بثينة زمال:نحو أفق تأويلي جديد.. قراءة فلسفية في كتاب “نهاية الحداثة” لجياني فاتيمو.


بثينة زمال★
يُعَدُّ كتاب نهاية الحداثة للفيلسوف (جياني فاتيمو) من الأعمال الفلسفية، التي تسعى إلى إعادة مساءلة الأسس، التي قامت عليها الحداثة الغربية، من خلال تفكيك مفاهيم الحقيقة والذات والتاريخ… كما ينتمي هذا العمل إلى أُفُق فلسفي يتقاطع مع أطروحات (فريدريك نيتشه) و(مارتن هايدغر) ؛ حيث تتشكل أطروحته المركزية، حول فكرة العدمية بوصفها قدراً تاريخياً للفكر الغربي، والتأويلية باعتبارها أُفُقاً بديلاً للفهم..كما أن الكتاب يتمحور حول إشكالية جوهرية، تتعلق بإمكان التفكير في الحقيقة والمعنى بعد انهيار الأسس الميتافيزيقية، التي كانت تمنح للوجود تماسكه..
ينبني الكتاب على ثلاثة أقسام كبرى، تُمَثِّلُ مقولات نظرية متكاملة، في القسم الأول، المعنون بـ”العدمية قدراً” يُقَدِّمُ (فاتيمو) تشخيصاً للوضع الفلسفي المعاصر؛ حيث يتم فهم العدمية بوصفها نتيجة لمسار طويل من تفكك القيم العليا، التي حكمت الفكر الغربي، كما أنه يستند في ذلك إلى التصور النيتشوي لموت الإله، الذي يكشف عن انهيار المرجعيات المطلقة، إضافة إلى التحليل الهايدغري، الذي يُبْرِزُ نسيان الكينونة داخل تاريخ الميتافيزيقا.. ضمن هذا الأُفُق ، يفقد الإنسان مركزه (أُفول الإنسان رمزياً) وتغدو الحقيقة غير قابلة للتأسيس على دعامة ثابتة، مما يفتح المجال أمام تعددية التأويلات.. كما يرتبط هذا الوضع بأزمة الأنسنة في ظل هيمنة التقنية، التي أعادت تشكيل علاقة الإنسان بالعالم، وحوَّلته إلى كائن منخرط في منظومة عقلانية أداتية.. وينتقل في تحليله للقسم الثاني، الذي عنونه بـ “حقيقة الفن” إلى المجال الجمالي بوصفه فضاء، لإعادة تعريف الحقيقة.. فنلحظ (فانيمو) قد تناول فكرة “موت الفن” باعتبارها تعبيراً عن تحوُّل في وظيفته؛ حيث لم يَعُدِ الفن يحتفظ باستقلاليته التقليدية، وأصبح جزءاً من منظومة ثقافية واسعة، تحكمها وسائل الاتصال.. هذا التحوُّل أدَّى إلى تعميم الجمالية، بحيث امتدت الخبرة الفنية إلى مختلف مجالات الحياة اليومية، مما أفقدها طابعها النخبوي.. في هذا السياق يُعيد (فاتيمو) صياغة مفهوم(الحقيقة) من خلال العمل الفني مستلهما التصوُّر الهايدغري، الذي يرى في الفن مجالاً لانكشاف الكائن عبر صراع بين “العالم” و”الأرض”.. كما يُبرِز الطابع التأويلي للفنّ؛ حيث تتشكل معانيه داخل شبكة من العلاقات بين العمل والمتلقي والسياق الثقافي..
أما القسم الثالث الذي وسمه بـ “نهاية الحداثة” فيُمَثِّلُ أُفُق التركيب، الذي تتقاطع فيه العدمية مع التأويلية.. فيتم هنا بلورة تصوُّر لما بعد الحداثة، يقوم على الاعتراف بغياب الأساس والانخراط في تعددية الدلالات، باعتبار أن الحقيقة قد اتخذت طابعاً تأويلياً؛ حيث لم تَعُدْ تقوم على المطابقة أو البرهنة بقدر ما تعتمد على الإقناع والبيان.. كما يتم تحليل العلاقة بين التأويل والأنثروبولوجيا في سياق عالم يشهد تداخل الثقافات وتراجع الحدود الفاصلة بينها.. في هذا الإطار يطرح (فاتيمو) مفهوم “التعافي” بوصفه نمطاً من التفكير، يُعيد تأويل التراث دون القطيعة معه، ويؤسس لعلاقة جديدة مع الماضي تقوم على الفهم التاريخي والانفتاح..
كما تتجلَّى القيمة المعرفية للكتاب في قدرته على تفكيك النزعة التأسيسية والكشف عن الطابع التاريخي للمعرفة، مع إبراز دور اللغة والتأويل في تشكيل الحقيقة.. كما يندرج ضمن مشروع أوسع لدى (فاتيمو) يتقاطع مع أعمال أخرى له، مثل كتابه “تفكيك الصهيونية: نقد ميتافيزيقا سياسية” ؛حيث يتم توظيف المنظور التأويلي في نقد الخطابات السياسية ذات النزعة التأسيسية، مما يعكس وحدة المشروع الفكري لديه..
رغم هذا الغنى، يُثير الكتاب إشكالات إبستيمولوجية تتعلق بحدود النسبية التأويلية؛ حيث يُؤدي تقويض فكرة الحقيقة الموضوعية إلى صعوبة وضع معايير دقيقة للتمييز بين التأويلات.. كما أن تبنّي العدمية بوصفها أُفُقاً للفكر قد يضعف إمكانية تأسيس معرفة نقدية متماسكة في ظل غياب مرجعية واضحة.. أضف إلى ذلك أن هذا الخطاب (نهاية الحداثة) أصبح يتسم بدرجة عالية من التعقيد نتيجة اعتماده على مرجعيات فلسفية كثيفة مما يجعله موجهاً أساساً إلى المتخصصين.
عموماً نخلُص إلى أن (فاتيمو) قَدَّم من خلال مشروعه، مساهمة فلسفية بارزة في نقد أسس الحداثة وإعادة التفكير في مفاهيمها المركزية.. يقوم هذا الأخير على تشخيص العدمية وإعادة تعريف الحقيقة من خلال الفن وبلورة أُفُق تأويلي لما بعد الحداثة.. وأهميته تكمن في فتحه المجال أمام تصوُّر تعدُّدي للمعرفة يُقِرّ بتاريخية الحقيقة وانفتاحها.. ومع ذلك يظل هذا الأُفُق بحاجة إلى تدعيم إبستيمولوجي، يضمن إمكانية التقويم داخل فضاء التأويل..فالكتاب على الرغم من أسلوبه الفلسفي المعقد قد غدا نصاً غنياً ومُحَفِّزاً للتفكير، يضع القارئ أمام تحدي إعادة النظر في مُسَلَّمات راسخة، ويُؤسِّسُ لمسار فلسفي يقوم على الانفتاح والحوار..
★ متخصصة في ميدان الأدب العربي شعبة الدراسات النقدية فرع النقد الحديث والمعاصر.




