قصة

بكر صابر:”تفكيك الذات وآليات القمع في المونودراما المعاصرة في مجموعة “صرخة الطاووس” للكاتب السوري أحمد إسماعيل إسماعيل.

بكر صابر
نستعرض مجموعة نصوص مونودراما للكاتب أحمد إسماعيل إسماعيل. هذه النصوص ليست عادية، بل تمثل تجربة فنية تكشف الذات وتفجر التوتر الداخلي للشخصية في مواجهة العالم. لا تكتفي هذه النصوص بعرض حكايات فردية، بل تتحول إلى مرايا تعكس واقعًا اجتماعيًا وسياسيًا مأزومًا حيث يتداخل الذاتي مع الجمعي، والخاص مع العام، في بنية درامية مبنية على الصراع النفسي والرمزي.
السؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا اختار الكاتب أحمد إسماعيل فن المونودراما للتعبير عن هذا الصراع؟ اختيار الكاتب للمونودراما يعتبر موقفًا فكريًا. الشخصية الواحدة هنا لا تعني وحدة الصوت، بل تعني تعدد الأصوات داخل الذات الواحدة. في نص “الكابوس”، يتحول الكاتب إلى ساحة صراع بين الرغبة في التعبير والخوف من السلطة، وبين الإبداع والرقابة. هذا الانقسام الداخلي يتجلى عبر حضور “الشبح” الذي يمكن قراءته كتمثيل للسلطة أو الضمير أو حتى الرقابة الداخلية.
تقوم المونودراما هنا بوظيفة الكشف للشخصية أمام ذاتها ثم أمام المتلقي. لا يوجد مجال للاختباء خلف شخصيات أخرى أو حبكات متشابكة، كل شيء مكشوف ومباشر.
تعتبر ثيمة “القمع” من أبرز القضايا في مجموعة “صرخة الطاووس” عمومًا وفي نص “الكابوس” خصوصًا. يعيش الكاتب داخل النص حالة من الرعب الدائم من “الرقيب” حتى قبل أن يمارس عليه هذا الرعب فعليًا. هذه الحالة تعكس ما يمكن أن نسميه “الرقابة الداخلية”، حيث يتحول الخوف إلى بنية نفسية مستقرة.
إذا تحدثنا عن “الشبح” في هذا النص، فهو ليس مجرد كائن خيالي، بل يمثل السلطة سواء السياسية أو الاجتماعية أو النفسية. إن صورة “الشبح” هنا تمثل تهديدًا للنص أولًا، ثم للطفلة ثانيًا. وهذا يعني أن القمع لا يستهدف الإبداع فقط، بل يمتد ليشمل الحياة ذاتها. يصل الصراع ذروته عندما يضطر الكاتب إلى تمزيق نصه لحماية ابنته، في مشهد مأساوي يكشف عن انتصار الخوف على الحرية.
لكن هذا الانتصار ليس كاملاً، إذ يبقى الكاتب ممزقًا، فاقدًا لذاته. وكأن تمزيق النص هو تمزيق للهوية. يجعلنا ذلك نتساءل: هل النجاة الجسدية تعني الهزيمة الوجودية؟
إذا نظرنا إلى لغة النصوص، وخاصة نص “الكابوس”، نجد أنها تتسم بطابع شعري كثيف يعتمد على الصور والاستعارات. فالنص داخل النص الذي يكتبه الكاتب يحمل لغة رمزية، مثل “انتفض الوحش.. فانسكب القمر”. هذه اللغة لا تهدف إلى الزينة، بل تسعى إلى خلق طبقة دلالية موازية تعكس الواقع بطريقة غير مباشرة.
في المقابل، هناك لغة أكثر خشونة، تظهر في الحوار مع الشبح أو في استدعاء مشاهد التحقيق. هذا التفاوت بين الشعرية والعنف اللغوي يعكس التوتر بين الحلم والواقع، بين الرغبة في الجمال وقسوة الحقيقة.

تتناول النصوص أيضًا أزمة الهوية. في نص “الكابوس”، يصل الكاتب إلى لحظة يكتشف فيها أن الشبح هو انعكاس له: “لقد كنت ظلي.. ثم صرت وجهي”. تلخص هذه العبارة مسار الشخصية من الانقسام إلى الذوبان في الآخر.
الذات هنا ليست مستقرة، بل متحولة، مهددة، قابلة للانشطار. وهذا يعكس واقع الإنسان في ظل القمع، حيث يفقد قدرته على التمييز بين ما هو داخلي وما هو مفروض عليه من الخارج.
عندما نتناول موضوع الصراع في النصوص، لا سيما في نص “خجي”، نجد أن الجسد يتحول إلى محور أساسي للصراع. جسد سيامند العالق بين الحياة والموت، وجسد خجي المهدد اجتماعيًا وأخلاقيًا، يمثلان معًا مأساة الإنسان بين الطبيعة والمجتمع.
تعيش خجي صراعًا مزدوجًا: حبها لسيامند من جهة، وخوفها من المجتمع من جهة أخرى. يصل هذا الصراع إلى ذروته عندما تفكر في مصيرها إذا عادت إلى القرية، حيث قد يكون العقاب الاجتماعي أشد من الموت. الجسد هنا ليس مجرد كيان مادي، بل هو حامل للمعنى؛ معنى الحب، والخطيئة، والتمرد، والعقاب.
تعتمد النصوص على بنية رمزية كثيفة، مما يجعلها مفتوحة على تأويلات متعددة. في نص “الكابوس”، يمكن قراءة الشبح كسلطة سياسية، أو كضمير، أو كخوف داخلي، أو حتى كالموت. كما يمكن فهم تمزيق النص كرمز لانهيار الحلم أو استسلام المثقف، أو حتى كإعادة ولادة محتملة من الصفر. في نص “خجي”، يمكن قراءة الجبل كرمز للعزلة، أو للقدر، أو للحاجز بين الحلم والواقع.
عند النظر إلى التصاعد الدرامي في النصوص، نجد أنه قائم على التوتر النفسي أكثر من الحدث الخارجي. يبدأ نص “الكابوس” بحالة هدوء نسبي، ثم يتصاعد تدريجيًا مع ظهور الشبح، حتى يصل إلى الذروة في مشهد التهديد بالطفلة، ثم ينحدر نحو الانهيار.
هذا البناء يعكس بنية “الكابوس” ذاته؛ بداية غامضة، تصاعد في الرعب، ثم انهيار مفاجئ. في نص “خجي”، يصعد التوتر بناءً على تدهور الحالة النفسية للشخصية، من الأمل إلى اليأس، ومن المقاومة إلى الاستسلام.
تطرح النصوص سؤال العلاقة بين الفرد والمجتمع بشكل حاد. غالبًا ما تكون الشخصيات في مواجهة مجتمع قاسٍ وغير متسامح، يفرض قوانينه بقوة. في نص “الكابوس”، يظهر المجتمع من خلال السلطة وأجهزتها، بينما في نص “خجي” يظهر عبر الأعراف والتقاليد. في كلا الحالتين، الفرد ضعيف، معزول، ومحاصر.
لكن النصوص لا تقدم حلاً مباشرًا. تترك السؤال مفتوحًا: هل يمكن للفرد أن ينجو؟ أم أن الهزيمة قدر محتوم؟
سؤال مهم يطرح نفسه عند نهاية المقال “صرخة الطاووس”: ما دلالة هذا العنوان؟ يحمل العنوان نفسه دلالة رمزية عميقة. الطاووس المعروف بجماله يطلق صرخة قبيحة. تعكس هذه المفارقة جوهر النصوص: الجمال الظاهري (الإبداع، الحب) يقابله قبح داخلي (القمع، الخوف، الألم).
الصرخة هنا هي صرخة الإنسان المعاصر الذي يعيش تناقضًا بين ما يريد أن يكونه وما يُفرض عليه أن يكونه.
في النهاية، يمكن القول إن هذه المسرحيات ليست مجرد أعمال فنية، بل هي صرخة، تمامًا كما يشير العنوان، في وجه واقع مأزوم، وصوت يسعى لنطق ما لا يُقال، حتى وإن كان الثمن هو الصمت أو التمزق.


★كاتب ـ مصر.

مقالات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى