مسرح

شادية زيتون :هذا هو المسرح ..وإلا فلا !

شادية زيتون★

البيوت مسرح، الساحات مسرح، الكواليس مسرح، الأماكن كلها مسرح ، وأينما تتحقق حالة مبنية على حدث ما، هي حالة مسرحية في المنظور البعيد عن فلسفة تعريف الحالة المسرحية التي ارتدت أقنعة متنوعة في مختلف ملاعب مسميات المسرح، كتلك التي عَدَّدها” باتريس بافيس” في كتابه (معجم المسرح – ترجمة ميشال ف. خطار ) مثل: المسرح التناوبي، الأنتروبولوجي، الأطروحة، السيرة الذاتية، البرجوازي، التحريضي، البوليفار، الحجرة، الحربي، القسوة ،البيئة، الجماهير، المشاركة، الشارع، النساء، التعليمي، الصور، الأغراض، التوثيقي، الدائري، الفروسية، الاِختباري، الحركي، الخفي، المختبر ، المادي، الميكانيكي، الحد الأدنى، الغنائي، الفقير، السياسي، الشعبي، السردي، العفوي والكلي، جميعها مسميات حملت كل منها ثقافة انبثقت من بيئات متنوعة، وعبَّرت عن خصوصيات مُعَيَّنة، اِغتنت بالتأثر والتأثير في مَدِّ جسور التواصل بين الثقافات الإنسانية والاجتماعية، وساهمت سريعاً في نشر القيم الجمالية والفكرية في ظل التطور التِّقْنِيِّ الباهر، الذي تشهده المجتمعات من حداثة وعولمة ثقافية، وكما في مسميات المسرح كذلك إذا نظرنا إلى مختلِف الاِتجاهات والمذاهب الفنية من التجريدية إلى النزعة الأكاديمية، إلى الباروك، الفن الحديث، الفن من أجل الفن، إلى الباهوس، الفن الجسدي، الكلاسيكية، البنائية، التكعيبية، الأدائيهة، التعبيرية، فن الحدث، الاِنطباعية، التوحشيه، الروكوكو والسريالية، نرى أنها ولدت من صميم البيئة، ومن مخلفات الأحداث والأعراف والتقاليد والعقائد والمعتقدات والطقوس والإقتصاد والسياسة، وتجلَّت أثارها ورؤاها وتجاربها مع المفهوم الواسع للمسرح، كما كان لكل منها أبعادها الثقافية والمعرفية ودورها المهم في إغناء مدارك الفنان وتعميق فهمه للإنسانية المتعددة الأبعاد، في هذا السياق عبَّر مؤرخ الفن والجمال الفرنسي (Pierre francastel) عن ثقته بما أسماه المغامرة الإنسانية، وخاصة في المجال الفني ، يقول: ” لقد مثل الفنانون دوماً تلك الفئة الخاصة بالمجتمع، التي بمقدورها أن تُبْرِزَ إمكانيات وحاجات الناس بشكل حسي مباشر.”
إن ما جاء على لسان(  Francastel) ينطبق على الفنان المسرحي الوسيلة الأمثل للتفاعل مع المجتمع والتواصل الحي مع جمهوره وثباته في منحه المتعة والثقافة وحفاظه على قدرته على البناء الجمالي .
إن جُلَّ ما يُميِّزُ حضارة ما، هو إرثها الفني، فعلى مَرِّ التاريخ، كان المسرح الفن الأكثر تفرُّداً في علاقته مع الإنسان؛ لكونه يُمَثِّلُ علاقة مباشرة بين الفنان والمتلقي في الاِنفعال والتفاعل في كل المناحي، التي يطرحها العرض من وعي اجتماعي، وزرع للإنسانية، بَدءاً من مسرح الطفل إلى المسرح المدرسي، ثُمَّ الجامعي، الذي يفترض إيلاؤه أهمية كبرى؛ لكونه الأكثر نُضجاً في تنمية المشاعر الأخلاقية، وتعزيز القيم الاِجتماعية.
يقول ( فولتير ): ” في المسرح وحده تجتمع الأمة، ويتكوَّن فكر الشباب وذوقه، وإلى المسرح يَفِدُ الأجانب ليتعلموا لغتنا ، لا مكان فيه لحكمة ضارة، ولا تعبير عن أي أحاسيس جديرة بالتقدير إلا وكان مصحوباً بالتصفيق، إنه مدرسة دائمة لتَعَلُّم الفضيلة.”
إن البحث عن الطابع الإنساني للحياة في المسرح بعيداً عن المجانية والاستهلاك، هو ذاك المسرح الذي يُمَهِّدُ لبناء عالم حقيقي، وهذا المسرح يتحقَّق بوجود فنانين يملكون ثقافة واعية، ورؤية متبصرة تدعمهم المؤسسات الرسمية المعنية بالثقافة، والمؤمنة بالديموقراطية، وحرية الفكر والتعبير، وأن المسرح مرفق ثقافي مهم، وقيمة كبيرة متغلغلة في وجدان الجماهير منذ نشاته وإلى اليوم، هذا إن وجدت، وإلا وحده الوعي الثقافي يُمكِّن الفنان من تجسيد فكره الإبداعي، ورسم قدراته من أجل مقاربة المجتمع وتطور مستوياته، وإدراكه أن ثقافة الأمة تعتمد على سلاح الفكر المتنور، وأن عوالم الثقافة مختلفة .
على مَرِّ الزمن والعصور ثَمَّةَ صوت واحد لم يخفت، ولم يغب، صوت بقي يصدح ويتصدر صفحات تاريخ كل الحضارات والفكر الإنساني، هو صوت المسرح، فإذا أردنا أن يبقى مُتربعاً في الأعالي، وعالماً ثميناً بمدخراته ،علينا العمل بمقولة الكاتب والناقد التونسي (حاتم التليلي) “المسرح كعبٌ عالٍ لا يحتمل أن تنتَعِلَهُ قدمٌ عرجاءُ “.


★مصممة سينوغراغياـ لبنان.

مقالات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى