سينما

مريم سلمان: ما بعد الحداثة في فيلم ” orwell2+2=5″.

مريم سلمان

في كتاب “تجديد جورج أورويل”، كتب جلال أمين: “معظم الكتب يطويها النسيان بعد فترة طويلة أو قصيرة، وقليل جداً ما يظل عالقاً بالأذهان، رغم مرور الزمن، تطبع ثم يعاد طبعها، وتظل نسخ منها على رفوف المكتبات لأن أصحاب المكتبات واثقون أن هناك من سيأتي لطلبها، ولا تتوقف الإشارة إليها في الكتب والمجلات والصحف، دون حاجة إلى التعريف بها، إذ يفترض أن القراء يعرفونها ولديهم فكرة ما عن مضمونها. من هذا النوع الأخير من الكتب، بلا شك، رواية 1984 للكاتب الإنجليزي جورج أورويل، التي مر على صدور أول طبعة منها  ثلث قرن، ولا تزال تعاد طباعتها المرة بعد المرة، وبمختلف لغات العالم.”

في شرح د. جلال أمين في كتابه “تجديد جورج أورويل” لعدة ظواهر سياسية، اقتصادية، واجتماعية؛ نظرية المؤامرة، الخصخصة، العولمة، الاستعمار، الإرهاب، الديمقراطية، والعدالة الاجتماعية (وهي مفاهيم وظواهر حداثية)، يؤكد أن في رواية 1984، تصويرا ورفضا لما يتعرض له الفرد من قهر في العصر التكنولوجي الحديث. إن في الرواية ما يكفي للتدليل على أن كراهية جورج أورويل “منصبة على أي نظام، أياً كانت لونه الإيديولوجي، لا يجد الفرد فيه مهرباً من استعباد التكنولوجيا الحديثة. هذه التكنولوجيا الحديثة تتمثل ليس فقط لدى أصحاب السلطة من أسلحة وسجون ومعتقلات، بل وما لديها من وسائل التجسس والتنصت وغسيل المخ. وكلها وسائل كانت، ولا تزال، متاحة للدولة الاشتراكية والدولة الرأسمالية على السواء.”


وبالرغم من نشر الرواية في عام ١٩٤٨، حيث لم يكن مفهوم “العولمة” قد استحدث بعد، فمن الممكن أن نعتبر أنها تنبأت بما سيحدث في العالم بعد عصر الاشتراكية والقومية. شغلت رواية اورويل الكتاب والنقاد وصناع الأفلام لأعواما عديدة، وعلى مر التاريخ أنتجت العديد من معالجات سينمائية ودرامية. يعرض راؤول بيك Raoul Peck في فيلمه التسجيلي Orwell: 2+2=5 (٢٠٢٥) ) أورويل ٢+٢=٥ ( ماذا حدث للعالم منذ ١٩٥٠(منذ وفاة جورج أورويل كاتب رواية 1984).
عرض الفيلم لأول مرة في مايو الماضي في مهرجان كان السينمائي، وفي أغسطس عرض في مهرجان السينما النرويجي، ومن ثم إلى جميع أنحاء العالم. عرض مؤخراً في ديسمبر الحالي في بانوراما الفيلم الأوروبي في سينما زاوية.
يتبنى فيلم Orwell: 2+2=5 )اورويل ٢+٢=٥ ( فكر مناهض تماما للسلطة والشمولية والعقلانية؛ وفي هذا يتفق مع فكر ما بعد الحداثة مما يؤكد د. وليد سيف في كتابه “دليل الناقد السينمائي”: “وتعد العقلانية هي العدو الأول لتيار ما بعد الحداثة. فهوى يرى أن الحداثة الغربية لم تحقق كثيرا من أهدافها. بل أنه في ظلها نشأت ونمت الايديولوجيات الفاشية والنازية والعنصرية والاستبدادية والشمولية والشيوعية. فالعقلانية طبقا لهذا المفهوم لم تستطع أن تحل مشكلات العالم التي تتعظم يوماً بعد يوم. وهو يرى أن الحداثة هي التي أظهرت النزعة الفردية والأنانية المتطرفة. ويساء استخدام العلم والتكنولوجيا على حساب مصلحة الشعب والمجموع. ولم يستطع الإنسان في ظل الحداثة أن يلبي كثيرا من حاجاته الأساسية، وكان فكر الحداثة فكرا جامدا اتسم بصوغ الأنساق الفكرية الجامدة أو المغلقة التي اتخذت شكل الايديولوجيات والمذاهب السياسية والاقتصادية الجامدة المفتقدة إلى المرونة.”
يبدأ الفيلم التسجيلي Orwell: 2+2=5 بمشهد من فيلم تلفزيوني بعنوان: Crystal Spirit: Orwell on Jura (1953) (بعنوان معرب: الروح الواضحة: أورويل على جزيرة جورا) من إخراج جون جلينستر لرجل في منتصف العمر يتحدث لطفل لا يزيد عمره عن الخامسة من فيلم ، ويسأله في جدية: “ما هو حاصل جمع ٢+٢؟” يجيبه الطفل ببراءة: “٤”، فيؤكد عليه أن يحتفظ بهذه الإجابة لأنه أحياناً قد تحاول الحكومة أو القادة العظام إقناعه أن الإجابة قد تكون ٥ مما يتناص مع مقولة: “إن الحرية هي حقك أن تقول إن ٢+٢=٤” على لسان ونستون سميث: الشخصية الأساسية في الرواية.

يجمع الفيلم بين عدة مشاهد سينمائية لأفلام عالجت رواية 1984 لجورج أورويل سينمائيا؛ ومنها، فيلمي 1984 (1956) من إخراج مايكل أندرسون Michael Anderson وهو أول فيلم سينمائي يعالج رواية 1984، و 1984 (1984) من إخراج مايكل ريدفورد Michael Redford.

بالإضافة إلى المشاهد السينمائية والتلفزيونية والتسجيلية، يعرض الفيلم مقاطع تسجيلية لمظاهرات واعتصامات حول العالم، اجتماعات الكونجرس الأمريكي، والمناظرات الانتخابية، تظاهرات العمال، خطابات هتلر وترامب مع تصفيق وتهليل الحضور، تسجيلات لجورج بوش وفلاديمير بوتين فبل العدوان على العراق واوكرانيا، والتشرد ومظاهر العنف في وبورما، وأخيرا الإبادة الجماعية في غزة.
وبعض الأفلام التسجيلية مثل Orwell Rolls in his Grave (2003) (بعنوان معرب: أورويل منزعج في قبره) من إخراج روبرت كاين باباس Robert Kane Pappas و Myanmar Diaries (2022)(بعنوان معرب: مذكرات بورما_ مخرج غير معروف) والفيلم التلفزيوني الذي أنتجته BBC من إخراج ردولف كارتييه، وفيلمي رسوم متحركة عن رواية “مزرعة الحيوان” Animal Farm من إنتاج ١٩٩٩و١٩٥٤.
يدمج الفيلم أيضاً أفلام غير مرتبطة بتيمة اورويل أو رواية 1984 لشرح حدث أو أحداث يرويها الرواي مثل: Generation Wealth (2018) (تسجيلي من إخراج لورين جرينفيلد Lauren Greenfield) و My Way Home (1978) (روائي من إخراج بيل دوجلاس Bill Douglas )و Out of Africa (1985) من إخراج سيدني بولاك Sydney Pollack .
يتناول الفيلم أيضاً بالتوازي مع المشاهد السينمائية والتلفزيونية والتسجيلية قصة حياة جورج اورويل منذ ولادته، وإلى وفاته عن طريق استخدام راوي يقرأ خطابات أورويل ومذكراته الأصلية لأصدقائه، وعن طريق عرض صور شخصية له.
يعرض الفيلم صور ثابتة ومتحركة live لعدة شخوص؛ بعض السكان الأصليين في بورما وغزة وغيرهما، متظاهرون ومتظاهرات في عدة أحداث سياسية في بلدان عدة، عمال مصانع، موظفين، عمال نظافة، طلاب مدارس، أطباء ومسعفون مما يتفق مع فكر ما بعد الحداثة لتصوير البطل العادي، وليس أحد الخارقين على سبيل المثال.
أما عن الموسيقى والمؤثرات الصوتية، فتنوعت وامتزجت بين أصوات عدة؛ قصف ومدافع، موسيقى حزينة، صراخ ونواح، حفيف الأشجار، نعيق الغربان، أمواج، وتصاعد أصوات تنفس جهدي.
استخدم الفيلم التكنولوجيا والوسائط المتعددة المتطورة من عروض مرئية بالصور والألوان والاحصائيات لعدة موضوعات مثل الكتب الممنوعة من النشر لأسباب سياسية، أسماء الكتاب المضطهدون حول العالم، سلسلة الاغتيالات السياسية عبر التاريخ، الدخول في أمريكا في السنوات (١٩٨٠-٢٠٢٣)، ثروة أغنياء العالم مثل مايكل ديل، ايلون ماسك، وجيف بيزوس. كما استعان الفيلم بالذكاء الاصطناعي في خلق صور وأغنية ساخرة عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تظهر زيف تصريحاته.

تتجلى الكوميديا السوداء أو الباروديا _ وهي عنصر أساسي في سينما ما بعد الحداثة_ في عدة مشاهد في فيلم Orwell: 2+2=5، ومنها؛ لوحة رسوم متحركة لغرق غواصة الأثرياء “تيتان” وكافة مساعي كل الجهات لإنقاذ حفنة من الأفراد، في مقابل عشرات اللاجئين المتكدسين في مركب إنقاذ ولا “اللي فوق شافوهم ولا اللي تحت سمعوهم”، عرض مشاهد من أفلام قديمة وعدة مقاطع تسجيلية لمشية الأوزة goose-step التي تقوم بها الفرق العسكرية في مختلف أنحاء العالم، والتي صورت في أحد أفلام “مزرعة الحيوان” الكارتونية بأوز يمشون تحية لزعيمهم، عرض مقاطع تسجيلية للهجوم الضاري على مجلس النواب في أمريكا في عهد الرئيس ترامب ومقاطع تسجيلية أخرى للتصريحات الإعلامية المضللة مثل: “الحب في الأجواء” و “دخل المواطنون المسالمون مجلس النواب”، وعدة تسجيلات لترامب وهو يطلق النكات عن تزوير نتائج الانتخابات، وتسجيلات أخرى للعوام المغيبين المتعصبين وهم يدافعون عنه باستماتة.

تبدلت المفاهيم وفقدت معانيها الأساسية، بل وتغيرت دلالاتها إلى النقيض، وتعرض شعارات الدولة الشمولية المتناقضة في أحد المشاهد على لوحات إعلانية بعناوين “الحرب سلام”، “الجهل قوة” و”الحرية عبودية”.

قد يأخذ البعض على الفيلم زخامته وحشوه بمعلومات هائلة ومشاهد كثيرة متغيرة وعدم التزامه بالترتيب السردي المتعارف عليه. وقد تتباين الآراء أيضا من إشادة بالفيلم التسجيلي أو اعتباره مصدراً للملل لأسباب التطويل والحشو.
ولكن إذا عرف السبب، بطل العجب؛ حيث يتبنى الفيلم فكر ما بعد الحداثة فيما يخص الترتيب السردي غير المنطقي، بالإضافة إلى أهمية المعلومات المعروضة ودقة الاحصائيات والأحداث التاريخية للمشاهد التحليلي.
بعد تفصيل سمات سينما ما بعد الحداثة وتطبيقها على الفيلم التسجيلي Orwell:2+2=5، أنهي مقالتي بآخر ما كتب جورج أورويل في مذكراته: “كل ما يهم، قد كتبته بالفعل”.
المراجع
ـ د. وليد سيف، دليل الناقد السينمائي: أصول وكواليس، القاهرة، مؤسسة مجاز الثقافية للترجمة والنشر والتوزيع، ٢٠٢١.
ـ جلال أمين، تجديد جورج اورويل: أو ماذا حدث للعالم منذ ١٩٥٠، القاهرة، الكرمة للنشر، ط ٤، ٢٠١٧


★ ناقدة ـ مصر

مقالات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى