هند حلمي: “معتصم علي”.. من مقعد المتفرج إلى مطاردة الحقيقة على الخشبة.

هند حلمي★
بدأ حكايته مع المسرح متفرجًا يراقب الخشبة من بعيد، ثم اقترب منها ممثلًا، قبل أن يعبر إلى ضفتها الأخرى مخرجًا يقود الحكاية ويعيد تشكيلها. وبين مقعد المتفرج، ووقوف الممثل على الخشبة، ووقوف المخرج خلفها، ظل معتصم علي يحمل داخله ذلك المتفرج الأول؛ يراقب، ويسأل، ويتأمل، ولا يكف عن النظر إلى المسرح بوصفه طريقًا لاكتشاف الإنسان، ومطاردة الحقيقة، وربما اكتشاف نفسه أيضًا.
هناك فنان يدخل المسرح؛ لأنه يحب الأضواء، وهناك من يدخل إليه؛ لأنه يحب التصفيق، وهناك من يكتشف بعد سنوات أن المسرح لم يكن بالنسبة إليه مكاناً للظهورأصلاً، وإنما مكاناً لاكتشاف الذات.
في حالة الممثل والمخرج المسرحي “معتصم علي”، تبدو الحكاية أقرب إلى رحلة بدأت من مقعد المتفرج، قبل أن تصل إلى خشبة المسرح.
كان يرى المسرح من الخارج بوصفه مساحة تجمع الناس وتمنحهم لحظة من البهجة، ثم دخل إلى هذه المساحة ممثلاً، فاكتشف أن الساعة التي يراها الجمهور على الخشبة يقف خلفها شهور من التعب والبروفات والبحث والتجريب، وحين انتقل إلى الإخراج، اِكتشفَ طبقة أخرى أكثر تعقيداً: أن العرض الذي يبدو مكتملاً أمام الجمهور يبدأ في الحقيقة من سؤال، وفكرة، ونص، وقراءة، وصراع طويل مع التفاصيل.
لهذا ربما لا يمكن تقديم “معتصم علي” فقط باعتباره «مخرجاً مسرحياً»، لأن اللقب المهني لا يكفي لتفسير الرحلة.
فهو كما يقول عن نفسه، «شخص يحاول الوصول لنفسه ولحلمه منذ صغره؛ شغوف ويحب الحياة. »
ومن هنا يبدأ الحوار؛ من الإنسان قبل اللقب، ومن الشغف قبل الخشبة.
لو سنُعرّف “معتصم علي” في جملة واحدة بعيداً عن اللقب المهني… ماذا تقول ؟
شخص يحاول الوصول لنفسه ولحلمه منذ صغره؛ شغوف ويحب الحياة.
ومن هو الممثل والمخرج المسرحي قبل ما يبقى “معتصم علي” على البوستر؟
“معتصم علي” هو واحد كان عنده شغف بالمسرح كمتفرج.
كنت أحب أن أتفرج، وكنت أرى أن المسرح يجمع الناس حوله ليسعدهم.
حتى دخلتُ عالم المسرح، وبدأتُ التمثيل، فأدركتُ أن الساعة التي كنتُ أشاهدها على خشبة المسرح يقف وراءها تعبُ شهورٍ طويلة، حتى يتمكن الفريق من تقديم عرضٍ يمتد ساعةً واحدة يُمتع الناس.
ثم اتجهتُ إلى الإخراج، فعرفتُ أن ما يسبق شهورَ البروفات من إعداد النص المسرحي وصياغة الفكرة يتطلب جهدًا أكبر وأعمق.
والحمد لله، أصبح اسمي اليوم حاضرًا في كثيرٍ من الأعمال، وذلك فضلٌ من الله أن أكون موجودًا في المجال الذي أحببتُه دائمًا. وقد خضتُ تجربتين في الإخراج، وأسأل الله أن يوفقني للاستمرار.
من تلك البداية حتى اليوم… ما الذي تغيَّر في نظرتك إلى المسرح؟
في البداية، كنتُ أرى المسرح مساحةً للحلم؛ مكانًا أستطيع أن أحقق فيه ذاتي، وأثبت وجودي، وكنتُ أظن أن نجاح العرض مرتبطٌ بمدى تصفيق الجمهور أو انبهاره.
كان لديَّ شغفٌ كبير، وطاقةٌ أكبر، لكن نظرتي كانت أبسط بكثير.
ومع مرور الوقت وتراكم التجارب، أدركتُ أن المسرح أعمق من ذلك بكثير.
فهمتُ أن المسرح ليس مجرد خشبةٍ وإضاءةٍ وستارة، بل هو مساحةٌ إنسانيةٌ حقيقية؛ نواجه فيها مخاوفنا، وأسئلتنا، ونقاط ضعفنا، قبل أن نواجه الجمهور.
وتغيَّرت أيضًا نظرتي إلى المخرج نفسه، في السابق، كنت أرى أن المخرج لا بد أن يكون صاحب السيطرة الكاملة، أما اليوم فأصبحت مؤمنًا بأن المخرج الحقيقي هو من يُحسن الإصغاء، ويحتوي الجميع، ويصنع روحًا تجمع كل عناصر العرض؛ لأن المسرح، في نهاية المطاف، فنٌّ جماعي، ولا ينجح أي عرض بجهد شخصٍ واحد.
وأصبحتُ أهتم بالصدق أكثر من اهتمامي بالإبهار الخالي من المعنى، حتى وإن جاء هذا الصدق في صورةٍ بسيطة، وصرتُ أحب اللحظات التي يخيِّم فيها الصمت على الجمهور؛ لأنه يشعر بما يراه، أكثر من اللحظات التي يصفق فيها لمجرد التصفيق.
كما أدركتُ أن الفشل جزءٌ أساسي من الرحلة، فكل تجربة حتى وإن لم تُحقق النجاح الذي كنت أتخيله، كانت تُعلِّمني شيئاً جديداً عن المسرح وعن نفسي؛ إذ لا يوجد عملٌ مسرحي يبلغ الكمال بنسبة مئة في المئة، ومن وجهة نظري، فهذه حقيقةٌ بالغة الأهمية.
واليوم أستطيع أن أقول إن المسرح لم يعد بالنسبة إليَّ مجرد حلمٍ أو مهنة، بل أصبح وسيلةً لفهم الحياة والناس، وطريقةً أقاوم بها فكرة أن كل شيءٍ أصبح سريعاً وعابراً ومستهلكاً.
ولا يزال المسرح، بالنسبة إليَّ، مكاناً يزخر بصدقٍ نادر، وكلما مضيتُ فيه خطوةً اكتشفتُ أنني ما زلتُ في بداية التعلُّم.
وربما هنا نستطيع أن نستحضر مقولة المخرج البريطاني “بيتر بروك” في كتابه: المساحة الفارغة»: أستطيع أن آخذ أي مساحةٍ فارغةٍ وأسميها خشبةَ مسرح» فالمسرح، في جوهره، لا يكمن في الخشبة وحدها، وإنما في ما ينشأ بين الإنسان والمكان والمتلقي.
وهذا تحديداً ما يبدو أن “معتصم علي” قد اكتشفه تدريجياً؛ فكلما اقترب من المسرح، اِبتعد عن صورته التقليدية، واقترب أكثر من جوهره الإنساني.
وهل لا يزال الحماس الأول حاضراً، أم أنه تشكَّل بصورةٍ مختلفة مع الخبرة؟
أعتقد أن حماسي اليوم أكبر مما كان عليه في البداية؛ لأنني كلما خطوتُ خطوةً في هذا الطريق، تعلمتُ في مقابلها أشياء كثيرة، ولذلك يزداد شغفي يوماً بعد يوم بأن أتعلم أكثر، وأن أطوِّر نفسي باستمرار، حتى أظل حاضرًا ومؤثرًا في هذا المجال.
في البداية كنتُ متفرجًا، ثم أصبحتُ ممثلاً، وبعد ذلك وجدتُ أن لديَّ حماساً وشغفاً أكبر، وقلتُ لنفسي: لماذا لا تتحوَّل الروايات التي أقرأها، أو الأفكار التي أحبها، إلى عروضٍ مسرحية؟ ومن هنا بدأتُ الإخراج، وأكتب أحياناً.
هل يمكن أن تتنازل عن الفكرة لصالح الشكل البصري، أو العكس؟
أرى أن اجتماع الاثنين هو الحالة الأجمل؛ فحين تتكامل الفكرة مع الصورة البصرية، يتركان أثراً أعمق في عقول الناس ووجدانهم.
فالصورة وحدها، من دون فكرة، قد تُبهرني في لحظتها، لكنها لا تبقى طويلًا، وكذلك الفكرة، إذا جاءت مجردة من معالجةٍ بصرية، فقد لا تصل إلى كثيرٍ من المتلقين، أما عندما تجتمع الفكرة مع الصورة، فإن كلّاً منهما يخدم الآخر ويمنحه قوةً أكبر.
ولو اضطررتُ إلى الاختيار، لاخترتُ الفكرة؛ لأنها المحور، وهي روح العرض المسرحي.
وأيهما أهم عندك: الرسالة، أم المتعة المسرحية؟
لا أظن أنني أستطيع أن أفصل بينهما؛ فالرسالة عنصرٌ أساسي في المسرح، لكن المتعة هي التي تشد المتلقي وتحافظ على حضوره وتفاعله، فالمشاهد لا يأتي ليحضر درساً، وإنما يأتي ليستمتع.
ولذلك أرى أن الرسالة والمتعة يكمل بعضهما بعضاً؛ فالمهمة الحقيقية هي أن تتحول الفكرة إلى تجربةٍ مسرحيةٍ ممتعة تصل إلى المتفرج من دون مباشرة أو وعظ.
وهنا يبدو أن “معتصم علي” لا يرى الرسالة نقيضاً للمتعة، بل يؤمن بأن الفكرة إذا لم تجد طريقها إلى وجدان المتلقي فقدت جزءاً من قدرتها على البقاء، فالمسرح في نظره، ليس منصةً لإلقاء المواعظ، بل مساحةٌ تجعل الإنسان يشعر أولاً، وربما يفكر بعد ذلك.
هل تؤمن بأن المسرح يجب أن «يُعلِّم»، أم يكفي أن «يُشعِر»؟
في الحقيقة، لستُ مؤمناً بأن وظيفة المسرح الأساسية هي أن يعلِّمني.
نعم، من الجميل أن أتعلم شيئاً من العرض، لكن ما أبحث عنه أولاً هو الشعور، فإذا شاهدتُ لحظةَ تمثيلٍ صادقة، أو حتى لحظةَ صمتٍ مؤثرة، فإنني أشعر قبل أن أتعلم؛ لأنني، كما قلت، لا آتي إلى المسرح لأتلقى درساً، وإنما لأعيش تجربةً تلامسني.
وهذا المعنى يقترب من روح المسرح الذي يتجاوز فكرة «التعليم المباشر» إلى المشاركة الإنسانية، وهي الفكرة التي ارتبطت أيضًا بمسرح المخرج البرازيلي “أوغستو بوال”؛ إذ رأى أن المتفرج شريكٌ في التجربة، لا مجرد متلقٍّ سلبي، وهو ما يجعل المسرح مساحةً للتفاعل والوعي أكثر من كونه فصلاً دراسيًاً.
كيف تختار القضايا التي تشتغل عليها؟
غالباً ما أبدأ من فكرةٍ أو شعورٍ يسكنني، أو من موضوعٍ أرى أنه يمكن أن يُقدَّم بصورةٍ مسرحيةٍ مختلفة، ومن هنا تنطلق عملية الاختيار.
وأنا أقرأ كثيراً من الروايات، ولذلك كثيراً ما أجد أفكاراً أو شخصياتٍ تلامسني، فأقول لنفسي: لماذا لا تتحول هذه إلى عرضٍ مسرحي؟ ولا سيما إذا كانت تعكس جانباً من حياة الناس، أو تُعبِّرعنهم بصورةٍ صادقة.
وأشعر أن القضايا التي تمَسُّ جوهر الإنسان هي الأهم؛ لأنني أحب أن يخرج المتفرج من العرض وهو يقول: لقد عبَّرتَ عمَّا بداخلي .
وهذا يقودنا إلى سؤالٍ آخر: هل المخرج صاحبُ رؤيةٍ يفرضها، أم عينٌ ترى ما لا يراه الآخرون؟
يبدو أن “معتصم علي” لا يرى نفسه مخرجاً يفرض سيطرته على العالم فوق الخشبة، بقدر ما يسعى إلى أن يهيئ مساحةً يظهر فيها العالم كما هو، بكل ما فيه من تماسكٍ وهشاشةٍ في آنٍ واحد.
إنه أقرب إلى من يبني عالماً مؤقتاً، وهو يدرك، منذ البداية، أنه عالمٌ قابلٌ للكسر.
وليس هدفه أن يقدم عالماً مثالياً مكتملاً، وإنما أن يدعو الجمهور إلى رؤية التشققات الكامنة فيه، والوقوف أمامها من دون إخفاءٍ أو تجميل.
وكثيراً ما يعيد تفكيك ما يبنيه أمام الجمهور، لا بدافع الهدم، وإنما بدافع السؤال: هل ما نراه حقيقةٌ فعلاً؟ أم أننا اعتدنا أن نراه بهذه الصورة فحسب؟
لذلك يمكننا أن نقول إنه يعمل في المنطقة الفاصلة بين البناء والكشف وإعادة التفكيك؛ وكأنه يحاول أن يجعل المسرح ليس مكاناً لتقديم الإجابات، بل مساحةً لخلق وعيٍ جديد بالأسئلة.
وكيف تُوازن بين التعلُّم من الكبار والحفاظ على صوتك الخاص؟
أنا، كـ “معتصم علي”، أرى أن المخرج أو الفنان يمكنه أن يتعلَّم الكثير ممن سبقوه، لكنه لا ينبغي أن يكون نسخةً من أحد.
قد أتأثر بتجارب الآخرين، لكن ما أقدِّمه سيظل صادراً بعقلي وصوتي أنا، صوت “معتصم علي”؛ لأنه لا أحد يبدأ من فراغ.
لقد عملتُ مع عددٍ من أبرز المخرجين في أسيوط منذ بداياتي ممثلاً، وحتى بعد أن أصبحتُ مخرجاً كنتُ ضمن فرق الإخراج معهم، ولذلك فمن الطبيعي أن أتعلَّم منهم، وما زلتُ أتعلَّم إلى اليوم.
لكن حين أقدم تجربةً إخراجيةً تحمل اسمي، فإن الصوت الذي ينبغي أن يُسمع هو صوتي أنا، ولا أريد أن يرى أحدٌ في عملي نسخةً من تجربة مخرجٍ آخر، لأنني أتعلم من الجميع، ثم أعيد تقديم ما تعلمته برؤيتي الخاصة.
من هو معتصم علي خارج دائرة الضوء؟ ذلك الذي لا يصفق له أحد، لكنه يظل جمهوره الأول؟
هو شخصٌ بسيطٌ للغاية، يسأل أكثر مما يجيب.
شخصٌ كثير التفكير، يحاول أن يفهم نفسه والعالم الواقعي من حوله، ومن خلاله ينسج عوالمه المتخيلة.
قد يبدو للناس هادئاً جداً، لكنه يعيش صراعاتٍ كثيرةً مع نفسه.
إنسانٌ يتعلق بالحكايات والتفاصيل الصغيرة، ويتأثر بالمشاهد، وبنظرةٍ عابرة، أو بكلمةٍ صادقة.
وهكذا يبدو أن المخرج الذي يقف أمام الجمهور هو نفسه الإنسان الذي يقضي وقتاً طويلاً في مواجهة أسئلته الداخلية.
هل علَّمك المسرح أن تواجه نفسك؟
بالتأكيد..علمني كيف أكون حقيقياً وصادقاً في التعبير؛ لأن أغلب اللحظات التي تصل إلى الجمهور وتبقى في ذاكرته هي اللحظات الصادقة، لا تلك التي تقوم على مجرد التمثيل.
كما تعلَّمتُ كيف أبني شخصياتٍ تختلف عن شخصية “معتصم علي”، من خلال الدراسة والبحث والاهتمام بالتفاصيل.
واكتشفتُ كذلك أنني أحب القراءة حباً كبيراً.
وتعلمتُ أن أستمع إلى الناس، وأن أتفهم اختلافاتهم.
وربما كان أهم ما تعلمته هو أن أواجه نفسي.
وهل تعتبر نفسك تطارد الحقيقة أم تخلقها؟
أعتقد أنني أطارد الحقيقة.
فالحقيقة موجودة بالفعل في عالمنا، لكنها تختبئ داخل كل إنسان.
وذلك العالم المسرحي الذي يُبنى خلال شهور، ثم يتجسد أمام الجمهور في ساعةٍ واحدة، قادرٌ على أن يلامس تلك الحقيقة ويكشفها لكل شخصٍ بطريقته الخاصة.
ولهذا يظل المسرح يطارد الحقيقة بالإحساس والصدق.
ولو اختفى المسرح… فما الذي سيبقى منك؟
سيبقى “معتصم علي” الذي تَشكَّل عبر كل تلك التجارب المسرحية.
سيبقى الإنسان المنضبط الذي صنعه المسرح.
وربما تلخص هذه الإجابة إحدى أهم وظائف الفن؛ فالتجربة لا تنتهي بانتهاء العرض، قد يُسدل الستار، لكن أثر العرض يبقى في الفنان، كما يبقى أثر الشخصية في الممثل، وأثر الخشبة في المخرج.
لو وصفت رحلتك المسرحية بكلمةٍ واحدة، فماذا ستكون؟ ولماذا؟
الحلم.
لأن المسرح بالنسبة إليَّ حلمٌ كبير يتحقق جزءاً بعد جزء.
فكل تجربةٍ أعيشها اليوم كانت يوماً ما حلماً أسعى إليه.
وربما كانت الأحلام هي التي منحتني القدرة على الاستمرار، وجعلت الرحلة نفسها تستمر.
وما الحلم الذي لا يزال ينتظر التحقق؟
أحلامي لم تنتهِ، ولن تنتهي ما دمتُ على قيد الحياة.
فكلما حققتُ حلماً، وُلد حلمٌ جديد.
أما الحلم الأكبر، فهو أن أؤسس مهرجاناً فنياً في صعيد مصر يضم المسرح بوصفه أحد محاوره الرئيسة.
أتمنى أن أُقيم مهرجاناً تنطلق فعالياته من أسيوط، ويجمع محافظات الصعيد كلها، ثم يمتد ليشارك فيه فنانون من مختلف محافظات مصر، بل ومن دولٍ أخرى أيضاً.
وقد لا يكون أول مهرجان يُقام في الصعيد، لكنه إذا خرج إلى النور برؤية “معتصم علي”، فسيكون تجربةً مختلفةً لها هويتها الخاصة.
وبإذن الله، سيتحقق هذا الحلم.
ولديَّ حلمٌ آخر، وهو أن أقدم عرضاً مسرحياً ضخماً من إخراجي، أجوب به أنحاء مصر، وأقدِّمه في عددٍ من المسارح الكبرى، ثم أُخرِجه إلى خارج مصر إن أمكن.
أما على مستوى النصوص، فأتمنى أن أُعرِّف الناس بالروايات غير المشهورة، وأن أُحوِّلها إلى عروضٍ مسرحية تستخرج منها أفكاراً جديدة تُواكب وعي الجمهور وتطلعاته.
لم أعد أميل إلى تقديم نصوصٍ مسرحية قُدِّمت مراراً؛ لأنني أشعر أنه، مهما حاولتُ أن أقدم فيها رؤيةً مختلفة، فإنها ستظل تعود، في لحظةٍ ما، إلى صورتها الأولى.
ومع ذلك، أتمنى أن أقدم أعمالاً روائيةً كبرى، مثل:
»البؤساء «و«الجريمة والعقاب» فهذه الأعمال تُمَثِّلَ بالنسبة إليَّ تحدياً فنياً حقيقياً.
ولو عاد بك الزمن إلى البداية… هل كنت ستغيِّر شيئاً؟
أشعر أنني لو عدتُ إلى البداية، فلن أغيِّر شيئاً؛ لأن كل ما وصلتُ إليه اليوم بُني على أخطاء الماضي وتجاربِه.
لكن، إذا كان لا بد من تغييرٍ واحد، فسأبدأ علاقتي بالمسرح في سنٍّ مبكرة، وسأمنح التمثيل اهتماماً أكبر في بداياتي.
أين ترى نفسك مخرجاً بعد خمس سنوات؟
أتمنى أن يبقى داخلي الشغف نفسه، والحماس نفسه، والحب نفسه، بل أتمنى أن يزداد.
وأتمنى أن تكون لي، بعد خمس سنوات، بصمةٌ واضحة بوصفِي مخرجًا، وأن أكون قد نجحتُ في بناء عالمي المسرحي الخاص.
وفي الوقت نفسه، أتمنى أن أبقى مخرجاً لا يتوقف عن التعلُّم.
لأنني أؤمن أن الفنان، في اللحظة التي يظن فيها أنه وصل إلى النهاية، يبدأ في التوقف عن التطور.
وهنا تكمن واحدة من أكثر الأفكار وضوحاً في تجربة معتصم علي؛ فـ«الوصول» ليس غايته، وإنما غايته أن يبقى في حالة حركةٍ دائمة، لأن الفنان حين يعلن أنه وصل، يبدأ في تكرار نفسه.
ما المشروع الذي تتوق إلى إنجازه، وما زلت تنتظر الظروف المناسبة لتحقيقه؟
أتمنى أن أؤسس مهرجاناً، أو فضاءً مسرحياً، يجمع المسرحيين في أسيوط وفي صعيد مصر؛ لأننا، في كثيرٍ من الأحيان، نبقى بعيدين عن دائرة الضوء مقارنةً بالقاهرة والإسكندرية.
وهل هناك سؤال كنت تتمنى أن يطرحه عليك أحد ولم يُطرح؟
نعم.
كيف تحاول أن تحمي نفسك، مسرحياً، من الوقوع في فخ عدم التجدد؟
والإجابة أنني أحاول دائماً أن أحافظ على الجانب الإنساني داخلي؛ لأن الصدق هو ما يجعلني مقنعاً، سواء كنت مخرجاً أم ممثلاً.
فكل عرضٍ يخرج إلى النور يحمل حالةً إنسانيةً مختلفة، لكنها في النهاية تَصدر من الشخص نفسه، ومع غياب التجدد يتسلل الملل.
ولهذا أحاول دائماً أن أكون صادقاً مع نفسي، وأنا أتناول قضايا العرض، أو أطرح المشكلات النفسية، أو أعبر عن الحالات الإنسانية، حتى أكون صادقاً مع جمهوري.
أما التجدُّد المسرحي، فأراه يبدأ من القراءة المستمرة، ومن تحليل النصوص المسرحية، حتى تلك التي لا أنوي تنفيذها.
فمجرد قراءتها وتحليلها يفتح أمامي آفاقاً جديدة للتفكير في المسرح.
ولو أردت أن توجه رسالةً إلى المسرح نفسه… فماذا ستقول؟
سأقول له: شكراً.
لأن هذه الكلمة، بالنسبة إليَّ، تكشف كل شيء، وتختصر كل ما أريد قوله.
وربما لم تكن «شكراً» هنا مجرد كلمةٍ ختامية، بقدر ما كانت اعترافاً كاملاً بعلاقةٍ طويلة؛ علاقةٍ لم تمنح “معتصم علي” مجرد مهنة، أو حضوراً على الملصقات، وإنما منحته شيئاً أعمق: طريقةً يرى بها نفسه، ويرى بها الآخرين.
بدأ “معتصم علي” رحلته من مقعد المتفرج؛ حيث كان يرى ساعةً من المتعة، ولا يرى ما يقف خلفها من جهد.
ثم أصبح جزءاً من تلك الساعة، فاكتشف تعب الشهور الذي يسبقها.
وبعد ذلك انتقل إلى الإخراج، فاكتشف أن الخشبة ليست نقطة البداية؛ فقبلها يوجد النص، والفكرة، والقراءة، والبحث، والخوف، والاختلاف، والبروفات، والإنسان.
وفي أثناء هذه الرحلة، تغيَّر معنى المسرح لديه، فلم يعد المسرح مجرد مكانٍ لإثبات الذات، ولا خشبةً ينتظر فوقها المخرج تصفيق الجمهور، بل أصبح مساحةً لاختبار الصدق، ومواجهة الهشاشة، ومطاردة الحقيقة.
وإذا كان “بيتر بروك” قد اختصر جوهر المسرح في إمكانية تحويل «أي مساحةٍ فارغة» إلى خشبة، فإن تجربة “معتصم علي” تبدو وكأنها تبحث عن تلك المساحة الفارغة داخل الإنسان نفسه؛ ذلك المكان الذي يمكن أن يولد منه السؤال.
وإذا كان “أوغستو بوال” قد أعاد تعريف المتفرج بوصفه شريكاً في الفعل المسرحي، فإن “معتصم علي” يبدو منشغلاً أيضاً بأن يجعل الجمهور شريكاً في الإحساس، لا مجرد متلقٍّ لرسالةٍ جاهزة.
ولذلك، فربما لا يكون السؤال الأهم: إلى أين سيصل “معتصم علي”؟
فهو نفسه لا يبدو معنياً كثيراً بفكرة الوصول.
أما السؤال الأجمل، فهو: كم مرة سيعيد اكتشاف المسرح؟ وكم مرة سيعيد المسرح اكتشافه؟
إنه يحلم بمهرجانٍ يجمع مسرحيي الصعيد، وبعرضٍ يجوب مصر، وربما يعبر حدودها، ويحلم بأن يشتبك مع الروايات الكبرى، وأن يستخرج من الروايات الأقل شهرة عوالم جديدة، وأن يصنع بصمته الخاصة.
لكن خلف كل هذه الأحلام الكبيرة، يظل هناك حلمٌ أصغر، وأكثر عمقاً، لا يبدو أنه مستعد للتخلي عنه:
أن يظل شغوفاً.
أن يظل قادراً على الدهشة.
أن يظل قارئاً.
أن يظل قادراً على مواجهة نفسه.
وأن يظل، قبل كل شيء، فناناً لا يعتقد أنه وصل.
لأن “معتصم علي”، في النهاية، لا يتعامل مع المسرح بوصفه مكاناً يقف فيه أمام الجمهور، وإنما يعتبره طريقاً يمضي فيه نحو نفسه.
ولهذا، حين سألناه عن الكلمة التي تختصر رحلته كلها، لم يقل: «النجا ح»، ولا «الإخراج»، ولا «المسرح«
بل قال: «الحلم .
وربما كانت تلك الكلمة هي مفتاح الحكاية كلها.
فبعض الأحلام لا تتحقَّق مرة واحدة، بعضها يتجدَّد كلما اقتربنا منه.
وبعض الفنانين لا يعيشون لكي يصلوا إلى نهاية الطريق…
بل لكي يظل الطريق مفتوحاً أمامهم.
★ناقدةـ مصر.




