مريم سلمان: هل الكوميديا مرآة الشعوب؟دراسة مقارنة بين الكوميديا الإغريقية وبين الكوميديا المصرية في عصرنا الحالي.


مريم سلمان★
تهدف الكوميديا إلى أبعد من الإضحاك، حيث تهدف إلى التغيير، فكثيراً ما كان لنقد الكوميديا تأثير واضح وسبب للتغيير. وليس كما ترسخ في ذهن البعض أن فن الكوميديا، وما يصاحبه من ضحك وهزل -قد يتجاوز حد المألوف- عادة ما ينظر إليه نظرة دونية لا ترقى لنظرتنا للأعمال التراجيدية الجادة. ويجب أن نعتبر أن الكوميديا هي مرآة للشعوب، وتعد الكوميديا أعظم أسلحة النقد، وتستخدم الكوميديا في تسليط الضوء على ما هو غير مرضي للبشر والمجتمعات من أوضاع غاية في الأهمية، فإن الحس الكوميدي للفنان يجعل من عرض المشكلة حدثا في حد ذاته، وقد يستوعب البعض المشكلات المطروحة عن طريق الكوميديا أسرع من المشكلات التي يتم عرضها في إطار خطابي.
يرى الباحث أن الشعب المصري على سبيل المثال “شعب نكتة” وقد يتغلب على همومه بالضحك والسخرية من باب “هم يضحك وهم يبكي” ، وإذا نظرنا إلى الكوميديا التي خلقها الشعب المصري خلال الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لوجدنا على سبيل المثال كاريكاتير أحمد رجب ومصطفى حسين شاهداً على العصر.

وإذا تتبعنا ما وصلت إليه الكوميديا الآن (٢٠٢٦)، لكان جلياً في تعبير المصريين من خلال وسائل التواصل الاجتماعي عن طريق الكوميك comic والميم meme والريل reel (وكلها مصطلحات غربية تم تعريبها على حالها) بسخرية عن أوضاعهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
ماهية الكوميديا
وقبل أن نتعمق في موضوع البحث، لا بد وأن نتحرى ماهية الكوميديا وتعريفاتها في بعض المراجع المسرحية.
يعرف د. إبراهيم حمادة “الملهاة – الكوميديا” في معجم المصطلحات الدرامية والمسرحية: من المرجح، أن الكلمة المصطلحية الثانية Komodia، مشتقة من الكلمة اليونانية Komos التي تعني (المرح الصاخب) في موكب الاحتفال بالإله ديونيسوس. والملهاة، هي أحد الجنسين الرئيسيين في الفن الدرامي، وتنتسب إليها مواليد فكاهية مختلفة العمر، والروح، والخصائص الشخصية، مثل: الهزلية – والمسلاة – والجيغ – والبرلسية – والبرلتة.. إلخ [….]
ومع هذا، فإن الحد الفاصل المميز بين الملهاة وغيرها من الأشكال الدرامية الأخرى، لا يمكن تعريفه تعريفاً حاسماً، لأن هناك عناصر تقنوية متداخلة ومشتركة بين شتى الأنواع.
ويستطرد: “وتنقسم الملاهي الإغريقية الشعرية، من حيث التاريخ، والطابع، والتطور، إلى:
ملهاة قديمة: وتمثلها غالبية مسرحيات أريستوفان (٤٤٦-٣٨٥ ق.م) الباقية، مثل: الفرسان-السحب-الزنابير-الطيور.. إلخ
ملهاة وسيطة: وتمثل الإنتاج الملهوي الذي ظهر في الفترة من ٤٠٠ إلى ٣٥٠ ق.م. تقريباً مثل مسرحيتي: برلمان الستات- وبلوتوس لأريستوفان.
ملهاة حديثة: وتدل على الإنتاج الملهوي الذي ظهر في الفترة ٣٣٠ إلى ١٥٠ ق.م تقريباً وتمثله مسرحيات ميناندرز الذي وضع أكثر من مائة مسرحية كوميدية.
وبعد موت المسرح الفني في منتصف القرن السادس الميلادي تقريباً، إلى نهاية العصور الوسطى، لم تعرف الملهاة إلا في أشكال بدائية بسيطة، كان يقوم بأدائها فنانون متجولون يحتقرهم المجتمع، وتطاردهم الكنيسة.”
ومن أمثلة الكوميديا (نتناول منهم الهزلية والجيغ تفصيلاً) كما ورد في معجم المصطلحات الدرامية والمسرحية:
الهزلية (مهزلة): إحدى التصنيفات الأساسية للدراما غير الموسيقية، ومصدر المصطلح الأجنبي هو الكلمة اللاتينية Farcire بمعنى “يحشو”. وكان المقصود بذلك هو حشر بعض المشاهد المضحكة في العروض التمثيلية الجادة. ثم تطور مفهوم الكلمة ليعني: تمثيلية كاملة قد تكون طويلة أو قصيرة تشتط في توظيف المرح، والتهريج، وخلق التناقضات الحادة، والحركات البدنية الهازلة بصفة أساسية. والهزلية تعرض الآداب والمواضعات الاجتماعية، والذوق العام، والمؤسسات المصطلح على جوهرياتها عرضا سيئا، حتى وكأنها تحول أعمدة المجتمع المقننة إلى أطلال وخرائب…. لأن الغرض الجوهري من المسرحية الهزلية هو إثارة الضحك وتحقيق الترفيه، والتسلية.
الجيغ- مسليات مسرحية: وتطلق اللفظة على العرض التمثيلي، الهزلي، اللا أدبي، الذي لا يستهدف غير الترفيه السطحي. وتغني كلماته المرحة الوقحة بعض الأحيانبمصاحبة الرقص، والموسيقى الشعبية. ويشترك في تأدية تمثيليات الجيغ ثلاثة أو أربعة ممثلون، غالباً ما يكون من بينهم مهرج.
ولقد كان هذا النوع من الأداء التمثيلي المسلي معروفاً في العصر الإليزابيثي (١٥٥٨- ١٦٠٣)، وكان يقدم أحياناً.
بعد عرض ملهوي كامل.
أصول الكوميديا
تحدث أرسطو Aristote (٣٨٤ – ٣٢٢ ق. م.) عن الكوميديا وأصولها في كتابه «فن الشعر» واعتبرها نوعا مسرحيا يُناقض التراجيديا. فكما تكون التراجيديا محاكاة لأفعال جليلة تقوم بها المضحكة شخصيات عظيمة، تكون الكوميديا محاكاة كما انبثق لأفعال الأدنياء تقوم بها شخصيات من منزلة المأساوي وضيعة، ولكن لا بمعنى وضاعة الخُلُق على والساخر. الإطلاق، فإنّ المُضحك ليس إلا قسماً من القبيح.
يؤكد أرسطو: “والكوميديا محاكاة لأشخاص أردياء، أي أقل منزلة من المستوى العام. ولا تعني “الرداءة” هنا كل نوع من السوء والرذالة، وإنما تعني نوعاً خاصاً فقط، هو الشئ المثير للضحك، والذي يعد نوع من أنواع القبح. ويمكن تعريف الشئ المثير للضحك بأنه الشئ الخطأ، أو الناقص، الذي لا يسبب للآخرين ألما أو أذى. ولنأخذ القناع الكوميدي المثير للضحك مثالاً يوضح ذلك. ففيه قبح وتشويه، ولكنه لا يسبب ألماً
عندما نراه.
في كتابه عالم الفلسفة، يشرح أحمد فؤاد الأهواني: “ولم يكن الأدب اليوناني يعرف في نشأته الملهاة أو الكوميديا، بل كان يُؤثِر المأساة أو التراجيديا ويحتفظ لها بالمكانة الرفيعة، ثم ظهرت بين حين وآخر بعض تمثيليات كوميدية لا تحتل من الأدب منزلةً لها قيمتها، بل كان الغرض منها تسلية الجمهور، وإشاعة روح اللهو والمرح والفكاهة. ثم استقلَّت الملهاة عن المأساة، واختُصَّت بيوم مُعيَّنٍ لتمثيلها في أثناء الاحتفال بأعياد ديونيسوس إله الخمر، وهناك يتبارى المؤلِّفون وتُمثَّل رواياتهم واحدةً بعد أخرى في الملعب الكبير أو المسرح الخاص بالإله ديونيسوس في سفح الأكروبوليس، حيث لا تزال آثاره باقيةً حتى اليوم. ويُمنح صاحب أفضل ملهاةٍ جائزةً تتطلَّع إليها الأنظار، وتدور عليها الأطماع.”
أما فيما يتعلق بالأصول المبكرة للكوميديا، فيبدو أن مصادرها التاريخية لم تكن كافية بين يدى أرسطو، أو ضاعت أخبارها في الجزء المفقود من الكتاب الحالي “فن الشعر”. والحقيقة، أن الكوميديا -كفن مرحي- لم تحظَ باهتمام الدولة إلا في وقت متأخر، وذلك عندما رضي حاكم أثينا أن يزود شعراء الكوميديا -عام ٤٨٧ ق.م.- بجوقة رسمية تشترك في العرض.
كوميديا أريستوفانيس (أرستوفان)عند ذكر الكوميديا الإغريقية، لا يبرز أمام الدارس سوى اسم اريتسوفانيس Aristophanes. لا يعني ذلك أن أريستوفانيس هو الشاعر الإغريقي الأول والأوحد الذي مارس كتابة الكوميديا، بل هناك من سبقوه في هذا المجال.

وفقاً لما تم ذكره في مقدمة نص الضفادع «كان المجتمع الإغريقي غنيا بالشعراء الكوميديين، ولقد حفظت مصادر قديمة قائمة لا حصر لها بعناوين لكوميديات نظمها هؤلاء شعراء، لكن لم يصلنا من هذه القائمة الطويلة سوى شذرات متفرقة قليلة قد لا تتيح للدارس فرصة للحكم على القيمة الأدبية والفنية لتلك الكوميديات، أو مدى ما كان يتمتع به كل من هؤلاء الشعراء من مكانة وشهرة أو تقدير. أما الشاعر الكوميدي أريستوفانيس، فقد وصلتنا من نظمه إحدى عشرة كوميديا كاملة، بالإضافة إلى كم هائل من الشذرات والمقتبسات والتعليقات النقدية والإشارات التاريخية. كما وصلتنا أيضاً عناوين الأربعين كوميديا».
وتمتاز هذه التمثيليات بالتحرُّر من القيود الأدبية التي كانت مفروضةً على المأساة بوجه خاص، كما تمتاز بحريةٍ واسعة في اختيار الموضوع والأسلوب والمنهج، ممَّا يُقارب بينها وبين الآثار الأدبية الحديثة، سواء أكانت خاصةً بالمسرح أم بغير المسرح. والناظر في هذه المسرحيات يرى أن جمهورها لا بد قد بلغ منزلةً راقيةً من الحياة العقلية، كما يرى أن حياة المدينة كانت على شيءٍ عظيم من الحضارة يُيسِّر لأهلها تذوُّق ذلك الفن الرفيع.يؤكد أحمد فؤاد الأهواني في كتابه عالم الفلسفة: “ويرى بعض النُّقاد أن الضحك الذي يبلغ حد القهقهة والقرقرة والإغراب هو عِماد الفُكاهة في ملهاة اريستوفانيس، حتى الآلهة لم تسلم من سخريته ولسانه الحاد. ولعلَّنا نعجب اليوم كيف يُسيء المؤلِّف في حقِّ الآلهة ويسمح لنفسه بهذه الجرأة، ولكن عجبنا يبطل إذا نفذنا إلى صميم المجتمع اليوناني وعرفنا روحه في ذلك الحين؛ فمن حق الشعراء الهزْليين أن يذهبوا إلى أقصى الحدود في فكاهتهم. وكان الشعب الأثيني سريع الفهم للنكتة، شديد الضحك للفُكاهة في ذاتها، حتى لو كانت تمس أشخاصهم، بل ذهبوا إلى أن الآلهة تشعر بالسرور من الفُكاهة الباعثة على الضحك كما يُسَر منها البشر. ويبدو أن الإغريق لم يُؤمنوا بآلهتهم الوثنية إيمان الاعتقاد واليقين. أمَّا الطبقة المستنيرة منهم، فقد وجدوا في الآلهة لونًا من التشبيه البارع. وأمَّا الشعب، فكانت عنايته منصرفةً إلى الاحتفالات والأغاني والرقص والمآدب، وإلى هذه المظاهر الخارجية التي تُثير الفضول دون أن يكمن وراء ذلك إيمان جِدي، أو إخلاص قلبي؛ فقد آمن الأثينيون بالآلهة عن طريق الخيال لا عن طريق العقل، وكانوا يُقيمون الطقوس المفروضة بغير تقوًى تصدر عن القلب. ولهذا السبب لا نجد الجمهور يهبُّ لتأييد الآلهة إذا مُسَّت بِشَرٍّ على المسرح، بل كانوا يتركونها تحمي نفسها إذا استطاعت.”
وإذا كان اريستوفانيس قد استطاع أن يُؤثِّر في جمهور المستمعين على اختلافهم في الثقافة والرأي، وتباينهم في النشأة والثروة، فلا ريب أنه قد امتلك عِنان البيان، وأوتي حظًّا كبيرًا في تصريف شئون اللغة بكل أسلوب؛ وهذا هو سر العبقرية في شاعرنا الهزْلي؛ فإن أسلوب تمثيلياته هو الذي كفل لها الخلود.
ولستَ تجد لشعراء اليونان نظيرًا من جهة البساطة والوضوح والأناقة والرشاقة. واريستوفانيس يبين بلسان قوي، ولفظ محكم، فيمضي إلى صميم المعنى وينفذ إلى عين الموضوع. وقد يبدو على أسلوبه طابع التهلهل والإهمال، حتى إذا كشفتَ عنه الغطاء وجدتَ الغاية في الإبداع، ونهاية الكمال، وروعة الفن، وجمال الصنعة. وحواره يُفصح عن قدمٍ راسخة في الفن.
ولقد عالج اريستوفانيس كل موضوع، ونزل إلى كل ميدان، وتحدَّث عن طبائع وأعمال الإنسان، غير أنه كان يقصر الخطاب على الأثينيين، فيُوجِّه النقد إلى الأخلاق الشائعة، والسياسة القائمة، والشِّعر الغالب، والفلسفة الجارية، والدين الموجود.
وكانت أهدافه الخُلُقية غايةً في السمو؛ فهو يرمي إلى إصلاح مفاسد الشعب حتى يعود إلى صفائه القديم الذي استمدَّ منه القوة والإلهام؛ ولهذا السبب يُلح اريستوفانيس في إظهار «أهل ماراتون» على المسرح، وهم أولئك الذين يدين لهم الأثينيون بالحرية والعظمة في حربهم مع الفرس. والواقع ليس امتداح الشاعر للجيل الماضي نوعًا من الحنين أو العبث؛ لأن أحداث التاريخ تُثبت أنه على حق، ولأن العادات المستحدثة كانت العلة في انحلال الأثينيين؛ فقد تعوَّد الشعب الكسل، وماتت في نفسه حوافز الهمة منذ اتسعت المجالس النيابية لحكم الجمهور. ومن جهة ثالثة أفسدت تعاليم السفسطائيين الشباب؛ فهم يُقدِّمون إليهم حشدًا من النظريات ولا يحفلون بالأخلاق. هذه هي السموم الثلاثة القاتلة للأخلاق، والتي عُنِي اريستوفانيس لعلاجها؛ المجالس النيابية، والاجتماعات العامة، وتعاليم السفسطائيين. وسبيل اريستوفانيس في العلاج هو تذكير الشعب بفضائل السلف، في مُقابل العبث السائد عند الخلَف.
لم يكن أرستوفان أعظم شاعر هزْلي لأنه نال إعجاب الجمهور في عصره فقط، بل لأنه حاز تقدير صفوة رجال الفكر في زمانه وإعجاب المحدثين.
مدرسة المشاغبين نموذجا للهزلية/ المهزلة
كما أوردنا سابقا تعريفات معجم المصطلحات الدرامية والمسرحية، فهي دراما غير موسيقية تطورت إلى تمثيلية كاملة قد تكون طويلة أو قصيرة تشتط في توظيف المرح، والتهريج، وخلق التناقضات الحادة، والحركات البدنية الهازلة بصفة أساسية. والهزلية تعرض الآداب والمواضعات الاجتماعية، والذوق العام، والمؤسسات المصطلح على جوهرياتها عرضاً سيئا، حتى وكأنها تحول أعمدة المجتمع المقننة إلى أطلال وخرائب…. لأن الغرض الجوهري من المسرحية الهزلية هو إثارة الضحك وتحقيق الترفيه، والتسلية.
في عام ١٩٧١ كتب علي سالم (١٩٣٦-٢٠١٥) كاتب ومسرحي مصري، وتشمل أعماله ١٥ كتاباً و٢٧ مسرحية أغلبيتها روايات ومسرحيات كوميدية وهجائية مسرحية (مدرسة المشاغبين) بطولة عادل إمام وسعيد صالح وسهير البابلي وإخراج جلال الشرقاوي.
يؤكد هشام عبد الحميد: “في أوائل السبعينيات؛ قدمت فرقة الفنانين المتحدين لصاحبها سمير خفاجي مسرحية “مدرسة المشاغبين” المأخوذة عن الفيلم الأميركي “To Sir, with Love” للنجم سيدني بواتييه. قدم الفيلم محاولة مهمة لفهم طبيعة طلاب المدارس في مرحلة المراهقة، وصوّر تمردهم على الأساتذة في تحليل سيكولوجي. كان الفيلم هادئا في عرضه، متزنا في طرحه”.
لم يتقبل الشعب المصري هذا الذوق الكوميدي مثلما تقبله اليونانيون من قبل. فتعرضت المسرحية لعدة انتقادات؛ أهمها: إفساد الذوق العام، وانحطاط القيم.
قامت نقابة المعلمين المصرية برفع دعوى قضائية عام ١٩٧٨ لوقف عرض هذه المسرحية على التلفزيون المصري، إثر ملاحظة أن الطلبة قد تأثروا بها بشكل كبير، وحاولوا تقليد شخصياتها، بل أن البعض منهم قام بالتعدي جسديا على معلميه وهي ظاهرة لم تكن موجودة في مصر من قبل ، حيث كان يحظى المعلم بهيبة؛ كما كتب أحمد شوقي: قم للمعلم ووفه التبجيلا.. كاد المعلم أن يكون رسولاً.
في عام ١٩٨٣، قام عدد من أطباء النفس المصريين في جامعة القاهرة بعمل دراسة حول الآثار السلبية الناجمة عن هذه المسرحية ، وشملت الدراسة ١٠ آلاف طالب من المشاغبين خصوصا في المراحل الثانوية والإعدادية. واكتشفوا أن نحو ٧٠ بالمئة منهم كانوا يقلدون شخصيات المسرحية في محاولة منهم لنيل إعجاب واحترام زملائهم.
يرى الباحث أنه بالرغم الانتقادات التي تعرضت لها المسرحية، فقد تقبلها الجمهور بشكل ما، فقد عرضت الواقع الذي عاشه الشباب المصري بعد نكسة ٦٧، وما بلغه من التمرد ورفض السلطة حيث تناقش المسرحية الصراع بين الأجيال، وانهيار النظم التعليمية، ورفض سلطة الكبار.
فقد كشفت مدرسة المشاغبين” خواء الكبار الممسكين بالسلطة وانغلاقهم، بل وعجزهم وفشلهم، فكان التهكم والسخرية كفراً بهذه السلطة التي قدمت نموذجاً أبوياً فاشلاً للشعب، وأضحك المشاغبون الناس على وجعهم المكبوت في لا وعيهم الجمعي.
يؤكد هشام عبد الحميد: ” مما لا شك فيه أن مسرحية “مدرسة المشاغبين” كانت أحد أصداء حركات الشباب الغاضبة المتمردة التي ماج بها العالم في ذلك الوقت، وتحديداً حركة الشباب عام ١٩٦٨ في فرنسا وألمانيا؛ كما عبّرت أيضاً عن حركة الشباب التي ظهرت في مصر في ذات الفترة رافضة التقاليد الزائفة، والادعاء والنفاق السياسي المتبجح.”
الاستاند أب كوميدي نموذجاً للجيغ/ المسليات المسرحية
وكما أوردنا تعريفها، جيغ Gig تطلق على العرض التمثيلي، الهزلي، اللا أدبي، الذي لا يستهدف غير الترفيه السطحي. وتغني كلماته المرحة الوقحة بعض الأحيانبمصاحبة الرقص، والموسيقى الشعبية. ويشترك في تأدية تمثيليات الجيغ ثلاثة أو أربعة ممثلون، غالباً ما يكون من بينهم مهرج.
ما أشبه اليوم بالبارحة! تعرف Gig في قاموس كامبريدج كأداء فردي لأحد الموسيقين أو فرقة موسيقية، أو أحد الكوميديانات (مؤدٍ يضحك الجمهور سواء بإطلاق النكات أو حكي القصص المضحكة.
قد يكون عرضاً فردياً أو عرضاً جماعياً لعدد من فنانين الاستاند أب (الكوميديا)، ويقدم كل منهم فقرة خاصة به، ويعتمد نجاح العرض على تفاعل الجمهور مع المؤدي/ المؤديين.

تعرف إيمان إمبابي فن الاستاند أب كوميدي: “أحد ألوان المسرح المتحرر من قيود الكلاسيكية اعتمد علي الحركة والارتجال كأهم أدوات فنانيه فانتشر بسرعة في مصر ولاسيما بعد الثورة.”
وتستطرد إيمان إمبابي: “هذا اللون الفني الذي يلغي الحائط الرابع بين الفنان والجمهور، قد يعتبره البعض الوجه الآخر للمونولوج.. يناقش القضايا نفسها تقريباً.. رغم أن كثيرين يرونه بشكله الحالي فناً أمريكياً بدأ في عشرينيات القرن الماضي في السينما ثم انتقل إلي خشبة المسرح.. إلا أن متابعة الفنون المصرية القديمة والحديثة بألوانها المختلفة تؤكد اهتمام المصريين بتطوير ألوان فنية عبر عصور متتابعة، أكثر من تركيزهم علي نقل ألوان بعينها من بلدان أخري. ففي عشرينيات القرن الماضي.. بدأت عروض الرجل الواحد أمام ستار مغلق قبل بدء العرض المسرحي في الولايات المتحدة.. أو قبل بدء حفل موسيقي ما.. ثم تطور منذ بداية الخمسينيات إلي فقرات خاصة تقدم في النوادي الليلية والمطاعم وفي الثمانينيات كانت ذروة انتشار هذا الفن في أنحاء الولايات المتحدة ولاسيما نيويورك.. ومنها بدأت شهرة نجوم وكتاب ومخرجي كوميديا معاصرين مثل روبن ويليامز ووودي الآن وجيري ساينفيلد.. ففنان الـستاند أب كوميدي فنان شامل يكتب ويخرج ويمثل ويرتجل.”
وعن تقبل الجمهور لهذا اللون من الكوميديا، يرى الناقد رامز عماد: “أن «ستاند أب كوميدى» فن قديم جدًا، موضحًا أنه إذا نظرنا إلى السياق الغربى، سنجد أنه ظهر فى الستينيات والسبعينيات، وكانت له آثار أقدم من ذلك أيضًا. كما رأى أنه فن أقرب إلى فنون الشارع، لكنه تطور كثيرًا فى الوقت الحالى، وأصبح من الفنون الأكثر انتشارًا وتأثيرًا فى الغرب، خاصة فى أمريكا، لكنه لا يعد فنًا حديثًا فى مصر، لأن لدينا موروثًا شعبيًا خاصًا بنا، بداية من رواة السيرة والحكواتية ثم المونولوجست. وأضاف أن «ستاند أب كوميدى» ظهر فى مصر عام ٢٠٠٥، واشتهر جدًا، وكان له فنانون مؤثرون مثل: على قنديل وجورج عزمى وأيمن مقار ووليد فواز وأكرم حسنى وغيرهم، ثم خفت نجمه ليعود للظهور مجددًا بفضل «السوشيال ميديا».”
يعزو الباحث تاريخ الجيج أو الاستاند اب كوميدي مما ذكرنا في ماهية الكوميديا إلى الكوميديا الإغريقية التى تمثلت في جيغ/ مسليات مسرحية.
تتناول الجيغ الحالية موضوعات مواكبة للعصر مثل: الفروق بين الأجيال_ ما يطلع عليه جيل Z (مواليد الألفينات) وجيل الألفية Millennials(مواليد الثمانينات والتسعينات)، المستويات الاجتماعية المتفاوتة فيتم تصنيفهم كمن انحدروا من مصر أو ايجيبت Egypt، الكلمات المتداولة بالانجليزية على ألسنة الشباب، وآخر الصيحات، ومشاكل الشباب الاقتصادية؛ وخاصة في مواجهة سوق العمل ومتطلبات الزواج. يؤكد عمر مأمون: “أن هذا الفن لا يبحث عن إيصال رسائل اجتماعية، لكنه يقدم الضحك بشكل أساسى وإن كان يتسم بالجرأة فى مناقشة المشاكل التى يمكن أن تسبب الحرج، موضحًا: «لما نكون مكسوفين نتكلم بجد. فالكوميديا والهزار بيسهل طرح الموضوعات بشكل لذيذ، وطالما ضحكت الجمهور فالضحك مالوش قواعد ولا شروط”. المبهر أننا عدنا لتقبل هذا النوع من الكوميديابالرغم من أنه دخيل على الثقافة العربية وبالرغم تعرضها لبعض الانتقادات فيما يخص الابتذال أو انحطاط القيم _ كما تقبل اليونانيون.
من مؤديين الاستاند أب كوميدي في مصر حالياً:
علي قنديل، صلاح الدالي،صالح النواوي، عمرو وهبة، محمود حسن، أحمد مجدي، علاء الشيخ، مينا نادر
ويلخص الباحث أنه بالرغم تنوع أشكال الكوميديا، فإنها تظل مرآة للشعوب حيث تواكب العصر وتعرض المشاكل التي يواجهها الشباب والجمهور عموماً. وقد تكون السخرية نقداً بناء يساعد بالفعل على تغيير المجتمع بشكل إيجابي.
المراجع
إبراهيم حمادة، معجم المصطلحات الدرامية والمسرحية، القاهرة، مكتبة الانجلو المصرية، ١٩٩٤، ط ٣.
أحمد فؤاد الأهواني، في عالم الفلسفة، وندسور، المملكة المتحدة، مؤسسة هنداوي، ٢٠٢٣.
إيمان امبابي، استاند أب كوميدي.. مسرح عابر للحواجز، جريدة الأهرام اليومي، ٧ مايو ٢٠١٣، العدد ٤٦١٧٣. استاند أب كوميدي.. مسرح عابر للحواجز – الأهرام اليومي
ارسطو، فن الشعر، إبراهيم حمادة، القاهرة، مكتبة الانجلو المصرية، ٢٠١٩، ط ٢.
اريستوفانيس، الضفادع، د. عبد المعطي شعراوي، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب_ الكويت، سلسلة من المسرح العالمي، العدد ٣٥٨، ٢٠١٢.
هشام عبد الحميد، “مدرسة المشاغبين”.. المظلومة!، الجزيرة، ٢٨ فبراير ٢٠٢٠. “مدرسة المشاغبين”.. المظلومة! | الجزيرة نت
هل الكوميديا مرآة الشعوب؟ جريدة مسرحنا، العدد ٨١٧، ٢٤ أبريل٢٠٢٣. جريدة مسرحنا
ياسمين عباس، زمن “الاستاند اب كوميدي”، الدستور، ١٥ مايو ٢٠٢٣. زمن الـ«ستاند أب كوميدى».. 8 فنانين يتحدثون.. و3 نقاد يردون.
★ناقدة ـ مصر




