بكر صابر: ” تجليات الواقع والرمز في رواية “نخلة شافع ” لإنتصار عبد المنعم.


بكر صابر ★
رواية ” نخلة شافع” للأديبة والكاتبة “إنتصار عبد المنعم” الصادرة عن دار روافد لعام 2023/2024، تدور أحداثها في إطار أدبي واقعي ورمزي حول حياة الصيّادين، مُسلِّطة الضوء على تفاصيل الحياة اليومية، وكفاح أهل البحيرة.
رواية ” نخلة شافع” ليست مجرد رواية تُقَدِّمُ حكايات تقليدية، وإنما تفتح لنا أبواباً كثيرة للتعرُّف على العلاقة بين الإنسان والمكان، بين الحكاية والذاكرة ، بين الألم والأمل ؛ حيث تتداخل الأصوات والقصص؛ لتتشكل لوحة إنسانية عميقة، تتناول الصراع الأبدي مع القدَر.
نجد الكاتبة “اِنتصار عبد المنعم” تتعامل مع الحكاية في الرواية، باعتبارها كائناً حياً يتنفس ويتكاثر وينتقل بين الناس ، فالحكايات في رواية ” نخلة شافع” ليست مجرد وسيلة السرد، وإنما هي جزء من تكوين الشخصيات نفسها ، الإنسان هنا لا يعيش حياته فقط، بل يحمل داخله حكايات قد تُثْقِلُ كاهله، أو تمنحه الخلاص.
تحمل رواية ” نخلة شافع” بُعداً فلسفياً، وذلك عندما تتحوَّل الحكاية وسيلة إلى فهم الذات والآخر، فبعض الحكايات في رواية ” نخلة شافع” قد تُصبح ثقيلة إلى حدِّ القتل؛ حيث يخشي أصحابها الإفصاح ، فتظل تلك الحكايات كامنة في الذاكرة ، في المقابل هناك رغبة لدى البعض في جمع الحكايات وتحريرها.
تُقَدِّمُ الرواية صورة مزدوجة للمدينة ، فهي مكان مزدحم بالحياة، لكنه في الوقت ذاته خانق ومزعج، الصراخ، الصراعات اليومية، كلها عناصر تجعل المدينة بيئة طاردة للروح، في المقابل تبحث بعض الشخصيات عن العزلة، سواء في البحر، أو في أماكن مهجورة، أو حتى داخل الذات ، هذا التناقض بين الضجيج والعزلة يعكس صراع الإنسان المعاصر بين الانخراط في المجتمع والرغبة في الانفصال عنه.
المدينة أيضاً تُمَثِّلُ الذاكرة الجمعية؛ حيث تتراكم فيها الحكايات والأحداث، لكنها مع مرور الزمن تفقد ملامحها، ويُعاد تشكيلها وفق رغبات جديدة.
وهنا يظهر البعد الزمني في الرواية؛ حيث يتداخل الماضي مع الحاضر بشكل مستمر.
وإذا نظرنا إلى ” البحر ” في رواية ” نخلة شافع ” نجد أنه ليس مجرد بقعة جغرافية معينة، بل هو عنصر محوري يحمل دلالات متناقضة، فهو من جهة مصدر للحياة والرزق، ومن جهة أخرى كائن مفترس يبتلع الأحباب، ويزرع الفقد في القلوب.
يتجلَّى هذا التناقض في علاقة الشخصيات بالبحر؛ فالصيّادون يرتبطون به ارتباطاً وجودياً، لكنه في الوقت ذاته يُهدِّدهم باستمرار، بعضهم يفقد أبناءه فيه، وآخرون يهربون منه خوفاً من ذ كرياته المؤلمة، وهنا يتحوَّل البحر إلى رمز للقدَر لا يُمكن الهروب منه، ولا يُمكن السيطرة عليه.
تتميَّزُ الرواية بشخصياتها الواقعية ، التي تنتمي إلى طبقات بسيطة من المجتمع، مثل الصيّادين، الشيوخ، والنساء المكافحات، هذه الشخصيات ليست بطولية بالمعنى التقليدي، لكنها تحمل عمقاً إنسانياً كبيراً.
الشيخ ” محمد” يُمَثِّلُ الإنسان المثقل بالفقد، الذي يحاول التمسك بالإيمان كوسيلة للصمود.
” بكر” يُجَسِّدُ الصراع بين البقاء في البيئة التقليدية ” البحيرة ” والانجذاب إلى أفق أوسع ” البحر ” .
” زينب ” تعكس معاناة المرأة في مجتمع تقليدي، خاصة فيما يتعلق بالأمومة والضغط الاجتماعي، كل شخصية تحمل حكايتها الخاصة، لكنها في الوقت ذاته جزء من نسيج جماعي يعكس واقعاً أكبر.
إذا نظرنا إلى مسألة الفقد في رواية ” نخلة شافع” نجد أن الكاتبة “اِنتصار عبد المنعم” جعلتها من المحاور الأساسية في الرواية، لا يكاد يخلو بيت من ذكرى غريق، ولا تمر مناسبة دون استحضار غائب، هذا الحضور المستمر للموت يجعل الحياة نفسها تبدو هشة ومؤقتة، لكن الرواية لا تتوقف عند الحزن، بل تحاول استكشاف كيفية التعايش معه، فبعض الشخصيات تتصالح مع الفقد، بينما يظل البعض الآخر أسيراً له، وهنا يظهر البعد النفسي العميق للعمل؛ حيث يتحوَّل الحزن إلى جزء من الهوية.
إذا نظرنا إلى الدور الذي تلعبه المرأة في رواية ” نخلة شافع” نجده دوراً محورياً؛ حيث تظهر في أكثر من صورة: الأم، الزوجة، الحبيبة، وحتى الغجرية التي تُمَثِّلُ البعد الغامض ، كما سلَّطت الكاتبة “اِنتصار عبد المنعم” الضوء على القيود الاجتماعية التي تواجه المرأة ؛ حيث تُعاني النساء من قيود اجتماعية واضحة، خاصة في ما يتعلق بالحركة والتعبير عن الذات ، ومع ذلك نجد لديهن قدرة كبيرة على التحمُّل والتكيف ، “زينب” على سبيل المثال، تُواجِهُ نظرات المجتمع وأسئلته القاسية، لكنها تستمر في البحث عن الأمل، حتى لو كان ذلك عبر وسائل غير تقليدية.
إذا نظرنا إلى اللغة في رواية ” نخلة شافع ” نجد أنها لغة شعرية غنية بالصور والاستعارات، خاصة في وصف البحر والحالات النفسية.
كما تعتمد على السرد المتداخل؛ حيث تنتقل بين الحكايات والأصوات بشكل سلس ، هذا الأسلوب يمنح النص طابعاً حلمياً في بعض الأحيان، ويجعل القارئ يشعر وكأنه داخل عالم متعدد الطبقات، حيث يصعب الفصل بين الواقع والخيال.
في النهاية نجد أن رواية ” نخلة شافع” ليست مجرد رواية عن البحر أو الصيّادين، بل هي رواية عن الإنسان في جوهره: ضعفه، قوته، أحلامه، وخوفه، إنها رحلة داخل النفس البشرية، تكشف عن تعقيداتها وتناقضاتها.
تنجح الرواية في خلق عالم حي ينبض بالحكايات، ويجعل القارئ يشعر بأنه جزء منه، وبين أمواج البحر وهمسات الحكايات، نجد أنفسنا أمام عمل أدبي عميق يترك أثراً طويل الأمد في الذاكرة.
★باحث مسرحي ـ مصر




