محمد فهمي: ما الذي يعرفه “عمرو دياب” ولا يعرفه غيره؟


محمد فهمي★
كواحد من محبى السوشيال الميديا بمختلف منصاتها، كثيراً ما تقع أمامي لقاءات مع مشاهير الفن والسياسة والاقتصاد، وبالأخص رجال الأعمال، يروون فيها قصص كفاحهم، وأبرزأخطائهم، وكيف حافظوا على نجاحهم لسنوات طويلة. ولكنني لم أشاهد يوماً لقاءاً مطولاً للهضبة “عمرو دياب” يجلس فيه أمام أحد محاوريه؛ ليتحدث عن سر استمراره منذ التسعينيات وحتى اليوم. وحتى اللقاءات القليلة، التي يظهر فيها، لا تتجاوز دقائق معدودة قبل حفل أو بعد تكريم، يتحدث خلالها عن عمله الأخير، أو الحفل الذي يُحْييه، ثم يعود إلى “البيات الديابي” حتى يفاجئ جمهوره بعمل جديد يثير الجدل.

بين الماضي والحاضر.
طرح الفنان “عمرو دياب” منذ أيام ألبومه الجديد “حبيتك”، والذي يضم اثنتي عشرة أغنية، وأضع وصفاً للألبوم بالألبوم “المختلف” حيث إنه قد لايشبه ما اعتاده جمهور الهضبة، الذي عاصر ذروة نجاحه، واستمعَ إلى أغاني مثل :
“ميّال”، و”شوقنا”، و”تملّي معاك”، و”نور العين”، و”الليلة دي”، و”قمرين”. ومازالت تلك الأغاني حاضرة بقوة وتتربّع على عرش المنصات الرقمية، لذلك يطالب الكثيرون في كل ألبوم جديد بعودة “عمرو دياب” إلى تلك المرحلة، لكن يبدو أن للهضبة رأياً آخر.

السر الأول: الصمت.
في رأيي، يبدأ أهم أسرار نجاح الهضبة “عمرو دياب” من الصمت، ف”عمرو” يعرف جيداً نقاط ضعفه ونقاط قوته، ومن نقاط ضعف أيٍ من المشاهير الحديث أمام الجمهور، فهو يُجيد استخدام الميكروفون كمطرب متمكن من أدواته، وعبقري في المزج بين المقامات الشرقية والغربية، دون أن ينزع الهوية المصرية المتأصلة في شخصيته وأعماله، وهناك جملة يرددها كثير من المشاهير، الذين ابتعدوا عن الساحة الفنية، وغالباً تكون مُحملّة بقدر كبير من الحزن وهي “الجيل اختلف”؛ لأنها تعكس عدم قدرة على مواكبة الأجيال الجديدة، ويصبح الاعتماد عليه أقل، ويعيش على ما تبقّى من ذكريات موهبته.
لكن “عمرو” في وضع آخر. أدرك وجيداً أبعادَ هذه الجملة، وعرفَ أن من كانوا يستمعون إليه في حفلات “ليالي التليفزيون” والمهرجان الصيفي لدار الأوبرا المصرية، لم يعودوا بنفس الشغف لحضور الحفلات والبحث عن نجمهم المفضل، هم بالطبع ما زالوا يستمعون إليه عبر المنصات الرقمية، لايزالون يحضرون حفلاته، ولكن النسبة الأكبر في الحضور اليوم هي من جيل يسابق الزمن لحجز تذكرة لحفلات الساحل وموسم الرياض، أو ما يُعرف ب “جيل زي” كما يطلق عليهم؛ لذلك كان عليه أن يُغيِّر بعض المسات الإبداعية في اختيار الكلمات والألحان وسرعة إيقاع الأغنية، مع الاحتفاظ باللمسة الديابية، التي ميزته عن أقرانه في جيله والأجيال، التي تلته.

“لولا البنات” جدل محسوب؟ .
من بين أغاني ألبوم “عمرو دياب” الجديد، كانت “لولا البنات” كلمات “مصطفى البرنس”، وألحان “عمرو دياب”، وتوزيع “أحمد إبراهيم” هي أكثر أغاني الألبوم، التي أثارت جدلاً واسعاً بين الجمهور، وبخاصة الجيل الأكبر سناً، باعتبارها لا تليق بمسيرة الهضبة، الذي طالما أحبوه بأغانٍ أكثرَ قوة وإطراباً للآذان. ووصفها البعض بأنها ذات كلمات رقيقة، وأشبه بأغاني أعياد الميلاد والخطوبات وخروجات البنات، فماذا لو أخبرتك أن كل هذا مقصود وبنسبة كبيرة؟
إذا قمت الآن بالدخول إلى أي منصة من منصات التواصل الاجتماعي، ستجد حضوراً واسعاً وقوياً للسيدات في مصر، يتحدثن بثقة في مختلف القضايا، و يُعَبِّرنَ عن آرائهن دون الالتفات إلى التعليقات السلبية، التي يصفنها دائماً بأنها تعليقات ذكورية، لا هدف لها سوى التقليل من قيمتهن ومكانتهن في المجتمع.
فهن يتحدثن في الطب، والسياسة، والاقتصاد، والفن، والغناء، والرقص، وشتى المجالات، وحتى المحتوى الترفيهي ستجد عدداً لا بأس به من السيدات يتصدرن المشهد. بالإضافة إلى ذلك، اِنتشرت الأفكار النسوىة بقوة خلال هذه الفترة، ودائماً ما تُقابل بالرفض من جانب فئة كبيرة من المجتمع، وتُتهم صاحباتها بأن لديهن أجندات وأهداف معينة، وبغض النظر عن حقيقة هذا الأمر، فلايمكن إغفال حجم حضورهن، ونجاحهن، وتثبيت أقدامهن في المجتمع المصري، وتقديم أنفسهن كسيدات مستقلات يسعين إلى التأثير وإبراز قيمتهن في مجتمعنا الشرقي.

لكن الهضبة لم يُغفل ذلك، وفريقه أيضاً لم يُغفل تلك المتغيرات. فماذا لو قدّموا لهن أغنية على طبق من ذهب، للإشادة بهن وإطراب آذانهن بكلمات عطرة ومحبّبة حتى وإن كانت بسيطة وسهلة؟ ففي النهاية، “عمرو دياب” لا يُقدِّم محاضرة في العلوم البيئية، هو يقدم عملاً فنياً يتمنى أن يلقى نجاحاً واسعاً لدى الجمهور.
وللتأكيد على قيمة الهضبة، توقَّع البعض أن يُقدِّم اعتذاراً عن رداءة هذا الألبوم، كما فعل عدد من نجوم الفن من قبل، فالنجم “محمد هنيدي” اِعتذر عن أحد أعماله السينمائية، مؤكداً أنها لم تكن بالجودة التي تليق به وبجمهوره، كما اعتذر “أحمد فهمي” و “أكرم حسني” عن مسلسل “رجالة البيت”، وأقرّا بأنه لم يكن مكتوباً بالشكل الذي يليق بتوقعات الجمهور، وهناك غيرهم من الفنانين الذين تبرأوا من بعض أعمالهم الفنية.

لكن الهضبة انتظر حتى تهدأ ثورة متابعيه ومحبيه في مصر والوطن العربي، ثم قدَّم فيديو كليب للأغنية نفسها، التي أثارت كل هذا الجدل والنقد. وتمكن هو وفريقه من تقديم كليب يحمل طابعاً رومانسياً، ويضم مختلف فئات المجتمع المصري، من الريف والقرى إلى المدينة، مع ظهور السيدات وهُنَّ يقمن بما يُحبَّب إليهن، وهو الرقص بحرية على أنغام أغنية “لولا البنات” وهو ما قلب منصات التواصل الاجتماعي رأساً على عقب، ودفع كثيراً من كارهي الأغنية ومن سخروا منها في البداية إلى إعادة النظر فيها، حتى أصبحت “لولا البنات” تتصدَّر مواقع البحث وقوائم التريند في مختلف أنحاء الوطن العربي.
من المؤكد أن نجاح “عمرو دياب” لم يكن محض صدفة، أو مجرد ضربة حظ، ولكن تلك الاستمرارية تَتطلَّب عقلية مختلفة كلياً للحفاظ على تلك المكانة مهما تغيرَّتِ الأجيال وأذواقهم الفنية.
★كاتب ـ مصر.




