطفل نتيجة تعرضها للاغتصاب، فهل من المنطقي أن لا يعرف أحد أنها حامل طوال مدة الحمل؟! وهل يُعقل أن يطرح العمل مثل هذه القضية في الحلقة الثانية، ومِنْ ثَمَّ يتركها حوالي عشرين حلقة بلا تلميح، أو أي مُحاولة للتعرُّف على الفاعل؟!

لولوة الملا

اللافت للنظر أن مشهد الولادة، لم يعقبه مشهد لتوعية “حنان” أو توبيخها لضمان عدم تَكرار الخطأ مرة أخرى، فهي وإن كانت من ذوي الإعاقة الذهنية، إلا أنها تمتلك مستوى وعي معين، وتُدرك ما حولها، بل إن حَدَثَ الاغتصاب ذاته، وعدم معرفتها لشخصية المغتصب غير مُقنع ، خاصة  وأن بقية المشاهد تُوَضِّح أن “حنان” قادرة على استقبال المعلومات وفهمها إلى حد جيد، بدليل مراقبتها لعلاقة الحب بين ابن أختها وحبيبته، ومِنْ ثَمَّ نقل الأخبار بينهما، بالإضافة لاتفاقها مع الرجل، الذي يريدها أن تُعيد له كيس الذهب بالخفاء.

Copy and Paste

أما مشهد اختبار سلامة “حنان” العقلية في العزاء، فهو نسخة طبق الأصل من مشهد سابق للكاتبة ذاتها، حين طلبت إحدى النساء من “حنان” أن تذهب إلى المطبخ، وتقوم بتعبئة المشخال ماء، فهو مأخوذ من مسلسل “فضة قلبها أبيض”، لـ “هبة مشاري حمادة”، وحينها أدَّت الفنانة القديرة “سعاد عبد الله” دور شخصية تعاني من إعاقة ذهنية بتمكن رائع ، فما الهدف من تكرار المشهد؟ أم أنه الفقر الفني، وعدم القدرة على ابتكار مشاهد جديدة أخرى !

سعاد عبدالله

من محاسن الصدف!

جميعنا نعلم أن أكثر ما يُميِّزُ مسلسلات “هبة مشاري حمادة”، سلسلة (الصدف) التي تتمدَّد في جميع الحلقات، بَدءاً بعلاقة الشخصيات ببعضها البعض، والتي تعتمد على الصدفة البحتة، على سبيل المثال: “فتحية” ابنة أخ “وداد”، من زوجته الثانية بالسر، التي تلتقي بأخوتها من الزوجة الأولى بالصدفة خلال رحلتهم إلى القاهرة، وقامت الابنة الصغرى “ليلى” بمحاولة التعرُّف على “فتحية” بالتحديد، وعندها كشفت سر العلاقة الأخوية، بل مع مرور الأحداث يتضح أنهما في فصل دراسي واحد، فكيف حاولت التعرُّف عليها في السفر؟ وهي معها في الفصل الدراسي ذاته!؟

أما المضحك بالنسبة للمتلقي، فكان – بلا منازع – مشهد بحث” أسمهان ” ابنة أخ “وداد” عن والدتها لثلاثة أيام متواصلة، ثم ما إن وجدتها غارقة بدمائها في الحمام، تقوم بأخذ (الشامبو) والخروج من المكان بهدوء، بل إن ما أدَّى إلى سخرية الجمهور من المشهد على مواقع التواصل الاجتماعي، هو ذهابها بعد هذا الحدث مباشرة إلى السوق مع أخواتها!
‏أعتقد بأن الكاتبة اِلتبس عليها الأمر، فإذا كان المقصود من هذا السلوك غير الطبيعي، حالة نفسية معينة، أو رغبة إجرامية مُعَيَّنة، فإن الأمر لا يمكن تصويره بهذا الشكل الفج، واللامنطقي، خاصة وأن شخصية “أسمهان” على النقيض تماماً، المضحك أنها وبعد انتهائها من التسوُّق والتجهيز ، ذرفت دموعها، وأخبرت أخواتها بالصدفة.

من جانب آخر، هناك نوع جديد من الصُّدَف قد ولد خارج إطار المسلسل؛ حيث لاحظ الجمهور الكثير من التشابه في الأفكار بين هذا المسلسل وبقية المسلسلات الخليجية، على سبيل المثال، شخصية “وداد” كفيفة وخياطة، وشخصية “ليلى” في مسلسل “شاي خانة” كفيفة وخياطة، شخصية ناصر ابن “وداد” بُتِرَت رجله، وشخصية الأم في مسلسل “غلط بنات” قد بُتِرَت رجلها أيضاً، علاوةً على ما سبق جميع أحداث تلك المسلسلات تدور في حقبة سابقة!

أخيراً، كان بإمكان مسلسل “الغميضة” أن يُقدِّم العوالم الإنسانية بصورة مؤثرة، إلا أنه قدَّمها بصورة ضبابية من جانب، ومُفرِطة في المثالية من جانب آخر، وغير مُقنِعة في جميع الأحوال بسبب كثرة الصُّدَف، وتَسَيُّدِ اللامنطق في الأحداث.


★ناقدة ـ الكويت

مقالات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى