قصة

شيماء مصطفى:حين يعاد تدوير الإنسان ليصبح مجرد رقم في “شركة التمساح الرقمي” للمبدعة باسمة العنزي.

شيماء مصطفى

تتعامل باسمة العنزي مع القصة كما الرواية بحسٍ إنساني يكمن بين ثناياه نقد اجتماعي لعالم مرقمن تمكن من خلق جدار عازل يحول بين الإنسان وتطلعاته البسيطة في أن يكون حقيقيًّا لا رقميًّا أو اصطناعيًّا.
إذ تخلق من السرد الرمزي دلالات كثيرة ، فيفتح الرمز عندها بابًا للخيال واللاوعي ، فنجدها منذ البداية تستخدم دلالات التمساح من خلال” شركة التمساح الرقمي”؛ للدلالة على الزيف وإظهار خلاف ما يبطن والمعروف بالمثل الدارج بـ ” دموع التماسيح” حين تلتهم فريستها، كذلك الشركة تلتهم شكاوى عملائها دون اكتراث.
وكذلك المثل الشهير الموازي له ” كأفاني مكافأة التمساح” والذي يضرب حين يقابل المعروف بالإساءة ، إذ أن مكافأة السيدة نظير إخلاصها للشركة 25 عامًا كعميلة، بدلًا من أن تصبح عميلة مميزة تتمتع بامتيازات وتسهيلات مكافأة لها ، يتم تجاهل مطلبها الإنساني البسيط في إيجاد شخصًا حقيقيًّا يرد عليها.
يقول غوستاف باشلار
نحن نعيش في عالم نائم علينا أن نوقظه بواسطة الحوار مع الآخرين، وما إيقاظ العالم إلا شجاعة الوجود بأن نوجد ونعمل ونبحث، نخترع، نبدع، نخلق»

لذلك تبدو شخصيات العنزي وكأنها تتبنى مقولة باشلار بوصفها مبدأ موجّهًا لسلوكها؛ لهذا تتحرك مدفوعة برغبة لاستعادة المعنى الإنساني بعيدًا عن الآلية الرقمية، فالحياة تعاش لا تفرض، لهذا أصرت السيدة على مخاطبة بشري لا افتراضي مرقمن.
وقد جاء الحوار بين السيدة والـ “chat bot” /روبوت الدردشة باستجابته الباردة ليكشف عن وحدة عميقة تعانيها السيدة ، فكلما اتسع الحوار بينهما كلما بدت وحدتها أوضح، فرغم لا جدوى الحوار وعبثيته إذ أنها تدرك أنه لن يستجيب لما تريد، ويظهر هذا بشكل جلي من خلال ردوده إلا أنها تستمر في حوارها معه خشية صمت أقوى.
وهنا يبرز موطن القوة في النص القصصي فلم تتخذ العنزي السرد لتكشف عن أزمة البطلة الحقيقية بل استخدمت الحوار بوصفه أداةً كاشفة للأزمة النفسية؛ إذ تنكشف وحدة البطلة واغترابها تدريجيًا من خلال مجادلتها للآلة.
ثمة موطن قوة آخر في هذا الحوار، فالكاتبة لم تعبر عن وحدة البطلة عبر جعل حوار البطلة مع الآلة حول مشكلات شخصية أو خاصة كما نرى في أغلب الحوارات في الفترة الآنية، لكنها لجأت إلى تقنية الإزاحة إذ قام اللاوعي الخاص بالبطلة بالتركيز على الشكوى من أزمة تقنية في الشركة/ أزمة واقعية كحيلة دفاعية لتخفي هشاشتها الداخلية، وكأنها تقول لنفسها كل شيء على ما يرام ولتثبت لنفسها أنها لا تعاني من الفراغ والوحدة وأنها تكره الآلة وكل ما يتعلق بها، ولكن نفي النفي إثبات.

إحدى المجموعات القصصية للكاتبة باسمة العنزي

إلغاء الخط وإعادة تدويره وبيعه لعميل جديد يشبه نفض ذكراه نهائيًّا من عالم الأحياء”

في هذا التشبيه الذي تم تمريره على لسان البطلة نكشف سياسية الرقمنة من حيث تشيىء الإنسان حيث اختزال بياناته ووجوده في رقم يعاد تدويره وطرحه مرة أخرى ، وكأنه آلة تطرح بإصدار جديد.
كشف النص أيضًا عن أثر التكنولوجيا الرقمية في سوق العمل إذ اندثرت وظائف عدة يقوم بها البشر ، وإن كانت الآلة تتميز بالسرعة والحيادية فإنها تفتقر للحكم السياقي والذكاء العاطفي وقد ظهر هذا في رد الـ chat bot على السيدة.
نص باسمة العنزي نص ثري بالرموز ومكتوب بلغة حية ملائمة لوصف واقع نعيشه اليوم، ويكشف عن ولع الكاتبة بالتأمل في تفاصيل العوالم الافتراضية وتفاعلات البشر معها.

★يمكن قراءة القصة عبر الرابط 

تحول رقمي – مجلة نزوى العمانية 7 مايو2026 https://www.nizwa.om/%d8%aa%d8%ad%d9%88%d9%84-%d8%b1%d9%82%d9%85%d9%8a/


★سكرتيرة التحرير.

مقالات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى