رواية

مريم سلمان : “موسم الهجرة إلى الشمال”.. حداثة أم أزمة حداثة؟

 

مريم سلمان

إن تحولات الواقع الثقافي العربي، ما هي إلّا صدًى لتحوُّلات الثقافة الغربية، لكن هناك مفارقة بين التحوُّلات التي تجري في الواقع العربي، والتحوُّلات التي تجري في الغرب، ذلك أن تحوُّلات الغرب ردُّ فعل للتحول الحضاري والثقافي، بينما التحوُّلات العربية مجرد نقل لتحوُّلات الغرب، وربما يُفسر لنا ذلك كيف أن مراحل التحوُّل في العالم العربي لم تبدأ إلا بعد انتهاء زمنها في الغرب – بعد مرور قرون-
مع التقدُّم التكنولوجي والعولمة، تصل تحوُّلات الغرب إلى الجميع في التو واللحظة؛ حيث لم يعد الغرب في حاجة لاستعمار الشرق بالعدة والعتاد، فيكفي حالياً أن تصدُرَ صيحة جديدة (تريند trend) عبر إحدى وسائل التواصل الاجتماعي؛ حتى تنتشر انتشار النار في الهشيم بين الأجيال الجديدة من جيل (زي Z)مواليد (١٩٩٧-٢٠١٢) وجيل (ألفا Alpha)مواليد (٢٠١٠-٢٠٢٠) إذا استمعت إلى بعض أحاديثهم، ستجد أنهم يتحدثون غالباً بالانجليزية، أو غيرها من اللغات الأجنبية، ويندر أن يتحدثوا بالعربية، والمؤسف أنهم قد لا يتفاخرون أو لا يبالون بعدم إيجادهم للعربية.
اللغة هي أساس التواصل؛ وبالتالي فالموسيقى التي يستمعون إليها غربية المنشأ، أو الأصل، مثل الروك والجاز والميتال، والنكات والدعابة التي يستجيبون إليها ويضحكون عليها غربية، والأفلام التي يشاهدونها غربية، وما إلى ذلك.
وإن كانت لغة التواصل الأساسية أجنبية، فلا مفرَّ إذن من استعارة الأفكار الغربية، وتبنّي الإيديولوجيات الغربية بدون تنقيح أو تعديل حين تكون المعرفة خطراً، وما يُخَلِّفُهُ هذا من أزمات هوية، فلا يعرف الجيل الجديد حالياً: هل هو مصري؟ فرعوني؟ إفريقي؟ شرق أوسطي؟ عربي؟ مسلم؟ شرقي؟ تعددت الروافد، وازدادت الحيرة، وتعمقت الأزمة.
ويبقى السؤال الأهم: متى نتخلص من عقدة الخواجة؟
الحداثة وأزمة الحداثة
يسترسل “مسعد محمد زياد” في مقالته (الحداثة -مفهومها-نشأتها- روادها):”تسللت الحداثة الغربية إلى أدبنا ولغتنا العربية، وفكرنا ومعتقداتنا وأخلاقياتنا، كما تتسلل الأفعى الناعمة الملمس؛ لتقتنص فريستها ، أن تُشعِر الفريسة بها إلا وهي جثة هامدة تزدردها رويداً رويداً ، هكذا كان تسلل الحداثة إلى عقول معتنقيها وروادها من أدباء ونقاد ومفكرين على امتداد الوطن العربي ، وهي كغيرها من المذاهب الفكرية ، والتيارات الأدبية التي سبقتها إلى البيئة العربية كالبرناسة ، والواقعية ، والرمزية ، والرومانسية ، والوجودية ، وجدت لها في فكرنا وأدبنا العربي تربة خصبة ، سرعان ما نمت وترعرعت على أيدي روادها العرب.”
تنوَّعت المواضيع التي تناولها الكُتّاب الحداثيون، وتناولوا قضايا مثل اغتراب الفرد عن المجتمع، وأزمات الهوية، وعدم الاستقرار العاطفي، وتفتت التجربة الإنسانية.
تعرضت الحداثة لانتقادات كثيرة؛ حيث يؤكد “هاني إسماعيل محمد”: “وما تناقضات الحداثة إلا انعكاس لتناقضات المجتمعات الغربية، وما فيها من تزعزع للقيم الإنسانية والأُطُر الأخلاقية السامية، التي أصابت الحضارة الغربية في مقتلٍ، بيد أن من العجيب أن ينبهر الأديب العربي المعاصر بهذه الحداثة، فيفقد ثقته بنفسه وبثقافته وأصالته، ويُهرَع لاهثاً في مختلف الاتجاهات ليقتفي أثر أخر البدع أو الموضات في الغرب فيقلدها؛ سواء عن معرفة أم جهل، ويتقمص أدوار المشاهير من الآداب الأجنبية، ويأتي بحداثة زائفة (لا جوهرية) ليس لها جذور متأصلة في العقلية العربية، ولا تتناسب مع الظروف الحضارية، التي تمرُّ بها الأقطار العربية، فتكون القطيعة الأبدية بين المبدع والمتلقي.”

كيف تناول “الطيب صالح” أزمة الحداثة في رواية (موسم الهجرة إلى الشمال)؟
بحسب ما أكده “جلال أمين” في كتابه “تجديد جورج أورويل، أو ماذا حدث للعالم بعد ١٩٥٠”، فقد وصفت رواية “الطيب صالح” (موسم الهجرة إلى الشمال) بأنها قد تكون أهم رواية عربية في القرن العشرين.
نُشرت الرواية لأول مرة في بيروت ١٩٦٦، ثم أعيد نشرها في القاهرة، ثم تُرجمت إلى العديد من لغات العالم، ولا يزال الاحتفاء بها مستمراً حتى الآن، ويفسر “جلال أمين” هذا الاحتفاء العظيم بأمرين: “جمالها وأهمية موضوعها؛ إذ تدور أحداثها حول قضية إنسانية تكاد تستحق أن توصف بالخالدة، وهي قضية الالتقاء بين حضارتين أو ثقافتين، إحداهما لديها مقومات الغلبة والانتصار، والأخرى تصارع من أجل البقاء.”
ويستطرد “جلال أمين”: “من هنا بدا اختيار “الطيب صالح” لهذا الاسم (موسم الهجرة إلى الشمال) مفهوماً ومناسباً، إذ إن الحضارتين اللتين تصف الرواية التقاءهما أو الصراع بينهما، تنتميان إلى الشمال والجنوب، وبطل الرواية الذي يدور الصراع في عقله وقلبه، رجل من الجنوب هاجر إلى الشمال، وظل إلى آخر الرواية لا يستطيع أن يصل إلى قرار حاسم لصالح هذه الحضارة (أو الثقافة) أو تلك.”

البنية السردية في رواية (موسم الهجرة إلى الشمال)
يعرض “الطيب صالح” أزمة الحداثة بأسلوب حداثي من خلال السرد ذاته ، لم يكن السرد تقليدياً، فالرواية تمثّل تحطيماً للزمن الخطي؛ حيث تمتزج الذاكرة بالحاضر، ويتقاطع السرد مع الحكاية، ليولّد شكلاً روائياً جديداً أكثر مرونة.
يتميز السرد بالتناوب الزمني؛ حيث ينتقل “الطيب صالح” بين الماضي والحاضر بشكل سلس، وهذه التقنية تساهم في خلق شعور بالعمق التاريخي للأحداث؛ حيث تُبرز تأثير الاستعمار والتغيرات الاجتماعية على الهوية الفردية والجماعية.
يُلاحظ أيضاً تجزئة السرد؛ حيث تشظى السرد بين ما يرويه الراوي من أحداث الحاضر (في الفصل الأول)، ثم ما يرويه “مصطفى سعيد” من حكايته في الماضي (في الفصل الثاني)، ثم يعود الراوي مرة أخرى سارداً بعض أحداث الحاضر، وأحداث الماضي بالتناوب (منذ الفصل الثالث) عن طريق تقنية الفلاش باك Flashback (الاسترجاع الزمني)_كل تذكر لما حدث قبل اللحظة الزمنية التي وصل إليها الحكي، ويتشكل بالقياس إلى الحكاية التي يندرج فيها، حين تتم العودة إلى ماضٍ لاحق لبداية الرواية والاسترجاع هو ترك الروائي مستوى القص الأول، ليعود إلى أحداث ماضية سابقة فيرويها في لحظة لاحقة لحدوثها، وهو تقنية فنية تتمثل في إيقاف السارد لمجرى تطوُّر أحداثه ليعود لاستحضار أو استذكار أحداث ماضية- وهكذا بين الماضي والحاضر.
تتشظى أيضاً حكايات “مصطفى سعيد” عن نسائه بين “جين مورس وآن همند وشيلا غرينود وإيزابيلا سيمور”، فلا نكاد نصل إلى تكملة لحكاية أيهن لننتقل إلى أخرى بدون تكملتها، ويكمل الراوي سردها لاحقا بعد موت “مصطفى سعيد” أو اختفائه عن طريق صوته، أو طيفه في ذهن الراوي، وعن طريق بعض القصاصات والمذكرات التي يجدها الراوي لاحقاً في بيت “مصطفى سعيد.”
كما يستخدم “الطيب صالح” تعدُّد الأصوات، فتبدأ الرواية برجوع الراوي إلى بلاده (السودان) بعد دراسته التخصصية في الشعر في أوروبا، وفي شرف استقباله، يزوره غريب لم يتعرَّف عليه بين المستقبلين؛ “مصطفى سعيد” لم يعطِ “الطيب صالح” الراويَ اسماً؛ وقد يعزو هذا إلى أنه لربما أراده رمزاً عامّاً، يمثل القارئ ، أو الإنسان العربي في مواجهة أسئلة الهوية والآخر، ثم ينتقل السرد من الراوي غير المسمى إلى “مصطفى سعيد” ذاته؛ راوٍ متكلم عن ذاته.
تستخدم الرواية أسلوب السرد الذاتي، حيث يُروى الحدث من منظور شخصية الراوي، الذي يُمَثِّلُ صوت الجيل الجديد من السودانيين.
هذا الأسلوب يسمح للقارئ بالولوج إلى أعماق الأفكار والمشاعر الداخلية للشخصيات، وخاصة شخصية “مصطفى سعيد”.
من خلال هذا السرد، يتمكن القارئ من فهم الصراعات النفسية، التي تعيشها الشخصيات، مما يضيف بُعداً إنسانياً عميقاً للأحداث.

الهوية والانتماء في مواجهة الحداثة
يُعبِّر الراوي عن تيمة الرواية الأساسية في أول صفحاتها، ألا وهي؛ الانتماء: “ونظرت خلال النافذة إلى النخلة القائمة في فناء دارنا، فعلمت أن الحياة لا تزال بخير، أنظر إلى جذعها القوي المعتدل، وإلى عروقها الضاربة في الأرض، وإلى الجريد الأخضر المتهدل فوق هامتها فَأُحِسُّ بالطمأنينة، أُحِسُّ أنني لست ريشة في مهب الريح، ولكني مثل تلك النخلة، مخلوق له أصل، له جذور، له هدف.”
يشرح “إسلام عادل”: “ويُعَدُّ “مصطفى سعيد” التجلّيَ الأوضح لهذا التمزّق: فهو رجل يعرف تماماً أنه ابن الجنوب، ولكنه بالرغم من ذلك يحمل داخله صورة مشوّهة عمّا يجب أن يكونه “الشرقي” في عين الغرب، فيتبنّى تلك الصورة ليستخدمها ضدهم، فيسقط ضحية لها. هويته مشوشة، هجينة، مفخخة، فهو في لحظةٍ ما يبدو كغربيّ أكثر من الغربيين، متقن للغتهم، مبهِر بذكائه، لكنه في العمق منفيّ عن ذاته، يتقمّص أدواراً لا تشبهه، ويحاول أن ينتقم من ماضٍ استعماري بتحوّله إلى استعمارٍ شخصي مصغّر، يمارسه على نساء الغرب، في سلوك يحمل في داخله انكساراً أكثر مما يحمل انتصاراً.”
تُعَدُّ الرواية بمثابة مرآة تعكس بجرأة التمزّق الداخلي، الذي يعيشه الإنسان الشرقي عند احتكاكه بالعالم الغربي.
ظل “مصطفى سعيد” ممزق الهوية حتى وفاته كما يعبر الراوي عن أسفه عليه: “مسكين مصطفى سعيد، كان مفروضاً أن يكون له شأن بمقاييس المفتشين والمآمير، ولكنه لم يجد قبراً يريح جسده، في هذا القطر الممتد مليون متر مربع.”
في تعبيره عن أزمة هويته الممزقة، تارة يصف “مصطفى سعيد” نفسه عطيل حين يناسبه_: “أنا مثل عطيل، عربي إفريقي”، وتارة يصف نفسه أنه ليس بعطيل: “أنا صحراء الظمأ. أنا لست عطيلاً، أنا أكذوبة.”

عطيل هي إحدى أشهر مسرحيات شكسبير التراجيدية (١٦٠٣). كان عطيل (الشخصية الرئيسية) مغربيّاً، لكن كان أسودَ البشرة لدرجة أن أعداءه كان يُسمونه المغربي الأسود،عاش عطيل صراعاً داخلياً عندما يُقنعه الشرير “ياغو” بأن زوجته “ديدمونة” تخونه بين غيرته الشديدة وبين ثقته بنفسه وبإخلاص زوجته له، كونه غريبًا أسود البشرة في مجتمع أوروبي أبيض، يُعاني من هشاشة نفسية مرتبطة بالهوية، مما يجعله أكثر عرضة للشعور بالنقص وعدم الأمان، وتنتهي المسرحية نهاية مأساوية بقتل عطيل لزوجته البريئة وانتحاره.
في المقابل، يمثّل الراوي الوجه الآخر للهوية، لم ينقطع عن جذوره رغم سفره، ولم يحاول أن يكون شخصاً آخر، لكنه في الوقت ذاته، لا يملك إجابة واضحة عمن هو، بل يعيش حالة تأمل صامت ومضطرب، “كأنه يمشي على أطراف سؤال الهوية دون أن يخوضه حتى النهاية، وهنا تظهر عبقرية الرواية، إذ لا تمنحنا تعريفاً للهوية، بل تضعنا أمام مرآة مُربكة، وتجعلنا نتساءل: هل الهوية شيء نولد به؟ أم شيء نصنعه؟ وهل يمكن للهوية أن تنجو من تماسّها العنيف مع الآخر؟ أم أنها – كالجسد – تحمل دائماً آثار اللمس، والجرح، والغياب؟” كما يؤكد “إسلام عادل”.
يؤكد “خالد حسين”: ” يظهر الراوي، الذي يمثل الجيل الجديد من السودانيين، سعيه لفهم هويته الخاصة في ظل هذه التغيرات، يمثل الراوي الجسر بين الماضي والحاضر؛ حيث يسعى للتوفيق بين تراثه الثقافي وتطلعاته الحديثة، من خلال تفاعلاته مع “مصطفى سعيد”، يتضح كيف أن الانتماء هو عملية ديناميكية تتطلب التكيف مع الظروف المتغيرة.”
أما الراوي، فعاش سبع سنوات في أوروبا، ولكنه عاش معهم على السطح؛ لا يُكِنُّ لهم حباً ولا كرهاً: “كانت الأصوات الأجنبية تصل إلى أذني كأنها أصوات أهلي هنا، أنا، لابد، من هذه الطيور التي لا تعيش إلّا في بقعة واحدة من العالم.”
عندما عاد من أوروبا، دَرَّسَ الأدب الجاهلي في إحدى المدارس الثانوية، ثم ترقّى كمفتشٍ للتعليم الابتدائي، وتزوج وأنجب ابنته كما تقتضي سنة الحياة.
وفجأة، أصبح “مصطفى سعيد” جزءاً من عالمه؛ طيفاً لا يريد أن يمضي في حال سبيل، فبدأ الراوي يتساءل عن هويته هو الآخر، ويتضح ذلك من خلال خطابه الحداثي مع ود الريس بخصوص زواجه من بنت محمود بالرغم من رفضها لتتفرغ لتربية ولديها، ونقاشه مع صديقه محجوب، ثم مواجهته نفسه بحقيقة مشاعره ناحية بنت محمود-وبالرغم من ذلك، لم يُقْدِمْ على الزواج منها.
في النهاية، يعيش كلٌّ من “الراوي ومصطفى سعيد” صراع الانتماء والاختيار، ويقابلان أنفسهم عبر مرآة الآخر.
في إطار الحكاية، أوصى “مصطفى سعيد” بمسؤولية أهل بيته إلى الراوي بعد انقضاء أجله في رسالة: “إنني أترك زوجتي وولدي وكل مالي من متاع الدنيا في ذمتك، وأنا أعلم أنك ستكون أميناً على كل شيء… أن تشمل أهل بيتي برعايتك، وأن تكون عوناً ومشيراً ونصيحاً لولدي، وأن تجنبهما ما استطعت مشقة السفر. جنبهما مشقة السفر. وساعدهما أن ينشآ نشأة عادية ويعملا عملاً مفيداً.”
ويكمل رسالته: “إنه يهمني أن يعلما أي نوع من الناس كان أبوهما. إذا كان ذلك ممكناً أصلاً، وليس هدفي أن يُحسنا بي الظن، حسن الظن هو آخر ما أرمي إليه، ولكن لعل ذلك يساعدهما على معرفة حقيقتهما، في وقت لا تكون المعرفة فيه خطراً، إذا نشآ مشبعين بهواء هذا البلد وروائحه وألوانه وتاريخه ووجوه أهله وذكريات فيضاناته وحصاداته وزراعاته، فإن حياتي ستحتل مكانها الصحيح كشيء له معنى إلى جانب معان كثيرة أخرى أعمق مدلولاً.
وبما أن “الطيب صالح” ترك الراوي بدون اسم في إشارة أنه يمثل القارئ/ الإنسان العربي، فيشير ذلك إلى أنها مسؤولية عامة ومشتركة أن يُقرر القارئ ما يأخذ من الحداثة، وما يحفظ من التراث، ويترك له حق الاختيار أي الطرق يسلك بعد أن عرضت أمامه كل المعطيات والمتغيرات.

المرأة في مواجهة الحداثة في رواية “موسم الهجرة إلى الشمال”
تحضر المرأة في الرواية ليس بوصفها شخصية تقليدية، وإنما كرمز ثقافي، كمساحة اشتباك بين القهر الشرقي والفضول الغربي، تتناول الرواية عدة شخصيات نسائية بين الشرق والغرب.
كانت “آن همند” على سبيل المثال فتاة ارستقراطية تدرس اللغات الشرقية في اكسفورد، كانت عكس شخصية “مصطفى سعيد” تَحِنُّ إلى مُناخات استوائية، وشموس قاسية، وآفاق أرجوانية، أما “مصطفى سعيد”، فهو جنوبي يَحِنُّ إلى الشمال والصقيع، ولكنهما اتفقا في أن كليهما ضحايا للاستعمار، وأوهام الاستعمار؛ فهو “الشرقي الساحر” كما في حكايات “ألف ليلة وليلة”، وهي الغرب الذي أراد “مصطفى سعيد” أن يغزوه انتقاماً؛ خذلها وخذلت نفسها، وعندما فشلت في هذا المسعى لجأت إلى العنف، ونفي الذات عبر الانتحار.
أما في الشرق، فترفض بنت محجوب أن تعامل كامرأة، فتجالس الرجال وتتبع طرائقهم؛ تحلف بالطلاق كالرجال، تدخن السجائر، تشرب الويسكي، تستمع لأحاديث الرجال الماجنة عن مغامراتهم النسائية، وتشاركهم المجون بحكاياتها عن أزواجها الثمانية.
وبالرغم من تلك الجرأة، فهي نموذج مقبول من وجهة نظر المجتمع الشرقي، وقد يُعزى هذا إلى كبر سنها، فهي تقارب السبعين.
في وسط مجتمع شرقي سادت خلاله أفكار مثل: “المرأة للرجل، والرجل رجل حتى لو بلغ أرذل العمر”، “هذا البلد فيه الرجال قوّامون على النساء”، ترفض بنت محمود الزواج من ود الريس مراراً وتَكراراً، بل وتتوعد إذا أجبرت على زواجها منه أنها ستقتله وتقتل نفسها، بل إنها تطلب الزواج من الراوي، بالرغم من شجب المجتمع لها كما أكد محجوب: “عشنا ورأينا النساء تخطب الرجال.”
يؤكد “إسلام عادل”: “تظهر “حسنة بنت محمود” في نهاية الرواية كسهم ناقم، يذبح السلطة الذكورية، التي فرضت عليها الزواج قسراً، فتمارس القتل دفاعاً عن حقها في الاختيار.
وهنا لا تظهر كضحية، بل تتحول إلى فاعلة؛ تتخذ قراراً جذرياً في لحظة قصوى، وتكسر بذلك ثنائية الخضوع والهيمنة، بهذه الجرأة، تفتح الرواية سؤالاً عن مدى قدرة المرأة في المجتمعات العربية التقليدية على الفعل والتغيير، على أن تكون ذاتاً مستقلة تملك قرارها، لا مجرد تابع أو انعكاساً لإرادة الآخرين.”
إن حضور المرأة في الرواية يتجاوز كونها مجرد شخصية ثانوية أو تقليدية، ليغدو رمزاً ثقافياً يختزن جدلية الشرق والغرب، ويكشف عن مساحات التوتر بين القهر الذكوري والبحث عن الحرية الفردية، فالشخصيات النسائية، سواء في الغرب مثل “آن همند وجين مورس وشيلا غرينود”، أو في الشرق مثل “بنت محجوب وحسنة بنت محمود”، تجسد أشكالاً متعددة من المقاومة والرفض، وتطرح أسئلة عميقة حول موقع المرأة في مجتمعات ما زالت أسيرة السلطة الذكورية ومن خلال هذه النماذج، يفتح “الطيب صالح” باباً للتأمل في قدرة المرأة على أن تكون ذاتاً فاعلة، قادرة على كسر ثنائية الخضوع والهيمنة، وصياغة مصيرها بوعي وإرادة.
تبرز رواية (موسم الهجرة إلى الشمال) كواحدة من أهم النصوص التي طرحت أسئلة الهوية والانتماء والذات في علاقتها بالآخر؛ حيث لم تكتفِ بعرض مأساة فرد مثل “مصطفى سعيد”، بل جعلت من تجربته مرآة لصراع أوسع يعيشه الإنسان العربي في ظل إرث الاستعمار وتحديات الحداثة، فالراوي، الذي تركه “الطيب صالح” بلا اسم، يمثل القارئ العربي الذي يواجه مسؤولية الاختيار بين ما يحفظ من التراث وما يستوعب من الحداثة، وبين الانفتاح على العالم والتمسك بالجذور، ويترك لنا “الطيب صالح” رسالته الأخيرة في الرواية؛ حيث يقرأ الراوي قصاصات ورق كتبها بطل الرواية الغائب الحاضر “مصطفى سعيد”: “نُعَلِّمُ الناس لِنَفْتَحَ أذهانهم ونُطْلِقَ طاقاتهم المحبوسة، ولكننا لا نستطيع أن نتنبأ بالنتيجة، الحرية، نُحَرِّرُ العقول من الخرافات، نعطي الشعب مفاتيح المستقبل؛ لِيَتَصَرَّفَ فيه كما يشاء.”
فلنتصرف بحكمة! وربما نتخلصُ أخيراً من عقدة الخواجة.
المراجع
ـ إسماعيل محمد، هاني، تناقضات الحداثة، مجلة البيان، ٥ مايو ٢٠١١. تناقضات الحداثة.
ـ أمين، جلال، تجديد جورج اورويل: أو ماذا حدث للعالم منذ ١٩٥٠، القاهرة، الكرمة للنشر، ط ٤، ٢٠١٧.
ـ حسين، خالد دراسة تحليلية لرواية الطيب ـ صالح: موسم الهجرة إلى الشمال، مرافي، ٢٩ يونيو ٢٠٢٥. دراسة تحليلية لرواية الطيب صالح: موسم الهجرة إلى الشمال – الروائى خالد حسين – MARAFI
ـ صالح، الطيب، موسم الهجرة إلى الشمال، القاهرة، دار العين للنشر، ٢٠٠٤.
ـ عادل، إسلام، رواية موسم الهجرة إلى الشمال: قراءة نقدية، المحطة، ١٦ أغسطس ٢٠٢٥. رواية موسم الهجرة إلى الشمال: قراءة نقدية – المحطة تأخذك إلى أعماق الفكر
ـ محمد زياد، مسعد، الحداثة-مفهومها-نشأتها-روادها، ديوان العرب، ٤ مايو ٢٠٠٦. الحداثة – مفهومها ـ نشأتها ـ روادها – ديوان العرب.


★ناقدة ـ مصر.

مقالات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى