مسرح

نواف الربيع : كيف عرضت “عزوبي السالمية “إفرازات الحداثة على الفرد الكويتي!

نواف الربيع

في السالمية، في اللحظة التي سقطت بها أميرة – سعاد عبدالله- من أمام هلال – عبدالحسين عبدالرضا- وقالت “آي” سقط هلال الكويتي في حفرة حداثة مدينته الطارئة. قد تبدو هذه المقدمة والربط مبالغة فجّة في تصور تجربة الحداثة على المجتمع الكويتي وأفراده، لم يكن تحول منطقة السالمية من منطقة “الدمنّة” الساحلية البسيطة إلى مدينة تعج بشكل عمراني حداثي وطارئ من عمارات سكنية، وتوسع شارع سالم المبارك التجاري وغيرها من مظاهر عكست التحوّل الاقتصادي والاجتماعي الحداثي في دولة الكويت.ومن وسط هذا التحول واكتماله القديم اختار مؤلف مسرحية عزوبي السالمية الفنان الراحل عبدالحسين عبدالرضا عنوان مسرحيته، ليروي حكاية هلال العزوبي، الذي تحكم عليه جغرافية السالمية قبضتها ليجد نفسه في مدينة حديثة، علاقات معزولة، وروابط اجتماعية هشة  ومنها صديقه الدكتور فايز وأميرة.. فهل ثمة علاقة؟ ربما نعم، وربما لا..

فالسالمية ليست مجرد مكان، بل بنية رمزية لانتقال المجتمع من اقتصاد اللؤلؤ والبحر إلى اقتصاد جديد قائم على مبانٍ عملاقة ومصاعد كهربائية مستوردة. مدينة تتكدّس عماراتها عموديًا، بينما تزيد من ترتيب ترتيب العلاقات سكانها أفقيًا؛ شقق متجاورة، مكانات اجتماعية بارزة، تفاوت أخلاقي ونفعية فجّة تتحكم في العلاقات وتعيد تقييمها مجددًا.

قد تبدو فكرة مشروع الحداثة وما بعدها إشكالية في مجتمعاتنا العربية عامة والخليجية خاصة، فلم يكن الجهل صفة طاغية، ولم يكن هناك ما يشبه الثورة الصناعية والفرنسية في مجتمعاتنا العربية، فالتدرج الحداثي كان مغيبًا في الحداثة (حتى ما بعدها)، بل أن الحداثة جاءت للمجتمعات العربية بصدمات مباغتة، فجائية، بدءًا من الحملة الفرنسية في مصر، ثم الدولة الوطنية، ثم مرحلة الاستهلاكية وأخيرًا الثروة النفطية، وجميع المراحل السابقة تؤكد أن حالة الحداثة العربية فجائية، مستوردة وغير متسقة مع بنية المجتمعات التي لم تنطلق منها الحداثة -كما في أوروبا- بل كانت مشروعًا عارضًا غير منسجمًا، وهذا ما أكده د. عبدالله العروي (الحداثة بالنسبة إلينا ليست تجربة معاشة بل مشروع ينبغي تحقيقه)،  مما جعل الفرد متشظيًا في بين أمسه وحاضره المستورد بعض الشيء. ومن هنا يصبح هلال حجي رمضان – بطل عزوبي السالمية- نموذجًا لإنسان يعيش حداثة بلا تاريخ حداثي، حيث يستهلك قالبها دون أن يمر بمخاضها الأخير، يعيش بها طارئًا دون جسر ثقافي يمهّد انتقاله ويبرره.

تكررت الكتابة عن هذا الموضوع مررًا، رغم دفاع الكثير عن مجتمعاتنا العربية وتأكيد استيعابها للحداثة، لكن ما يهم في سياق الكويت مدى تمظهر الحداثة – كتجربة جديدة- على الفرد الكويتي من خلال الأعمال الفنية عامة والمسرح خاصة؛ وقد رافق هذا المشروع الحداثي ازدهار كافة مؤسسات دولة الكويت وتنظيمها بما في ذلك القطاع الثقافي الأدبي والفني، ويبدو لي أن هذا التزامن شتات بشكل أو بآخر  يعطل انتباهك لتلك الظاهرة التي غمرت المجتمعات العربية والكويتي حتى صار من الصعب الالتفات لجوانبها السلبية والتطرق لها فنيًا إلا في أعمال مسرحية محدودة تناقش ما ترتب عن الثراء المالي والثروة النفطية وانعكاساته على المجتمع.

تكشف مسرحية عزوبي السالمية عن مأزق هلال الأخلاقي وسط لا أخلاقي من حوله، فبينما يندفع هلال بإعجابه المفرط وشعور الحب الجديد أميرة اتجاه أميرة دون معرفة منه بهويتها أو حالة أسرتها المادية، يجد صديقه الدكتور فايز قد سبقه خطوة في حب ذات الفتاة ليس بسبب المشاعر والإعجاب، إنما بسبب ثراء عائلتها ورغبته في الاستفادة من هذا الثراء المادي. فلم يكن فايز شخصية شريرة جشعة تقليدية، بل شخصية من إفرازات حداثة “غير مهضومة”، إذ يجسد فايز العقلانية الأداتية التي تسعى للوصول لأهدافها دون مساءلة لأخلاقية الوصول، شرعيته وإنسانيته، فلم يكن حب فايز لأميرة إلا (تحقيق هدف.. والواحد إذا يبي يوصل لازم يركز على أهدافه) على حد تعبيره؛ حينها انقلبت العلاقة الإنسانية إلى صفقة، والمرأة الشريكة رأس مال رمزي يمكن استثماره. وهنا تتحول الصداقة نفسها إلى عقد غير مكتوب، إذ لا يعود فايز صديقًا بالمعنى التقليدي المفترض، بل شريكًا محتملًا في سوق الفرص. إذ تقيس العقلانية الأداتية، علاقاتها بجدواها لا بعمقها؛ وتحوّل الحب استثمارًا، والزواج مشروعًا، والصديق، وسيلة. وبذلك لا يعود فايز انحرافًا أخلاقيًا فرديًا، لكن تجسيدًا لإنسان حداثي يبرر أفعاله بما أنجزه، بما حققه.

أما هلال حجي رمضان صاحب الوظيفة الحكومية البسيطة لم يكن بمعزل عن الحداثة ونتائجها، إنما كان الهارب من ديونه، الغارق وسط خوفه، العاجز عن فك أزمته المالية التي جاءت كنتيجة حتمية لكماليات مترفة لا حاجة بها مستذكرًا: (راتبي ٣٠٠ دينار وأصرف ٥٠٠.. هذا بيتي بيت موظف عادي؟ هذا بيت تاجر كل شي فيه!) وهي إفراز من إفرازات مجتمع حداثي يستهلك ما يملكه وما لا يملكه، ليجد نفسه أن ذات عناصر الحداثة التي من المفترض منحه الراحة والترف صارت تمنحه الخوف والترقب من قرار الحكومة الذي يصادر كل ما يملكه، لتصير الديون في النص المسرحي بنية درامية ضرورية تشرح تأثير تحولات المجتمع المفاجأة.

رغم مصير هلال الحتمي بدخول السجن ومصادرة أملاكه لم يفكر هلال ب(ببقمة أمه) التي كان من الممكن أن تحل أزمته المادية بأكملها، وبدلاً من التصرف بها أعارها صديقه فايز ليكتمل زواجه النفعي من أميرة، وبدلاً أن يكتفي “هلال” بضحية التحول الحداثي تحول إلى ضحية شريكة بذلك، حين وقف مع صديقه من دافع أخلاقي إنساني، إلا أنه في الوقت ذاته مكن دوافع فايز غير الأخلاقية، كما رسّخ هلال من آلة الديون والصورية المجتمعية حين منح فايز عقد اللؤلؤ، فلم يكن فايز يملك ذاك العقد اللؤلؤي إلا أنه تصرف به كما لو كان يملكه.. فتضحية هلال وكرمه ووفاءه لصديقه فايز قيم من الماضي يُعاد توظيفها داخل النظام الجديد مفرغة من معناها لتصير بمثابة الوقود الذي يشعل نفعية العلاقة ووسيلة أساسية للعقل الأداتي ليستمر في تحقيق هدفه الأسمى: المزيد من الثروة.

في الوقت الذي يقتحم رجال المحكمة الشقة يتحول هلال إلى تمثال أثري؛ يرتدي قناعه، يمسك بأوانٍ معدنية، يتخشب، حتى يظن رجال المحكمة بأنه ضمن ممتلكات هلال التي من الواجب عليهم مصادرتها، يحملوه.. بالنسبة لي، هذا التخشب ما هو إلا تحول الفرد إلى شيء يقبل المصادرة والجرد والبيع، دون مراعاة لقيم إنسانية. وبينما يصرخ هلال ويرتبك رجال المحكمة هلعًا وخوفًا يرتبك الإنسان إزاء فكرة التشيؤ.  ومن ضمن هشاشة النظام الحداثي يتم حماية النظام المالي بدلاً من حماية الإنسان. حينها فقط تتدخل أميرة لتوقف مهزلة المشهد المسرحي وجنونه، تقدم وعدًا لحل المشكلة، معيدةً الاعتبار الأخلاقي إلى مكانه المفترض بدلاً من التخلي والخذلان – مثلما تخلى فايز عن مساعدة هلال في بداية الأمر- وتعيد ترتيب علاقاتها كاشفة عن حقيقة مشاعر الحب من زيفها بين هلال وفايز؛ رغم عقلانية شعارات الحداثة ونظامها المدروس الناتج من صميم المجتمعات إلا أن الحل في المسرحية كان من خارج نظام الحداثة ومن خارج علاقاتها.. من أميرة، الفتاة الثرية.

قد يبدو إلصاقي الحداثة في المسرحية ضربًا من الجنون والمبالغة، لكنّ هلال يعيش في السالمية التي منحته شقة فاخرة لكنها خالية من علاقات صادقة، تمنحه الأصدقاء لكنها تحتم عليهم نفعية التعامل.. وعدته بحياة مثالية إلا أنها استكثرت عليه طمأنينته وحولته لصنم.. ورغم السنوات التي مرت على المسرحية، والتي سوف تمر، نعرف بأن الحداثة الطارئة، المستوردة.. تنتج المزيد من هلال، يتمسك بـ (بقمة أمه) طوال العمر بينما تتوغل قدماه أكثر في طينة حداثة “غير مهضومة”، ومع كل تحوّل طارئ يولد عزلة إضافية، تشيؤ محتمل، وقسط تسدده الإنسانية.. دون غيرها.


★ناقد ـ الكويت .

مقالات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى