نواف الربيع:”الذيب” و”عودة شيزبونة”.. إعادة كتابة الذاكرة المسرحية

نواف جمال الربيع★
هل تعرف معنى امتلاكك لذاكرة مسرحية؟ ببساطة، يعني أنك تشارك أفرادًا آخرين، أجيالًا أخرى، في بلدان عدة.. مجموعة من الصور المشهدية، مجموعة من الأغنيات، كومة من الذكريات والأحساسيس التي تبقى حيّة في الوجدان رغم مرور السنوات. وربما حين تعود بنا الذاكرة إلى الثمانينات مثلًا، لابد أن نستذكر شخصيات مسرحية عديدة، ومن في مقدمتها، ليلى، الذئب، بنت حيزبونة، وهي شخصيات مسرحية وجدت مسرحيًا من عالم التراث الشفاهي، فكانت “ليلى والذئب ١٩٨٩”، وكانت “بنت حيزبونة ١٩٩٠” وربما لا يحتاج استدعاؤها إلى شرح وتعريف بشخصيات العمل، التي تستيقظ فورًا في الذهن محملة بالتاريخ، ذاكرة العرض وذاكرة المتلقي مع شخصيات كهذه.
لكن، ما الذي يحدث حين يقرر صانع مسرحي مرافقة تلك الشخصيات إلى عالم مسرحي جديد؟ ماذا يحدث حين تنتقل شيزبونة “بنت حيزبونة” من الصحراء إلى عالمها الشرير الخاص؟ وماذا يحدث حين يغادر الذئب الغابة إلى السوق والقرية والمدرسة؟ هذا ما فعله المخرج محمد الحملي في مسرحيته (عودة شيزبونة 2011) والتي أعاد خلالها الشخصية المحورية لمسرحية “بنت حيزبونة”، رغم مرور ٢٠ عامًا على تقديمها من قبل المخرج والمؤلف الراحل عبدالعزيز الحداد.
في مسرحية “بنت حيزبونة” للحداد كانت شيزبونة/ الفنانة أحلام حسن، بنت الصحراء التي تفتن بين عائلة خرجت في رحلة تخييم برية، كانت شيزبونة شراً وحيدًا يواجه أفراد العائلة ومشاعرهم وإيمانهم، بينما في “عودة شيزبونة” للحملي، صار لشيزبونة عالم من الشر، أتباعًا ومساعدين يساندون شيزبونة في شرها، ويدعون أطفال مدرسة للكسل واللعب بدلًا من العلم. رغم العالم الجديد الذي منحه الحملي لشيزبونة، إلا أنه حافظ على روح شيزبونة التي زرعها في فضاء وأرض جديدين، وراح يراقب كيف تتفاعل شخصيات عمله المسرحي مع فكرة الشر والغواية المتمثلة في شخصية شيزبونة.
أما في “الذيب” التي جسدها محمد العجيمي، يستكمل الحملي استثمار شخصيات الذاكرة المسرحية الكويتية، ليأتي استثماره من أكثر عمل مسرحي أيقوني في مسرح الطفل الكويتي والخليجي، لكنه – وبذكاء- يسأل عن مصير الذئب الذي غادر كوخ جدة ليلى نحو الغابة، إلا أنه يعيد كتابة شخصية “الذيب” في فضاء مسرحي جديد يناقض الفضاء الأول، حيث كان الذئب مصدر الخطر المتوقع في الغابة، بينما يتحول في “الذيب٢٠٢٦” إلى خطر اجتماعي يتوغل في المدرسة- أكثر الفضاءات المكانية أمانًا- ويجعله في مواجهة براءة أطفال المدرسة الذين يثقون به كما وثقت ليلى ليغدر بهم في النهاية وينتصرون عليه.. فيعود لغابته مجددًا.

قد يمثل استدعاء الحملي لشخصيات الذاكرة المسرحية الجمعية تناصًا واشتباكًا مع نصوص مسرحية أخرى، وبشكل أدق، يشتغل الحملي على إعادة كتابة تلك الشخصية المستدعاة وإعادة توطينهم نصيًا في أرض مسرحية غير معتادة، يحافظ خلالها على عوالم الشخصيات وبناءها، لكنه يمنحها سياقًا جديدًا يُنتج معنىً لم يكن ممكنًا في النص الأصلي. فشيزبونة في الصحراء شر مجهول، أما شيزبونة في المدرسة وعالمها فشر مألوف، وقابل للألفة أكثر، وهذا هو الأخطر. كذلك الذئب الذي كان خطرًا متوقعًا في الغابة، أما الذئب بين أطفال المدرسة فسؤال اجتماعي عن التعايش والغدر وإمكانية ترويض الشر. هذا ما يثبت أن المخرج الحملي يصر على إعادة اختبار الشخصيات في ظروف مختلفة، كما يُعاد اختبار أي فكرة حين تنقل من بيئتها إلى بيئة أخرى لتكشف جانبًا غير مكتوبًا من قبل، ويمد الذاكرة الجمعية بفرصة مثالية لاستدعاء أبطالها دون بكاء نوستالجي.

أما على مستوى المسرح الكويتي، فإن تجربة الحملي تكشف عن إمكانية لم تُستثمر بالكامل بعد، فما تزال الذاكرة المسرحية الكويتية غنية، وفيها شخصيات تنتظر من يُعيد اختبارها في زمن مختلف. ولعل إعادة كتابة تلك الشخصيات مسرحيًا أكثر جدوى من إعادة الإنتاج المسرحي ففيه جرأة على طرح أسئلة مربكة تتمثل في: ماذا تقول هذه الشخصية المسرحية القديمة لو عادت إلى المسرح اليوم؟ هل ستحافظ على اتزانها الداخلي الأصلي في النص المسرحي الجديد؟ وماذا يمكن لها أن تقول أمام حالة جديدة، حبكة جديدة؟ هنا فقط، يمكن أن تتحول الذاكرة الأرشيفية المسرحية إلى مواد خام تنتج أعمالاً جديدة تتفاعل مع عوالم اليوم وأسئلته الراهنة.
★ناقد ـ الكويت.




