المخرج السوري أسامة حلال:مفهوم الثقافة والاقتصاد الثقافي في منطقتنا بحاجة لمراجعة جذرية!
حوار : رؤى العنزي.


رؤى العنزي★
أسامة حلال مخرج وممثل سوري من مواليد ١٩٧٩ خريج المعهد العالي للفنون المسرحية عام ٢٠٠٤، شارك كممثل في العديد من الأعمال السورية سواء في التلفزيون أو المسرح، منها الظاهر بيبرس، رسائل الحب والحرب، سيرة الحب، نزار قباني، أنا القدس، طاحون الشر وغيرها.
أسس عام ٢٠٠٢ “فرقة كون” لتكون مختبراً حراً ومساحة فعلية لتجارب مسرحية، بدأها في دمشق، ثم انتقل لبيروت، من هذه العروض، الدون كيشوت، جثة على الرصيف، سيلوفان، فوق الصفر، ومؤخرا أبطال الظل.
بين التجريب الحركي والبحث، يقف المخرج أسامة حلال كأحد أبرز الأسماء التي أعادت صياغة مفهوم “الفرجة المسرحية” السورية المعاصرة عبر “فرقة كون”، حيث لم يكتفِ بتقديم عروض، بل قدم مختبراً مفتوحاً على الأسئلة القلقة.
في ذاكرة الخشبة، وجدوى الفن في زمن الانكسارات كانت لي معه بعض الأسئلة.
1 – في أغلب عروضك، نلحظ انحيازاً صريحاً للحركة والرقص والتعبير الجسدي على حساب النص المنطوق، هل تعتقد أن الكلمة في المسرح السوري المعاصر استُهلِكت وفقدت قدرتها على ملاحقة تسارع الحدث، فأصبح الجسد هو النص الأصدق والوحيد القادر على حمل أفكارك؟.
أرى في العملية الإبداعية في المسرح في منطقتنا فصلاً راديكالياً وقاسياً بين الفنون، حيث التمثيل والرقص والموسيقا وسائر فنون الأداء. لا أؤمن بهذا الفصل، إذ أن الحدود بين هذه الفنون ليست من صلب الصنعة المسرحية. في عروضي أعمل على فكرة “المؤدي متعدد المهام”، وهو أمر متأثر بخلفيتي الثقافية، فأنا راقص بريك دانس. لذلك أرى أن الأهم بالنسبة لي هو المعنى الذي أريد إيصاله من خلال فتح هذه الحدود بين الأنواع الفنية، وهو ما يمنح المؤدي حرية أوسع في التعبير وأدوات أكثر غنى. لم أتعمد هذا التنوع في أعمالي، لكنني أعتقد أن الاعتماد على الجانب الجسدي يرتبط بقدرة التعبير. فإذا كانت الكلمة ضرورية أستخدمها، أما إذا وصل المعنى بالفعل الجسدي فلا ضرورة لاستخدامها.
2 – دائماً ما تصطدم الرؤية الإخراجية بحدود الإمكانيات التقنية والمادية، لو رُفِعَت عنك كل القيود، ما هو “العرض الحلم” الذي تسكنك تفاصيله ولم تجد الفضاء أو الأدوات لتحقيقه بكامل معاييرك حتى الآن؟.
لا أفكر بهذه الطريقة. بالتأكيد، لو توفرت لي إمكانيات مادية أكبر لارتفعت الجودة، لكنني في العموم أعمل ضمن ما يُعرف بـ”المسرح الفقير”، حيث أعمل على غرض واحد، دون ديكورات كثيرة أو أزياء متعددة، وهي سمة من سمات عروضي المسرحية. كما أن عروض “كون” تعتمد بشكل كبير على الصورة، أي على تركيب السينوغرافيا بكل عناصرها مع الأداء. في النهاية إن وجود تمويل أكبر قد يرفع مستوى الإنتاج، لكنني لا أعتقد أنه سيُحدث فرقاً جذرياً بين ما أقدمه الآن وما يمكن أن أقدمه في ظروف إنتاج أفضل.
3 – هل تتعامل مع عروضك كمشاريع مفتوحة قابلة للتطوير وإعادة القراءة مع كل عرض جديد، أم أنك تميل إلى إغلاق القوس على التجربة لتبدأ من “الصفر” في مشروع بكر ومختلف تماماً؟.
تتطور عروضي باستمرار، وهذا ما يميز المسرح عن باقي الفنون، فالمسرح فن حي يعيش ويتحول، على عكس اللوحة أو القطعة الموسيقية أو الفيلم أو الرواية أو الشعر. في المسرح تتاح فرصة إعادة مساءلة المادة مع فريق العمل في كل مرة، وهو ما حدث فعلاً في عروضي مثل “فوق الصفر” و”سيلوفان”. عروضي دائماً ما تتنفس في رحلتها، تعيش وتتطور، وكذلك المؤدي ينضج ويتطور مع كل عرض، وأنا بدوري أتطور من خلال علاقتي بكيفية اختبار التفاعل بين المادة الفنية والجمهور. أنا مع فكرة أن يبقى المسرح في حالة تطور مستمر، وإن كان هذا التطور لا يطال تغييرات جذرية، بل يظهر غالباً في تفاصيل صغيرة تتراكم مع الوقت.
4 – المسرح فعل جماعي بامتياز، مَن مِن المسرحيين داخل سوريا أو خارجها تشعر بوجود تقاطعات في الرؤية معه، وتتشوق لخوض تجربة عمل مشتركة بينكما، إيماناً منك بأن هذا اللقاء سيُنتج عرضاً استثنائياً؟ ولماذا هذا الاسم تحديداً؟.
أعمل فعلاً على فكرة أن المسرح فعل جماعي، ولهذا السبب اتجهت إلى تأسيس فرقة “كون”. أنا أعمل ضمن إطار جماعي، وليس باسم فردي، بمعنى أن العروض لا تقدم باسمي الشخصي بل باسم الفرقة. ولهذا أحب فكرة الشراكات كثيراً، وقد خضت بالفعل تجارب تعاون سابقة، وأرحب دائماً بأي شراكات جديدة. لا يوجد اسم محدد أضعه كخيار أول، لكن في الوقت نفسه يلفتني العمل مع فنانة تشكيلية تعمل أيضاً في مجال الأداء، وهي سلافة حجازي. هي فنانة موهوبة جداً، تمتلك رؤية مختلفة وتفكيراً خارج الصندوق، وأعتقد أن أي عمل تركيبي يجمع بيننا يمكن أن ينتج تجربة فنية قوية ومميزة.
5 – لو أتيحت لك فرصة العودة بالزمن لتعيش تجربة كاملة مع فنان مسرحي منذ نشأة الفن وحتى الآن، من تختار ليكون معلمك أو شريكك؟ وما هو الشيء الذي قد تجرؤ على حذفه أو تطويره في تجربته التاريخية؟.
رغم أن السؤال يحمل طابعاً رومانسياً إلى حد ما، فإنني أود لو أتيحت لي فرصة عيش تجربة أبو خليل القباني، لأنني أراها التطور المنطقي للمسرح العربي والمسرح السوري، فالقباني ينحدر من خلفية عائلية محافظة ومتدينة، وفي الوقت نفسه كان مسرحه مليئاً بالموسيقا والرقص والغناء، إضافة إلى أن علاقته بالسلطة كانت علاقة ندية ومليئة بالتوتر الإبداعي. أعتقد أن تجربته من التجارب الأكثر إثارة للاهتمام في سياق نشأة المسرح العربي وتطوره.
6 – استوقفتني مؤخراً شروط بعض المؤسسات المانحة التي تحصر دعم المشاريع الفنية لمن هم دون الـ 35 عاماً، في ظل ظروف سوريا التي سرقت سنوات طويلة من “أحلامنا الفنية”، هل ترى من الإنصاف إقصاء من تجاوز هذا العمر؟ وكيف تقرأ أثر هذا التحديد العمري على فنانين أوقفتهم الظروف القهرية قسراً؟.
أعتقد أن هذا الشرط كان مطروحاً سابقاً لدى “المورد الثقافي”، لكن على ما يبدو أنه لم يعد معمولاً به. لكن السؤال الأهم في رأيي هو: لماذا نعتمد في المشهد الفني أساساً على خيار واحد هو المؤسسات المانحة؟ هناك مؤسسات مشكورة مثل “اتجاهات” و”المورد الثقافي” و”آفاق” وغيرها من المراكز الثقافية، لكنها غالباً ما تقدم دعماً لمرة أو مرتين، ثم تتاح الفرصة لغيرك، حتى لو كنت فناناً جيداً ومستمراً في إنتاجك. من هنا أطرح السؤال الأوسع: أليس الاقتصاد الثقافي في جوهره مشروع دولة؟ يفترض أن تكون الوزارات هي الجهة التي تؤمن بنية إنتاجية مستدامة تسمح للفنان بالعمل براحة واستمرارية. لذلك أعتقد أن مفهوم الثقافة والاقتصاد الثقافي في منطقتنا بحاجة إلى مراجعة جذرية.
7 – بناء على خبرتك في “كون” ككيان مستقل، ما هي العناصر الجوهرية المطلوبة اليوم لخلق مسرح حقيقي ومسرحيين فاعلين داخل الجغرافيا السورية؟ وهل تعتقد بوجود “جدول زمني” منطقي لعودة المسرح السوري إلى أوج قوته؟.
لا أرى ضرورة لوضع جدول زمني. أعتقد أن هذه التحولات لا تحدث وفق تخطيط مسبق، بل تتشكل تدريجياً مع الوقت. لكن في المقابل، إذا أردنا الحديث عن إنشاء كيانات مسرحية مستقلة، فنحن بحاجة أولاً إلى مبادرات جماعية. فالمسرح يبدأ كفعل فردي ينطلق من صانع العمل، ثم يتحول لاحقاً إلى فعل جماعي يأخذ قيمته من علاقته مع الفريق. والأهم أن تكون هناك رغبة حقيقية لدى الفريق في العمل، عندها يمكن إيجاد حلول لكل التحديات الأخرى. عندما بدأت فرقة “كون”، كنت أقيم البروفات في الشارع ثم في الحدائق، وأحياناً في منزلي، إذ لم يكن هناك استوديو متاح في سوريا. لاحقاً في بيروت أتيحت لي مساحة للعمل داخل استوديو. لذلك أرى أن عناصر الفرد والجماعة والمكان والإنتاج يمكن تكييفها بطرق متعددة إذا وجدت الإرادة. بالنهاية، الرغبة الجدية هي الأساس. في بداياتي كنت أمول عروضي الأولى من مالي الخاص دون أي مردود مادي. فالمسرح ليس فناً سهلاً، بل يحتاج إلى قدر من التضحيات حتى يتمكن الفنان من التطور والاستمرار.
8 – هناك عروض ولدت وقدمت في المغترب، أي منها تشعر بأهمية لإعادة عرضه في سوريا؟ وما هو العرض الذي تعتقد أن جمهور دمشق سيستقبله بصدمة أو بوعي مختلف تماماً عما حدث في الخارج؟.
بشكل عام، لا أتابع كل الأعمال بشكل تفصيلي، لكنني أعتقد أن كل من قدم عروضاً في الخارج تتناول “القضية السورية” ينبغي أن يعيد تقديمها داخل سوريا، لأن هذا هو السياق الطبيعي والحقيقي لعرضها، ومن ثم يمكن الانطلاق منها نحو فضاءات أوسع وعالمية. على المستوى الشخصي، أتمنى أن أتمكن من إعادة تقديم جميع العروض التي عملت عليها خارج سوريا داخلها أيضاً، لأنها بالنسبة لي تنتمي إلى هذا المكان أولاً وأخيراً.
9 – أحياناً ينتاب المسرحي شعور بأن كل ما فعله ذهب سدى أمام واقع شديد القسوة، بعد كل هذه السنوات، هل ما زال أسامة حلال يؤمن بأن المسرح وسيلة حقيقية للتغيير والتطور الاجتماعي، أم أنه بات مجرد “مساحة آمنة” للتفريغ النفسي والنجاة من الجنون؟.
لا أرى المسرح مساحة للتفريغ النفسي بالمعنى المباشر، لكنه قد يشكل مساحة من هذا النوع داخل فريق العمل. بالنسبة لي، المسرح يساهم في معالجتي على المستوى النفسي، يتيح لي اختبار أفكاري، وأن أذهب إلى أقصى حدودي في الحلم والأمل، كما في التجريب والخيبة أيضاً. لكن في جوهره، يبقى المسرح فعلاً سياسياً واجتماعياً، وهذه هي طبقته الأولى. وحتى حين تبدو هذه الرسالة غائبة، فإن الفعل المسرحي يظل ينطوي ضمنياً على بعد سياسي. لذلك أؤمن بأن المسرح فعل ضروري، يساعدنا على فهم أنفسنا وفهم المجتمع، كما يساهم في التعافي، وطرح الأسئلة، وتحفيز الشك. وبالنسبة لي، ما زال الإيمان بالمسرح قائماً، وما زال الأمل به حاضراً.
10 – لكل مخرج “شيفرة” خاصة ومدرسة يبنيها ببطء، ما هي الشروط الذهنية أو الأدوات التي تطلبها فيمن يطمح للتعلم من تجربتك أو الانضمام إلى عروضك؟ وهل تضع “الموهبة” في المقام الأول أم “الانضباط والرؤية“؟.
أعتقد أن الالتزام والتدريب أهم من الموهبة. الموهبة ضرورية بالطبع، لكن في تجارب الأداء المعاصرة لم يعد المؤدي بالضرورة فناناً أو أكاديمياً بالمعنى التقليدي، إذ تغيرت آليات البناء المسرحي بشكل كبير. يمكن أن نرى المؤدي أحياناً كعنصر ضمن تركيبة العمل، كما في بعض تجارب مخرجين مثل روميو كاستيلوتشي “Romeo Castellucci” ويان فابر “Jan Fabre”. الأهم بالنسبة لي هو أن يكون الشخص منفتحاً على التعلم، وقادراً على الاعتراف بـ”لا أعرف”، فهذا ليس عيباً. إضافة إلى امتلاك ذهنية تؤمن بضرورة التدريب واستمراريته على جميع المستويات: الجسدية، والصوتية، والذهنية، إلى جانب القراءة والكتابة والممارسة والتجريب والاختبار. كما أن المناخ الذي يضع الفنان نفسه فيه يلعب دوراً أساسياً: الانفتاح الثقافي، خوض تجارب جديدة، والاستمرار في التعلم، سواء داخل الفن أو خارجه، كلها عناصر تسهم في تطويره. في النهاية، أرى أن المسرح الذي يقدمه الفنان ينطلق من إحساسه بمدى ضرورة ما يفعله. فالمسرح ليس شكلاً أو قشوراً، بل هو فعل نابع من ضرورة حقيقية، ترتبط بالالتزام الإنساني والسياسي والاجتماعي في جوهر العمل. لذلك أؤمن بأن التدريب والالتزام والتجريب هي الأدوات الأساسية التي يمكن لأي فنان أن يعمل عليها.
★خريجة قسم الدراسات المسرحية-دمشق.




