وليد خيري:المتاهة والإنسان تشريح القهر الوجودي في مسرح “عباس الحايك”.


وليد خيري★
يُشكِّل “عباس الحايك”، الكاتب المسرحي والسيناريست السعودي ومؤسس بيت المسرح بالدمام، حالة استثنائية في المشهد المسرحي العربي المعاصر. فنصوصه المسرحية التي قُدَّمت في أكثر من نسخة وبتصورات إخراجية متنوعة عبر العواصم العربية، تُؤكد أن هذا الكاتب قد حصد مكانة بارزة بين المسرحيين العرب، ليس فقط بوصفه كاتباً منتجاً، بل بوصفه مفكراً مسرحياً يمتلك رؤية فلسفية واضحة، ومشروعاً جمالياً متماسكاً.
تتميز كتابات “الحايك” بقدرتها على تجاوز الحدود الجغرافية والثقافية؛ حيث وصلت نصوصه إلى مدن عربية لم يزرها بنفسه، ما يعكس عمق الأسئلة التي يطرحها، وأصالة المعالجة الدرامية التي يُقدِّمها.
عند تأمل مجمل أعماله المسرحية، نكتشف أن “الحايك” ينسج عالماً مسرحياً يُهيمن عليه هم مركزي واحد: الصراع الأبدي بين سلطة القهر بأشكالها المتعددة (الاِجتماعي، السياسي، الوجودي، الطبقي، الجندري) وبين الروح الإنسانية الساعية دائماً نحو التحرر والخلاص.
هذا الهم المهيمن لا يظل محصوراً في بُعد واحد، بل يتفرَّع إلى تيمات متشابكة تتجلى في مسرحياته بصور مختلفة: الاِحتجاز المكاني (القارب التائه، القفص، السجن)، الاِحتجاز الزماني (الاِنتظار الأبدي)، الاِحتجاز الهوياتي (تمزُّق الذات)، والاِحتجاز الطبقي والاِقتصادي (المزبلة، الفقر). يُصبح المسرح عند “الحايك” فضاءً لطرح الأسئلة الوجودية الكبرى، ولاستكشاف حدود الحرية الإنسانية في مواجهة القيود المتراكمة.
جماليات المكان المحتجز: من القارب التائه إلى القفص الحديدي
يَبرز المكان في مسرح “عباس الحايك” بوصفه أكثر من مجرد خلفية للأحداث، فهو عنصر درامي حي ومولد للصراع، بل هو في كثير من الأحيان الشخصية الرئيسة التي تحدد مصائر الأبطال، وتفرض عليهم خياراتهم المأساوية. يتعامل “الحايك” مع المكان كسجن رمزي يحاصر شخصياته، ويُحوِّلهم إلى كائنات محتجزة تبحث عن منفذ للنجاة، حتى لو كان هذا المنفذ هو الموت نفسه.

في مسرحية “التيه”، يضع “الحايك” أربعة أشخاص (ابن النوخذة، عيسى، مبارك، الهنام) في قارب جالبوت تائه وسط البحر هنا، البحر الذي يُفترض أن يكون رمزاً للحرية والاِنفتاح، يتحوَّل إلى سجن مائي مفتوح يُهدِّد الجميع بالموت. الشخصيات محاصرة بين “الماء والملح والسماء”، في مثلث وجودي قاسٍ لا مخرج منه.
المفارقة الدرامية تكمن في أن هؤلاء الهاربين من القهر الطبقي والاِجتماعي في مدينتهم، يجدون أنفسهم أمام قهر وجودي أشد ضراوة.
البحر يُصبِح مرآة تعكس الصراع الطبقي الداخلي بين ابن النوخذة (ممثل الطبقة المسيطرة) والفقراء، لكن التيه يساويهم جميعاً
أمام الموت. هذه الجدلية بين الهروب من قهر والوقوع في قهر آخر هي إحدى السمات الأساسية في مسرح “الحايك”، وتعكس رؤية فلسفية تؤكد استحالة الفكاك التام من أشكال السلطة والاِحتجاز.
وإذا كان القارب التائه في “التيه” يُمَثِّل الاِحتجاز الأفقي، فإن مسرحية “المعلقون” تُقدِّم الاِحتجاز العمودي في صورته الأكثر رعباً.
أربع شخصيات تتشبث بحبال معلقة فوق هُوَّة سحيقة، هاربة من الذئاب التي تطاردها.
هذا الموقف الدرامي المتطرف (أربعة أشخاص معلقون في الهواء) يضع المتفرج أمام حالة من التوتر الوجودي الخالص. الشخصيات عالقة بين خيارين كلاهما مميت: الموت جوعاً وهي تتشبث بالحبال، أو السقوط في الوادي.
هنا، يتجلّى البُعد التراجيدي في أنقى صوره؛ حيث تُحاسَب الشخصيات بعضها على بعض، وتُلقي اللوم على الأب (الذي يمثل الماضي والقرارات الخاطئة السابقة).
يؤكد “الحايك” من خلال هذا النص أن القهر ليس فقط نتيجة لسلطة خارجية، بل هو أيضاً تراكم لأخطاء الماضي التي تحاصر الحاضر وتُقيِّده.
أما في مسرحية “زهرة الحكايا”، فيأخذ المكان المحتجز شكلاً مادياً صريحاً: القفص الحديدي.
زهرة، بطلة المسرحية، مِحتجَزَة في هذا القفص بسبب عيب خلقي (تساقط الشعر)، وهو ما يجعلها منبوذة اجتماعياً. القفص هنا ليس مجرد بناء معدِني، بل هو تجسيد للأعراف والموروثات الاِجتماعية القاسية التي تسجن المرأة وتمنعها من تحقيق ذاتها. يصبح القفص رمزاً مُركَّباً: فهو في آن واحد حماية وسجن، عزلة مفروضة ورفض اجتماعي.
من خلال هذا الفضاء المحدود، ينتقد “الحايك” بشكل حاد المجتمعات التي تحاكم الأفراد بناءً على معايير جسدية أو اجتماعية خارجة عن إرادتهم، مُحوِّلة حياتهم إلى سجن دائم.
المكان المحتجز يظهر أيضاً في “المزبلة الفاضلة”؛ حيث تتخذ مجموعة من الشخصيات المهمشة من مكب النُفايات موطناً لها. المزبلة تُمَثِّل أدنى درجات الاِحتجاز المادي، فهي ليست فقط مكاناً قذراً، بل هي رمز للإقصاء الاِجتماعي الأشد قسوة. المثقف (الثالث) والممثل (الأول) يجدون أنفسهم مضطرين للبحث عن الطعام والكتب المستهلكة في هذا الفضاء المنبوذ. التناقض الصارخ بين أحلامهم “الأرستقراطية” والواقع البائس الذي يعيشونه يكشف أن الفقر هو الشكل الأكثر وضوحاً وإذلالاً للاِحتجاز.
وحين تحتفل الشخصيات بعيد ميلاد المزبلة، فإن هذا الاِحتفال الساخر يُمَثِّل اعترافاً مريراً بالاستسلام، محاولة يائسة لإيجاد معنى وسط اللامعنى.
في مسرحية “الموقوف رقم 80″، ينتقل المكان المحتجز من الطبيعي والاِجتماعي إلى السياسي. الزنزانة وغرفة التحقيق تصبحان فضاءين للقهر السياسي والنفسي معاً. السجين يجلس أمام المحقق في صراع حول الذاكرة والاعتراف بالذنب، وهو صراع يكشف أن القهر لا يطال السجين وحده، بل يخترق المحقق نفسه الذي يعيش تحت وطأة الخوف والقسوة الموروثة من أبيه.
نهاية المسرحية بعودة محقق جديد وسجين جديد بنفس الحوارات تعكس الطبيعة الدائرية للقهر السياسي، وتؤكد استحالة الفكاك من سلطة النظام. الزمن الدائري هنا يتحوَّل إلى شكل آخر من أشكال الاِحتجاز: السجن الزمني؛ حيث التاريخ يعيد نفسه بلا نهاية.

اللغة المسرحية بين الشعري والفلسفي
لا تقتصر جماليات مسرح “عباس الحايك” على المكان وحده، بل تمتد إلى اللغة المسرحية التي يوظفها بوصفها أداة للكشف عن العذابات الداخلية للشخصيات المحتجزة. “الحايك” يكتب لغة مسرحية تتجاوز كونها مجرد حوار يخدم الحبكة، لتصبح نسيجاً شعرياً وفلسفياً يُعَمِّق البُعد الدرامي، ويضيف طبقات من المعنى إلى الأحداث.
في مسرحية “ليلة الوحشة”، نجد السيد يعبر عن وحشته وفقدانه لأهله بوجود الخادم، مُستخدماً لغة مأساوية تراجيدية تعكس العزلة الوجودية.
اللغة هنا ليست وصفية بقدر ما هي تأملية، تنبع من أعماق الذات المعذبة. وفي “الموقوف رقم 80″، يُعَبِّر المحقق عن انكساره وحزنه تحت سلطة الخوف الأبوي بلغة تمزج بين القسوة الظاهرية والهشاشة الداخلية.
هذه الاِزدواجية في اللغة تكشف عن تعقيد الشخصية المسرحية عند “الحايك”، فالمحقق ليس شريراً خالصاً، بل هو ضحية لنظام قهر ورثه وأصبح أداة في تنفيذه.
من أبرز التِّقْنيات اللغوية التي يُوظِّفها “الحايك” هي إدخال الأغاني والمواويل التراثية لتعميق البُعد الدرامي. في مسرحية “التيه”، يُغَنّي “الهنام” لحبيبته “آمنة” التي اشتاق إليها، ويصبح الغناء وسيلته للهروب الروحي من الاِحتجاز. الأغنية هنا ليست عنصراً ديكورياً أو ترفيهياً، بل هي فعل مقاومة وجودي، محاولة للحفاظ على الإنسانية في مواجهة التيه والموت المحدق.
وفي مسرحية “فطيم”، تُوَظَّف الأغاني الشعرية للتعبير عن علاقة الشخصيات بالبحر، ذلك الفضاء الطبيعي المُهَدَّد بالردم والتدمير.
الغناء يصبح صوت الذاكرة الجماعية التي تقاوم النسيان والمحو.
في مسرحية “نوارس أيوب”، يتجلّى البُعد الفلسفي للغناء بشكل أوضح. “أيوب” المغني يُصِرُّ على أن الغناء هو حياته ووسيلة الناس للتحرُّر من كآبة حياتهم، في مواجهة سلطة الرقابة الاِجتماعية والدينية المزيفة التي يُمَثِّلُها أبو نصار.
الصراع حول الغناء هنا هو في جوهره صراع حول حق الإنسان في التعبير الفني والفرح، وهو حق تحاول السلطات المحافِظَةُ قمعَهُ بدعوى الحرام والعيب.
أما في مسرحية “إصبع روج”، فنجد لغة تتجاوز التقليدي لِتُعَبِّرَ عن التمزُّق الهُوياتي الأعمق.
الرُّوح والجسد يتحاوران بلغة فلسفية عميقة حول الهُوية الجنسية والجندرية؛ حيث ترفض الرُّوح القوالب المفروضة، وتطالب بحقها في أن تكون كما تشعر، بينما يُصِرُّ الجسد على الاِنصياع لتوقعات الأهل والمجتمع.
هذا الحوار الداخلي المنشطر يكشف عن قدرة “الحايك” على تناوُل قضايا معاصرة شائكة (الهُوية الجندرية) بلغة مسرحية تحترم عمق المعاناة الإنسانية دون أن تَسقُطَ في الوعظ أو المباشرة.
وفي مسرحية “على عتبة الاِنتظارات”، تبرز لغة اليأس الوجودي. الشخصيات عالقة عند بوابة المدينة الأخرى، ممنوعة من العبور لغياب الضابط، والاِنتظار يتحوَّل إلى حالة لغوية وفلسفية. الممثل الثاني يُفْصِحُ عن سأمه من الاِنتظار في لغة تُذَكِّرُنا بمسرح العبث (بيكيت تحديداً)، لكن “الحايك” لا يتوقف عند العبث، بل يدفع شخصياته نحو التمرُّد على هذا الاِنتظار، نحو فعل حاسم يكسر دائرة الجمود.
الشخصية المسرحية: أبطال على حافة الهاوية
تتميز الشخصيات المسرحية في أعمال “عباس الحايك” بكونها شخصيات مأزومة وجودياً، تقف دائماً على حافة الهاوية بين الحياة والموت، بين الاِستسلام والتمرُّد، بين الذاكرة والنسيان.
هذه الشخصيات ليست بطولية بالمعنى التقليدي، بل هي شخصيات عادية ألقت بها الظروف في مواقف حدِّية تكشف عن جوهرها الإنساني.

في “فصول من عذابات الشيخ أحمد”، نلتقي بالشيخ أحمد الذي يُمَثِّل صوت الثورة والتحريض ضد ظلم المحتل البرتغالي، والقهر الداخلي المُتَمَثِّل في طغيان التجار والنواخذة. الشيخ أحمد شخصية مركبة: فهو قائد روحي وثائر في آن، لكنه يُواجِهُ خيانة الناس الذين “باعوا أنفسهم للقرش”. هذا الصراع بين المثال الثوري، والواقع المُخذِل يضع الشخصية في حالة من العذاب المستمر الذي يشير إليه عنوان المسرحية. “الحايك” لا يُقدِّم لنا بطلاً منتصراً، بل إنساناً يحمل قضية عادلة، لكنه يصطدم بضعف البشر وجشعهم.
في “المزبلة الفاضلة”، تبرز شخصية المثقف (الثالث) كنموذج للمثقف المهمش الذي كتب كتاباً، لكن مصير هذا الكتاب أن يُرمى في المزبلة “كأنه نسخة عن بقايا طعام نتن”.
هذه الشخصية تجسد مأساة الفكر والإبداع في مجتمع يهتم بالمادة على حساب المعنى. المثقف في مسرح “الحايك” ليس برجاً عاجياً منفصلاً عن الواقع، بل هو جزء من الواقع المأزوم، يعاني الجوع والإذلال كبقية المهمشين. هذه الرؤية النقدية للمثقف تعكس وعياً حادّاً بأزمة الثقافة والمثقفين في المجتمعات العربية المعاصرة.
في مسرحية “نجيبة في عزلتها الأخيرة”، نلتقي بشخصية امرأة عادت من غربة دامت سنوات، متوقعة أن يقابلها الأهل بالاِشتياق، لكنها تُفاجأ بالبرود والاِستغلال. “نجيبة” تحتجز نفسها في البيت، منتظرة اعترافهم بتضحيتها، لكنها تُدرك تدريجياً أن تضحيتها كانت “من أجل وَهْم”.
هذه الشخصية تُمَثِّل نموذج المرأة المُضحية التي تكتشف أن المجتمع لا يُقدِّر التضحية العاطفية، بل يستغلها ثم ينساها.
عزلتها النهائية ليست خِياراً، بل هي نتيجة حتمية للوحدة القاسية في مجتمع فَقَدَ قيمه الإنسانية.
شخصية أيوب في “نوارس أيوب” تُقدِّم نموذجاً للفنان المضطهد الذي يعيش كشبح بعد أن حاول “أبو شاهي” و”أبو نصار” قتله ورميه في البحر لمنعه من الزواج من حبيبته، ولأنهم يعتبرون الغناء “حراماً”.
” أيوب” يُصِرُّ على أن الغناء هو حياته، ورغم محاولة قتله، يظل متمسكاً بفنه.
هذه الشخصية تُجسِّد صمود الفنان أمام سلطة القمع، وتؤكد أن الفن أقوى من الموت، “فأيوب” حتى بعد موته (أو شبه موته) يظل حاضراً بصوته وأغانيه.
في “حارس المسرح”، نلتقي بكريم، الممثل السابق الذي أصبح حارساً للمسرح، وهو يجد عزاءه في أن “الرضا يهديه” بالوظيفة الجديدة.
لكن شغفه بالتمثيل يظل حياً، ففي الليل يرتدي ملابسه ويمارس فن التمثيل على خشبة المسرح الفارغة، مستدعياً نصوصاً كلاسيكية، مثلَ مكبث ودونكيشوت. هذه الشخصية تُجسِّد مأساة الفنان المُهمَل الذي لم تسنح له الفرص، لكنه لا يستسلم، بل يُحوِّل المسرح الفارغ إلى مسرحه الخاص، يُحقِّق فيه حلمه بعيداً عن أعين الجمهور.
كريم يُمَثِّل كل الفنانين الذين همشهم النظام التجاري والإعلامي، لكنهم يحتفظون بشعلة الفن في داخلهم.
التِّقْنيات الإخراجية المقترحة في النصوص
رغم أن “عباس الحايك” كاتب مسرحي، وليس مخرجاً، إلا أن نصوصه تحمل في طياتها إشارات إخراجية واضحة ومقترحات تِقْنية تعكس وعياً عميقاً بمتطلبات العرض المسرحي.
هذه التِّقْنيات لا تُفرض على المخرج بشكل ديكتاتوري، بل تُقدَّم كرؤية فنية متكاملة تنطلق من طبيعة النص ذاته.
اِستخدام الرمزية المكانية هو إحدى أبرز هذه التِّقْنيات. القفص في “زهرة الحكايا”، القارب في “التيه”، الحبال المعلقة في “المعلقون”، السجن في “الموقوف رقم 80″، كلها رموز مباشِرة لحالة الاِحتجاز المادي أو النفسي.
هذه الأماكن تفرض على المخرج تصورات سينوغرافية مُحدَّدة، وتدفعُه نحو إيجاد حلول إبداعية لتجسيد هذه الفضاءات على خشبة المسرح. فمثلاً، تقديم مشهد أربعة أشخاص معلقين بحبال في “المعلقون” يتطلب مهارة تِقْنية عالية وإبداعاً في الإضاءة والديكور، ما يجعل العرض تحدياً فنياً بحد ذاته.
تِقْنية الزمن الدائري في “الموقوف رقم 80” تعكس الطبيعة الدائرية للقهر السياسي. نهاية المسرحية بعودة محقق جديد وسجين جديد بنفس الحوارات تفرض على المخرج التعامل مع الزمن المسرحي بشكل غير خطي، وتدعوه إلى إيجاد وسائل بصرية أو سمعية تؤكد هذه الدائرية (كالإضاءة التي تخفُتُ ثم تعود، أو الموسيقى التي تتكرر). هذه التِّقْنية تُذَكِّرنا بمسرح العبث، لكنها عند “الحايك” تحمل بُعداً سياسياً واضحاً يتجاوز العبث المجرد.
في مسرحية “إصبع روج”، يستخدم “الحايك” تِقْنية ثنائية الرُّوح والجسد؛ حيث يُقسّم البطل إلى كيانين متناقضين يتناوبان على أداء حوارات الأم والأب والمُدرِّس.
هذه التِّقْنية (Dual-role playing) تخدم التعبير عن تمزِّق الهُوية والاِحتجاز النفسي، وتفرض على المخرج والممثل تحدياً أدائياً كبيراً. يمكن تجسيد هذه الثنائية من خلال ممثلَيْن اثنين يلعبان دور الرُّوح والجسد، أو من خلال ممثل واحد يستخدم تِقْنيات الأداء المتناوِب والأقنعة والإضاءة؛ لإظهار الاِنشطار الداخلي.
استخدام الأغاني والمواويل التراثية يُشكِّل تِقْنية أخرى مهمة في مسرح “الحايك”.
هذه الأغاني ليست مجرد فواصل موسيقية، بل هي جزء عضوي من البناء الدرامي. في “التيه”، غناء الهنام لآمنة يعكس الهروب الرُّوحي من الاِحتجاز، وفي “نوارس أيوب”، الغناء هو الفعل الثوري الذي يقاوم القمع. المخرج مدعو هنا إلى اختيار الأغاني بعناية، والعمل مع ملحن ومغنين يستطيعون تجسيد هذا البُعد الدرامي بصدق.
في مسرحية “مسوخ”، نجد تِقْنية المسخ أو التشويه كأداة للتعبير عن قهر النمطية والإلغاء المهني.
المسوخ هي شخصيات ترتدي أقنعة بلا ملامح، وتتحدث كروبوتات أو أشباح، وهي تُمَثِّل سلطة الإلغاء التي تجعل الأفراد العاديين غير قادرين على استدعاء أدواتهم لمواجهة تلك السلطة. هذه التِّقْنية تفتح المجال أمام المخرج لاِستخدام الأقنعة والملابس الغريبة والموسيقى الديستوبية؛ لخلق جو كابوسي يعكس الرعب الذي تعيشه الشخصيات.
البُعد الاِجتماعي والسياسي في مسرح “الحايك”.
لا يمكن فصل مسرح “عباس الحايك” عن السياق الاِجتماعي والسياسي الذي ينبع منه. “فالحايك”، رغم تجريده للصراعات وطرحها في إطار وجودي فلسفي، لا ينفصل عن الواقع المعيش، بل يستمد منه مادته الخام ويُعيد صياغتها في قوالب مسرحية تتجاوز المباشرة والوعظ.
القهر الطبقي هو أحد الأبعاد الاِجتماعية الأساسية في مسرحه.
في “فصول من عذابات الشيخ أحمد”، نرى كيف يتحالف المحتل الأجنبي (البرتغاليون) مع التجار والنواخذة المحليين لاستغلال الناس.
هذا التحالف بين القوى الخارجية والطبقة المحلية المستفيدة يكشف عن آلية القهر الطبقي: فالاِستعمار لا يفرض نفسه بالقوة العسكرية وحدها، بل يجد دائماً عملاء محليين يخدمون مصالحه مقابل مكاسب مادية. الشيخ أحمد يمثل صوت الضمير الثائر الذي يكشف هذا التحالف، لكنه يُواجه خذلان الناس الذين فَضّلوا “القرش” على الحرية والكرامة.
في “التيه”، ينتقل الصراع الطبقي إلى قلب الاِحتجاز الوجودي. ابن النوخذة والفقراء في قارِب واحد، والتيه يُهدِّدهم جميعاً بالموت. لكن الصراع الطبقي لا يتوقف حتى في مواجهة الموت، بل يظل حاضراً في علاقاتهم وحواراتهم.
هذا يعكس رؤية نقدية عميقة: القهر الطبقي متجذِّر في الوعي الاِجتماعي لدرجة أنه يستمر حتى في أشد اللحظات مأساوية.
البحر الذي يُفترض أن يساوي بين الجميع أمام الموت، لا يستطيع محو الفوارق الطبقية المحفورة في النفوس.
القهر السياسي يتجلّى بوضوح في “الموقوف رقم 80″؛ حيث يصبح السجن والتحقيق استعارة لنظام القمع السياسي الذي يحول الأفراد إلى أرقام مجردة من إنسانيتهم. المحقق نفسه ضحية للنظام، ورث القسوة من أبيه، وأصبح أداة في تنفيذها.
هذا الكشف عن أن الجلاد نفسه مسجون في دوره يُعَمِّق المأساة، ويُؤكِّد أن القهر السياسي يطال الجميع، الضحية والجلاد على حد سواء. النهاية الدائرية (عودة محقق وسجين جديدين) تؤكد استحالة الفكاك من هذا النظام ما دامت البنية السياسية نفسها لم تتغير.
القهر الاجتماعي للمرأة يحضر بقوة في “زهرة الحكايا” و”نجيبة في عزلتها الأخيرة”. في الأولى، زهرة محتجزة في قفص بسبب عيب خلقي، والمجتمع يرفضها ويمنعها من الزواج وتحقيق ذاتها. في الثانية، “نجيبة” تُضَحّي بسنوات عمرها في الغربة لإعالة أهلها، لكنهم يستغلونها ثم يتنكَّرون لها.
كلا المسرحيتين تكشفان عن آليات القهر الاِجتماعي للمرأة: في الحالة الأولى، القهر يأتي من المعايير الجمالية والاِجتماعية الصارمة، وفي الثانية، من استغلال تضحياتها دون تقدير.
“الحايك” لا يُقدِّم خطاباً نسوياً صريحاً، لكن نصوصه تكشف بعمق عن المعاناة التي تعيشها المرأة في مجتمعات ذكورية لا ترحم.
القهر البيئي والاِقتصادي يظهر في “فطيم”؛ حيث يُسلِّط الضوء على محاولة “هشاب وابنه دينار “ردم البحر” وتحويله إلى مخطط سكني، ما يُهدِّد رزق الصيادين وحياة الكائنات البحرية.
هذا النص يتناول قضية معاصرة وحيوية: الصراع بين الرأسمالية الجشعة التي تسعى للربح السريع، والبيئة والمجتمعات المحلية التي تعتمد على الموارد الطبيعية.
ردم البحر ليس مجرد عملية تنموية، بل هو سلب للفضاء الطبيعي الذي يُمَثِّل مصدر حياة وحرية للناس.
“الحايك” يدين هذا النوع من التنمية المتوحشة التي تُدمِّر البيئة وتُهمِّش الفقراء لصالح الأثرياء.
في “المزبلة الفاضلة”، يتقاطع القهر الاِقتصادي مع القهر الثقافي. الشخصيات تعيش على هامش المجتمع، في مكب النُّفايات، وهي تُمَثِّل الفئات الأكثر تهميشاً. المثقف والممثل يبحثان عن الطعام والكتب المستهلكة، في إشارة إلى أن المجتمع يتعامل مع الثقافة والفن بنفس الطريقة التي يتعامل بها مع القُمامة: شيء يُستهلك ثم يُرمى.
احتفالهم بعيد ميلاد المزبلة هو احتفال ساخر يكشف عن يأسهم، لكنه أيضاً محاولة لإيجاد كرامة وسط الإذلال، لخلق “نسيج اجتماعي واحد” رغم اختلافهم.
قضية الهُوية الجنسية والجندرية في “إصبع روج” تمثل جرأة نادرة في المسرح العربي بشكل عام، والسعودي بشكل خاص. “الحايك” يتناول معاناة شخص يشعر بأن هُويته الجندرية لا تتطابق مع جسده، وهو صراع يعيشه في عزلة تامة لأن المجتمع والأهل يفرضون عليه هُوية لا تناسبه.
الرُّوح ترفض القوالب الجندرية المفروضة، بينما الجسد يُصِرُّ على الانصياع. هذا التمزق الداخلي يكشف عن قهر من نوع آخر: قهر الهُوية الذي يُجبِر الإنسان على العيش بهُوية غير هُويته، ما يُحوِّل حياته إلى سجن نفسي.
نهاية المسرحية بتمرُّد الرُّوح واختراقها للجدار الوهمي بإصبع أحمر الشفاه هي لحظة تحرر رمزية، تأكيد على حق الإنسان في أن يكون نفسه.
مسرح “الحايك” كصرخة إنسانية معاصرة
يمكن القول إن مسرح “عباس الحايك” هو مسرح القهر والبحث عن المعنى، مسرح يرصد عذابات الإنسان المعاصر في مواجهة احتجازاته المتعددة، ويُؤكِّد حق الفرد في أن يكون سيد قراره، وأن يختار حريته حتى لو كانت في عمق التيه أو في المزبلة أو في زنزانة.
هذا المسرح لا يكتفي بعرض القهر، بل يبحث عن سبل النجاة، حتى لو كانت هذه النجاة عبر التماهي مع فكرة الحرية، أو عبر الموت الذي يصبح هو التحرُّر النهائي.
الهم المهيمن في مسرح “الحايك” هو الصراع الأبدي بين سلطة القهر والرُّوح الإنسانية الساعية إلى التحرُّر.
هذا الهم يتجلّى في أشكال متعددة: القهر الوجودي (التيه، المعلقون)، القهر السياسي (الموقوف رقم 80)، القهر الاِجتماعي (زهرة الحكايا، نجيبة)، القهر الطبقي (فصول من عذابات الشيخ أحمد، المزبلة الفاضلة)، القهر البيئي (فطيم)، والقهر الهُوياتي (إصبع روج). في كل هذه الأشكال، “الحايك” يضع شخصياته في حالات احتجاز تكشف عن جوهرها الإنساني، وتفرض عليها خيارات مأساوية.
جماليات مسرح “الحايك” تَتَمَثَّل في عدة عناصر. أولاً، المكان المحتجز الذي يصبح شخصية حية تُوَلِّد الصراع، وتُحدِّد المصائر.
ثانياً، اللغة المسرحية التي تتجاوز الحوار التقليدي لتصبح نسيجاً شعرياً وفلسفياً يُعَمِّق البُعد الدرامي. ثالثاً، الشخصيات المأزومة وجودياً التي تقف على حافة الهاوية بين الحياة والموت، بين الاستسلام والتمرُّد.
رابعاً التِّقْنيات الإخراجية المقترحة التي تعكس وعياً عميقاً بمتطلبات العرض المسرحي. وأخيراً البُعد الاِجتماعي والسياسي الذي يجعل من المسرح أداة لطرح الأسئلة الكبرى حول العدالة والحرية والكرامة الإنسانية.
ما يُميِّز مسرح “الحايك” هو قدرته على الجمع بين العمق الفلسفي والبُعد الإنساني المباشر. نصوصه ليست تجريدية منفصلة عن الواقع، ولا هي مباشرة وعظية. إنها تنطلق من الواقع المعيش، من معاناة حقيقية لأناس حقيقيين، ثم تعيد صياغة هذه المعاناة في قوالب مسرحية ترتقي بها إلى مستوى الأسئلة الوجودية الكبرى.
القارِب التائه في “التيه” ليس مجرد قارب، بل هو استعارة لحالة التيه الإنساني في عالم فَقَدَ بوصلته.
القفص في “زهرة الحكايا” ليس مجرد سجن مادي، بل هو رمز لكل القيود الاِجتماعية التي تُحاصِر الإنسان. المزبلة في “المزبلة الفاضلة” ليست مجرد مكب نُفايات، بل هي صورة قاسية للإقصاء الاِجتماعي والثقافي.
في عصر تتسارع فيه التحوُّلات وتتعقد فيه الأزمات، يبقى مسرح “عباس الحايك” صرخة إنسانية معاصرة تُذَكِّرُنا بأن الحرية ليست هبة، بل هي فعل مقاومة مستمر ضد كل أشكال القهر. مسرحه يؤكد أن الإنسان، مهما ضاق به المكان وطال انتظاره وتمزقت هُويته، يبقى قادراً على الحلم بالحرية، والتمرُّد على القيود، وكتابة اسمه بإصبع أحمر الشفاه على جدار الواقع القاسي. هذا هو مسرح “الحايك”: مسرح القهر، لكنه أيضاً مسرح الأمل الذي لا يموت.
★باحث في الدراما والنقد المسرحي.




