مسرح

وليد خيري: “ذات، والرداء الأحمر”.. عبور العرائس إلى عصر السوشيال ميديا.


وليد خيري★

في ظِلِّ التحوُّلات التِّقْنيّة التي غيرَّت ملامح الطفولة في السنوات الأخيرة، يأتي عرض “ذات، والرداء الأحمر” بمثابة فعل مسرحي مقاوم، يُعيد تعريف وظيفة مسرح العرائس في زمن الشاشات الصغيرة. فالعرض الذي قدَّمه مسرح القاهرة للعرائس لا يُعيد فقط حكاية كلاسيكية معروفة، بل يُعيد تفجيرها من الداخل، لِيُعيدَ طرح أسئلة الطفولة في عصر الرَّقمنة؛ حيث يتقاطع الخيال الشعبي مع الواقع الاِفتراضي في صيغة درامية مشحونة بالرمز والحس التربوي.
هذا العمل الذي كتبه “وليد كمال” وأخرجته “نادية الشويخ”، وشارك في صياغة عالمه الموسيقي” هاني شنودة”، يُمثل تحوُّلاً نوعياً في خطاب المسرح المو جّه للطفل، بما أنه لا يكتفي بِتَكرار دروس الحذر التقليدية، بل يفتح أفق نقاش متقدّم حول علاقة الطفل بالتكنولوجيا، ويستبدل الغابة القديمة بشبكة الإنترنت، والذئبَ الماكر بذئاب إلكترونية تتخفّى خلف حسابات وهمية.


من الغابة إلى الشاشة.
يبدأ العرض من الحكاية الأم التي رسخّها تراث “شارل بيرو”؛ حيث تسقط الطفلة في فخ الذئب نتيجة عصيانها لتحذيرات الأم. لكن المؤلف “وليد كمال” يُمارس عملية تفكيك معرفي للنص الأصلي؛ فهو لا يُبدل الزمان والمكان عشوائياً، بل يُعيد إنتاج البنية الرمزية للحكاية بما يتسق مع تجربة الطفل المعاصر.
الطفلة “ذات” هنا تلميذة في المرحلة الإعدادية، تمتلك هاتفاً ذكياً، وتعيش أحلام الشهرة الإلكترونية، لم تَعُدْ رغبتها زيارة الجدّة، بل الحصول على “تريند” يجعلها نجمة على مواقع التواصل. وهكذا تتغيّر وظيفة الطريق والغابة والخطر، لِيتحوّل الصراع من مواجهة مع مفترس بيولوجي إلى مواجهة مع مفترسين رَقْميين، تُدار بذكاء من وراء الشاشة.
توظيف هذه البِنية الجديدة لا يهدف إلى المبالغة في التخويف، بل إلى تحويل الخطر الاِفتراضي إلى صورة مجسَّدة يُمكِن للطفل فهمُها.
فالمسرح هنا يتحوَّل إلى وسيط تربوي يُعَمِّق الوعي لا إلى وسيلة وعظية مباشرة. ولعل براعة النص تكمُن في قدرته على الحفاظ على جوهر التحذير الأمومي من الاِنخداع بالأغراب، مع نقل الرسالة إلى فضاء سلوكي معاصر، تتجسد فيه أخطار التواصل المجهول عبر الإنترنت.
شخصيات الشر والوجه المعاصر للأسطورة:
يستبدل العرض الذئبَ الكلاسيكي بـ”مثلث من الأشرار” يُمثِّل أنماط الخطر الجديدة في العالم الرقمي: غريب، رمز للمخادع العاطفي الذي يصطاد المراهقين بالثناء والاهتمام المفتعل.
دياب، نموذج الطامع المادي الذي يسعى لاستغلال المعلومات الشخصية في السرقة، أو الابتزاز.
عضمة، شخصية تنطوي على العنف المادي والتهديد المباشر، تحيل إلى جرائم الخطف والاِبتزاز الواقعية.
يخرج بهذه الشخصيات التهديد من مجاز الغابة إلى وقائع العالم الحديث، مما يمنح العرض بُعداً توعوياً واضحاً دون أن يُفَرِّط في المباشرة، خاصة أن النص يُدير هذه المواجهة عبر مشاهد ذات إيقاع متصاعد يُوازن بين الإثارة والخوف والتأمل.
الطفلة نفسُها لا تُقدَّم كضحية كاملة، بل ككائن يمتلك طموحاً واندفاعاً ونزعة للاستقلال.
هنا تظهر واقعية الرؤية الدرامية التي لا تُقدِّم الإرشاد كقيد على الحرية، بل كلحظة وعي تنبثق من التجربة نفسِها. في لحظة الذروة، تكتشف “ذات” أن الوعود التي أغرتها كانت مصيدة، فتستعيد توازنها بمساندة الأم والجدَّة، في عودة رمزية إلى العائلة بوصفها الحاضن القيمي الذي يُنقذ من ضجيج العالم الافتراضي.

رؤية إخراجية تمزج البشري بالخيوط
على المستوى البصري، تبدو معالجة المخرجة “نادية الشويخ” مغامرة بحق، لأنها لا تُقدِّم العرائس بوصفها كائنات جامدة، بل ككائنات تُشبه الإنسان.
فهي تستخدم تِقْنيّة الأداء المزدوِج؛ حيث تتناوب ممثلة بشرية “ريم طارق” مع الدمية على أداء شخصية البطلة. في اللحظات الحاسمة، تتحوَّل “ذات” من عروس خشبية إلى جسد حي يسير بين الجمهور، فتختفي الحدود بين الخشبة والصالة، وتستفز مخيلة الطفل؛ لِيَعِيَ أن الخطر ليس حكاية، بل احتمال حاضر في حياته اليومية.
هذا الاِنتقال من العرائس إلى الممثل البشري، يُحَقِّق وظيفة جمالية وتربوية مزدوِجة: فنياً، يمنح العرض حيوية بصرية تكسر رتابة الشكل التقليدي؛ تربوياً، يُذكِّر الأطفال بأن “ذات” تشبههم، وأن تكرار تجربتها ممكن بكل بساطة إذا تَكرر الاستهتار ذاته.
السينوغرافيا التي صمَّمها “شادي قطامش” جاءت مُفْعَمة بالدينامية، تعتمد على تشكيلات متحركة وألوان متوهجة، تُترجم العالم الرقمي إلى فضاء ملموس. فالعناصر الضوئية والإسقاطات ثلاثية الأبعاد تحوَّلت إلى علامة درامية بحد ذاتها، ترمز إلى الإغراء والارتباك في وقت واحد.
أما تصميم العرائس للفنان “محمد أمين” فقد حافظ على روح التراث الشعبي المصري مع لمسات معاصرة، تستحضر لغات الكرتون الحديث، لتظل قريبة من ذائقة الأطفال دون أن تفقد فرادتها الفنية.
موسيقى تنتمي للمستقبل وتستدعي الذاكرة.
البِنيةُ الموسيقيةُ التي صاغها “هاني شنودة” تُشكِّل عصب التجربة السمعية للعرض. فقد مزج بين إيقاعات الروك وأصوات الميديا اليومية – نغمة الاِتصال، إشعارات الرسائل – ليخلق بيئة موسيقية تُعبِّر عن الحاضر التِّقْنيِّ للطفل. وفي الوقت نفسه، أعاد توظيف أغنيات تراثية مثل “فتّحي يا وردة.. قفّلي يا وردة” في صياغة جديدة تحمل رسائل تحذيرية خفيفة الظل، فتُستدعى ذاكرة الماضي في سياق معاصر يُحاكي وعي الجيل الرقمي.
بهذا المزيج الصوتي تتحدث الموسيقى بلغتين: بلغة العاطفة التي يتجاوب معها الكبار، وبإشارات سمعية مألوفة للأطفال تربطهم بعالمهم اليومي، فتتحوَّل الموسيقى إلى جسر زمني بين الماضي والآن. هذه الاِستراتيجية الصوتية الذكية تُؤكِّد أن الرسالة التربوية لا تحتاج إلى خطاب مباشر، بل يُمكن أن تمُرَّ عبر الإيقاع واللحن والإيحاء.
الحوار بين الأجيال داخل النص.
يُضيء العرض جانباً مهماً من الصراع القِيَمي بين الأجيال؛ فالأم تُمثِّل الوعي الوقائي القائم على التجربة، والجدَّة تُمثِّل الحكمة المتوارثة من التراث الشعبي، بينما تُمثِّل “ذات” الجيل الجديد الذي يثق بذكائه الرقمي إلى حَدِّ الغرور.
تفاعل هذه المستويات الثلاثة يخلق حواراً داخلياً بين الماضي والحاضر، ويُعيد تعريف مفهوم “الوصاية” الأبوية، إذ تتحوَّل من سلطة تُقيد حرية الاِبنة إلى حماية مشروعة في عالم يختفي فيه الذئب خلف الشاشة.
الأداء الصوتي للممثلات” هالة فاخر” و”إسعاد يونس” أضفى على هذا التوازن العائلي نكهة إنسانية دافئة، تجمع بين الطرافة والحنان.
أما شخصية “ذات” بصوت “مايان السيد” فقد جاءت مُعبِّرة عن الاِندفاع المراهق بكل ما يحمله من تناقضات، فتغدو البطلة مرآة صادقة لجيل يعيش على إيقاع متسارع، لا يعرف الفواصل بين اللعب والحياة.
الجوائز كدليل على وعي المؤسسة
كوّن العرض حضوراً قوياً داخل المشهد المسرحي المصري والعربي، فحصد جوائز أفضل عرض متكامل، وأفضل نص، وثاني أفضل إخراج وتمثيل في مهرجان الطفل العربي. هذا النجاح لم يكن وليد صدفة، بل نتيجة رهان مؤسسي حقيقي من وزارة الثقافة ومسرح القاهرة للعرائس على تطوير خطاب مسرحي معاصر يُخاطب الطفل بلغته.
كذلك مثلت المشاركة في مهرجان نيابوليس الدولي بتونس اختباراً ثقافياً لمدى قدرة هذا العمل على العبور إلى جمهور عربي ودولي، خاصة أنه واجه عرضاً روسياً تقليدياً يُقدِّم نفس القصة.
وقد لفتت النسخة المصرية الأنظار بجرأتها الفكرية وجمالياتها الحديثة، مؤكدة أن المسرح المصري لا يزال قادراً على المنافسة بفكر محلي متجذر في قيمه، لكنه منفتح على العالم.
خلف الكواليس: حرفة الإحياء بالأنامل
الفضل في نجاح أي عرض للعرائس يعود بالدرجة الأولى إلى لاعبي العرائس، أولئك الذين يختفون خلف الستار ليهبوا الدمى رُوحاً وصوتاً. في هذا العمل، بلغ الأداء ذروة من الانسجام بين المُحَرِّكين والموسيقى والإضاءة، بحيث تتحوَّل كل حركة صغيرة إلى فعل درامي محسوب، وقد تَطَلَّب ذلك تدريبات طويلة لتعويض ما يفرضه إيقاع السوشيال ميديا السريع من تحديات على انتباه الجمهور الصغير، فالحركة هنا ليست مجرد تِقْنيّة، بل لغة سردية بصرية مستقلة.
التجديد في هوية مسرح العرائس
يضع هذا العرض معياراً جديداً لمفهوم التحديث داخل فن العرائس في مصر.
فمنذ تأسيس هذا المسرح عام 1959، ظل السؤال قائماً حول جدوى العرائس في عصر الصورة الحية.
يأتي “ذات، والرداء الأحمر” لِيُجيب بوضوح: العرائس لا تزال قادرة على التعبير والتجديد، شريطة أن تُنصت لأسئلة اللحظة الراهنة.
فالمسرحية ليست مجرد إعادة تدوير لحكاية قديمة، بل بيان فني حول ضرورة إصغاء المسرح للواقع، وابتكار لغة تجمع بين الأصالة والحس الرقمي، بين الحكاية والأيقونة، بين الألياف التي تُحَرِّك الدمية والأسلاك التي تنقل الإنترنت.
المسرح كدرع تربوي في عالم مُتغيِّر
وراء جماليات العرض تقبع رؤية فكرية شاملة ترى أن الحل لا يكمن في تحصين الطفل ضد التكنولوجيا، بل في تمكينه منها بوعي، فالمشكلة ليست في الوسيلة، بل في الاِندفاع غير المنضبط نحوها، لذلك تنتهي الحكاية بعودة “ذات” إلى بيتها لا كخاضعة، بل كشخص تَعَلَّم من التجربة واستعاد قدرته على التمييز بين الأمان والخطر.
هكذا يتحوَّل المسرح إلى مختبر تربوي حي، يُقدِّم بديلاً لدروس التحذير التقليدية، عبر تجسيدها بصرياً ووجدانياً، وينتقل من مساحة الترفيه إلى موقع الشريك في بناء المناعة الفكرية ضد أخطار العالم الرَّقْمِيّ.
إن القيمة الكبرى لعرض “ذات، والرداء الأحمر” تكمُن في أنه يعيد الاعتبار لفن العرائس، كأداة نقدية لا تَقِلُّ شأناً عن المسرح الحي، ويُبرهن أن هذا الفن، برغم بساطته، قادر على التفاعل مع القضايا التي تَمَسُّ وجدان المجتمع، كما أنه يُمهِّد الطريق لنمط جديد من عروض الطفل، يُوازن بين العمق الفني والرسالة التربوية، وبين الإبداع والالتزام.
بهذا المعنى، لا تبدو “ذات” بطلة حكاية خرافية بقدر ما تُمثِّل صورة لجيل كامل يقف على حدود البراءة والخطر، يتأرجح بين الحكاية والميديا، ويحتاج إلى من يعلّمه أن الطريق ليست دائماً ما تُومِض على الشاشة، وأن الذئب قد يكون على بُعد لمسة.


★سيناريست وباحث مسرحي ـ مصر.

مقالات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى