سارة الشرقاوي: “أداجيو.. اللحن الأخير»: معزوفة الفقد والغياب في عالم ما بعد الصدمة.


سارة الشرقاوي★
يقدم عرض «أداجيو.. اللحن الأخير» على مسرح الغد تجربة مسرحية شديدة الشاعرية والخصوصية، أعدّها وأخرجها السعيد منسي عن رواية الكاتب الكبير إبراهيم عبد المجيد، في محاولة لتحويل الرواية من نص سردي إلى معزوفة بصرية ووجدانية تقوم على الموسيقى والذاكرة والهلوسة النفسية.

منذ اللحظة الأولى لا يبدو العرض مهتمًا بالحكاية بقدر اهتمامه بالحالة الشعورية؛ إذ تتحرك الشخصيات داخل فضاء ضبابي أشبه بالحلم، بينما يتسلل لحن الفقد ببطء عبر المشاهد، كأن المسرحية مرثية طويلة عن الحب والموت والغياب. وقد أدرك السعيد منسي أن قوة رواية إبراهيم عبد المجيد لا تكمن في الحدث وحده، بل في مناخها الروحي والموسيقي، لذلك استخلص روحها الحزينة وأعاد صياغتها عبر رؤية تعتمد على الإيقاع البطيء والصورة الشعرية والتداعي النفسي.
يحمل العرض عنوانه المشتق من مصطلح موسيقي يشير إلى الإيقاع البطيء الحزين، وهو ما ينعكس على البناء الشعوري والبصري للعمل كله. ومن هنا جاءت حركة العرض هادئة وانسيابية، كأن الشخصيات تتحرك داخل لحن لا داخل زمن واقعي، حتى بدا كل ما يحدث وكأنه ومضة متناهية السلاسة؛ الذكريات، والتجلّيات الطيفية، والحوارات، وحتى الانتقالات الزمنية.

يمكن فهم العرض بوصفه رحلة داخل وعي سامر أكثر من كونه حكاية واقعية مكتملة. فسامر لا يعيش الأحداث كما وقعت، بل يعيد تشكيلها داخل عقل مأزوم بالفقد. وقد قدّم رامي الطمباري الشخصية بأداء داخلي شديد الحساسية، معتمدًا على الانكسار الصامت أكثر من الانفعال المباشر، فبدا رجلًا ينهار ببطء تحت وطأة العالم كله، لا تحت وطأة فقدان زوجته فقط.
ولم يكتفِ رامي الطمباري بالتعبير النفسي عن الانكسار الداخلي للشخصية، بل بدا متماهيًا مع تفاصيل مهنة سامر كتاجر للتحف والأنتيكات؛ إذ انعكست دقته في الحركة ونظرته المتفحصة للأشياء وطريقته الهادئة في ترتيب التفاصيل الصغيرة على حضوره المسرحي، حتى بدا وكأنه تاجر أنتيكات حقيقي يعتني بتلميع قطعة نادرة أو تنسيق طاولة بخبرة متمرسة، وهو ما منح الشخصية صدقًا بصريًا وإنسانيًا لافتًا.
أما شخصية ريم، التي قدمتها هبة عبد الغني، فظهرت ككائن شفاف أقرب إلى الطيف منه إلى الجسد. لم تبدُ امرأة واقعية بقدر ما بدت روحًا ترفرف حول سامر، أو صورة ذهنية يخلقها كي لا يعترف برحيلها. ولهذا جاءت التفاصيل الواقعية مرتبكة وغير مكتملة؛ مستشفى بلا أجهزة واضحة، فضاءات شبه فارغة، وشخصيات تظهر وتختفي كالأشباح، بما يؤكد أن ما يُرى على الخشبة ليس الواقع، بل «وهم مهيمن» صنعه عقل سامر بعد الصدمة.

ويقترب العرض من نظريات ما بعد الصدمة والتحليل النفسي، خاصة عند سيجموند فرويد وكاثي كاروث، حيث يتحول الفقد إلى حالة اغتراب نفسي تجعل الإنسان عاجزًا عن التمييز بين الحقيقة والخيال. فوفقًا لفرويد قد يرفض الإنسان الاعتراف بالفقد، فيُبقي موضوع الحب حيًا داخل وعيه عبر التخيل والهلوسة، بينما ترى كاثي كاروث أن الصدمة لا تُستوعب لحظة وقوعها، بل تعود لاحقًا في صور استرجاعية متكررة.
وتنبع فلسفة ما بعد الصدمة في العرض من فكرة أن الإنسان لا يعيش الحدث الصادم مرة واحدة، بل يظل أسيرًا لتكراره النفسي داخل الذاكرة واللاوعي. فسامر لا يتعامل مع فقد ريم باعتباره حادثة انتهت، وإنما يعيشها بوصفها جرحًا مفتوحًا يعيد تشكيل الواقع من حوله. لذلك تتحول الشخصيات والأصوات وصور الغرق إلى شظايا نفسية تتكرر داخل عقل عاجز عن استيعاب الفقد أو تجاوزه، ويتحول الزمن إلى دائرة مرتبكة تتداخل فيها الذكرى بالحلم.
وتتجسد هذه الرؤية داخل العرض، حيث تستمر ريم كطيف دائم، بينما تتكرر صور الغرق والجثث والنداءات الحزينة، وكأن سامر يعيش داخل أثر الصدمة لا خارجها. وحتى الفتاة التي غرقت بعد رفض أهلها زواجها ممن تحب، ومحاولة سامر العثور على جثتها أثناء الغرق وإحلالها محل ريم، تبدوان صورتين ذهنيتين ناتجتين عن رغبته في استبدال الموت أو تأجيل الاعتراف به.

وتتحول رمزية الغرق إلى استعارة كبرى عن الانهيار النفسي والوجودي؛ فالشخصيات لا تغرق في الماء بقدر ما تغرق في الفقد والذاكرة والقلق من المصير. الجميع يتحدث عن الغرق والماء والدموع، حتى يتحول المسرح كله إلى فضاء مائي غارق في الحزن.
قدمت بسمة شوقي شخصية الصديقة الملتبسة بذكاء قائم على الإيحاء لا التصريح، بحيث بقيت فكرة الخيانة مجرد احتمال نفسي داخل عقل سامر، لا حقيقة مؤكدة. وهنا يقترب العرض من مفهوم «المتخيل» عند جاك لاكان، إذ يهرب سامر من «الواقعي» المؤلم إلى بناء عالم بديل أكثر رحمة.
في المقابل، منح جورج أشرف شخصية عثمان خفة إنسانية مهمة وسط هذا العالم المليء بالفقد. لم يكن عثمان مجرد عنصر كوميدي، بل ضرورة درامية لكسر الاختناق التراجيدي، وكانت تعليقاته المرحة وحكاياته عن الفراشات محاولة إنسانية لمقاومة الحزن، فيما حملت الفراشات دلالة رمزية عن الروح والهشاشة والتحول.

وجاءت جنا عطوة في دور الابنة نور بحس إنساني بالغ الرقة، خاصة في عبارتها:
«ماما السبب في كل حاجة حلوة»
وهي جملة بسيطة تحمل طاقة إنسانية موجعة، إذ تختصر الأم باعتبارها مصدر الأمان والجمال والدفء، وتكشف كيف يتحول غيابها إلى غياب لكل ما هو جميل.
وتكشف جملتا سامر:
«مَن يُنصف التعساء إلا أنت؟»
«يا ريت ريم تسامحني أنا الأول»
عن عمق الانكسار النفسي الذي يعيشه، فالشخصية لا تعيش الحزن فقط، بل شعورًا دائمًا بالذنب والعجز أمام الموت.
ويظهر محمد دياب، في دور حارس المنزل، كشاهد صامت على هذا الانهيار النفسي؛ حضور هادئ يراقب عالمًا يتفكك ببطء أمامه.
تتجلى الرؤية الأيديولوجية للمخرج السعيد منسي في ربط هذا الفقد الفردي بعالم خارجي مليء بالخوف والعنف؛ خطف أطفال، تجارة مخدرات، وإرهاب مجتمعي. غير أن العرض لا يقدم هذه القضايا بصورة مباشرة، بل بوصفها تشظيات تتولد داخل وعي سامر المضطرب، حيث يمتزج إدراكه للعالم بخوفه الداخلي وقلقه الوجودي، فتبدو مظاهر العنف والانهيار وكأنها صوت خفي صادر من لاوعيه وهو يردد:
«لماذا كل هذا الشر بينما توجد الموسيقى والحب؟»
ومن هنا يقترب العمل من فلسفة ألبير كامو العبثية، حيث يحاول الإنسان مقاومة عالم فاقد للمعنى عبر الفن والجمال.

يتعزز البعد الروحي والديني عبر الأذان والدعوات والابتهالات، وهي عناصر لم تكن إضافات صوتية عابرة، بل طبقة روحية موازية للموسيقى، حتى بدا العرض معلقًا بين الأرضي والسماوي. كما لا تبدو هذه النزعة الدينية مجرد عناصر مرافقة للأحداث، بل تنبع من الرؤية الفكرية والوجدانية للمخرج نفسه، بما تحمله من نوازع روحية وتجليات صوفية واضحة.
ويحمل الأذان داخل العرض دلالة رمزية عميقة، إذ يأتي كنداء روحي يخترق عالم سامر المضطرب، وكأنه يذكره بحقيقة الفناء وحدود الإنسان أمام القدر. كذلك بدت السيدة العجوز، بدعواتها المستمرة، وكأنها تمثل «الضمير الشعبي الروحي» داخل العرض.

تُعد السينوغرافيا التي صممها أحمد الألفي أحد أهم العناصر الجمالية والفلسفية في العرض، إذ لم يقتصر الديكور على كونه خلفية مكانية، بل تحول إلى بنية رمزية تعكس التشظي النفسي والروحي الذي يعيشه سامر. ومن أبرز العلامات البصرية اللوحات التي تحمل صورة امرأة تتداخل مع روح البحر، وكأن البحر نفسه أصبح امتدادًا لريم أو انعكاسًا لروحها الهائمة.
كما جاء تقسيم المسرح إلى مستويين؛ علوي وسفلي، شديد الدلالة، إذ بدا المستوى العلوي فضاءً للخيال والهلاوس والتجلّيات الطيفية، بينما ظل المستوى السفلي أكثر التصاقًا بالعالم الواقعي.
وكشفت الشاشة الخلفية عن صور السماء والقمر والفراشات والبحر، مانحة العرض طابعًا حلميًا وسينمائيًا، فيما بدت مساحة ريم داخل ستائر بيضاء شفافة وكأنها حيز معلق بين الحياة والموت. كما أضفت هيمنة اللونين الأزرق والأخضر على التكوين البصري إحساسًا بالحزن والبرد الروحي يقابله أمل خافت بالحياة.

عمّقت الأشعار التي كتبها حامد السحرتي الحالة الشعورية للعرض، إذ جاءت أقرب إلى تراتيل حزينة تتسلل بين المشاهد لتكثيف الإحساس بالفقد والحنين.
ومثّلت الموسيقى والألحان التي وضعها رفيق جمال العمود الفقري للعرض، ليس بوصفها خلفية سمعية، بل باعتبارها لغة درامية كاملة. جاءت الألحان بطيئة وشجية لتخلق حالة من التنويم الوجداني الذي يضع المتلقي داخل عقل سامر المرتبك.
كما جاء الغناء والأداء الحركي لكل من رامي الطمباري وهبة عبد الغني شديدي التعبير والانسجام مع الحالة الشعرية للعرض، حيث بدا الاثنان في بعض المشاهد وكأنهما عصفورا كناري يحلقان وسط سماء ضبابية مثقلة بالحزن والحنين. وقد امتزج الغناء بالحركة والرقص في صورة بصرية شفافة عكست هشاشة العلاقة بين سامر وريم.
وفي الجانب البصري، جاءت تصميمات الأزياء لـ نورهان سمير متسقة مع المناخ النفسي والروحي للعرض، بينما اعتمدت إضاءة أبو بكر الشريف على الانتقالات الناعمة بين الظل والنور، بما جعل المسرح يبدو معلقًا بين الحقيقة والحلم.

يحسب للعرض أيضًا قدرته على تحويل الصمت إلى عنصر درامي موازٍ للكلمة والموسيقى؛ فثمة لحظات طويلة يتراجع فيها الحوار لصالح نظرات الشخصيات وحركتها البطيئة داخل الفراغ، بما يمنح المتلقي إحساسًا بأن الألم الحقيقي أكبر من أن يُقال.
ويُحسب أيضًا لـ سامح مجاهد، مدير مسرح الغد، دعمه المستمر للتجارب المسرحية التي تنحاز إلى الرؤى الجمالية والفكرية الخاصة، وتمنح المخرجين مساحة حقيقية للتعبير عن هويتهم المسرحية بعيدًا عن القوالب التقليدية. كما لا يمكن إغفال الدور الكبير لطاقم الإخراج المشارك مع السعيد منسي، الذين بدوا كأنهم كتيبة عمل حقيقية تتحرك بروح جماعية منضبطة ومؤمنة بالرؤية الفنية للعرض.
وفي النهاية، لا يمكن النظر إلى «أداجيو.. اللحن الأخير» بوصفه مجرد معالجة مسرحية لرواية إبراهيم عبد المجيد، بل بوصفه تجربة وجدانية وفلسفية عميقة عن الإنسان حين يتحول الفقد داخله إلى ذاكرة حيّة لا تكف عن العزف. لقد نجح السعيد منسي، بمشاركة فريقه الكامل، في تشييد عالم مسرحي تتماهى فيه الموسيقى مع الحزن، ويتحول فيه الضوء واللون والصوت إلى لغة روحية تعبر عن هشاشة الإنسان أمام الحب والموت والغياب.
فالعرض لا ينتهي بانتهاء مشاهده، بل يظل صداه عالقًا في الوجدان، حيث تمتزج الموسيقى الشجية بالحزن الإنساني في معزوفة رقيقة تواصل عزفها داخل الروح طويلًا.
★دبلوم في الدراما والنقد المسرحي- عين شمس
ـ مصر




