د.هند حلمي :جنازة الجسد الافتراضي .. هل مازال بالإمكان الحديث عن حب في ظل “ممارسة الحب في الهاتف”؟! قراءة في قصيدة للشاعر حاتم الأطير بوصفها مرثية للحميمية الحديثة.


د.هند محسن حلمي★
مقدمة:
في زمنٍ تتكاثر فيه الوسائط وتتناقص فيه المسافات الجسدية، لم يعد الحبّ تجربةً تُقاس بالقرب أو تُختبر باللمس، بل صار سؤالًا معلّقًا بين شاشةٍ وقلب. ومن هنا تأتي قصيدة «ممارسة الحب في الهاتف» بوصفها نصًّا يتجاوز حدود الغزل التقليدي إلى مساءلة جوهر الحميمية الإنسانية في عصرٍ رقميٍّ بارد؛ عصرٍ يمنحنا وهمَ الاتصال، بينما يعمّق في داخلنا شعور الانفصال. ليست القصيدة احتفاءً بالعاطفة، بل تشريحًا لخرابها الهادئ حين تمرّ عبر وسيطٍ يُعيد تشكيلها ويجرّدها من حرارتها الأولى. فهي لا تقدّم الحبّ كحالة مكتملة، بل كأثرٍ متبقٍّ من علاقةٍ تُمارَس دون جسد، وتُستهلك دون حضور.
ومن هذا المنطلق، تنفتح القراءة على أفقٍ نقديّ يتقاطع فيه الشعريّ مع الفلسفيّ، حيث تصبح التقنية ليست مجرد أداة تواصل، بل بنيةً تُعيد صياغة الإنسان نفسه. إننا أمام نصٍّ يضعنا في مواجهة سؤال وجودي: هل ما زال بالإمكان الحديث عن “حبّ” في عالمٍ يتحوّل فيه القرب إلى محاكاة، واللمس إلى إشارة، واللقاء إلى وعدٍ مؤجل داخل هاتف؟
يقول الشاعر:
ممارسةُ الحب في الهاتفِ
جنازةُ صلصالِنا العاطفي!
تُشِّيعُنا جثتينِ افتراضيتينِ
إلى موعدٍ زائفِ
تُضخِّمُ وحدتَنا وتطيلُ
أظافرَها في الدَّمِ الراجفِ
مددتُ يدي لم أجد غيرَ ليلٍ
تكوَّمَ في شغفٍ تالفِ
وحرّكتِ ساقَكِ لم تلمسي
غيرَ ساقِكِ! أيُّ أسًى عاصفِ!
مجردُ زنزانةٍ إنفراديةٍ حولَ مكتئبٍ قاذفِ
أريدُكِ في غابةٍ تركضينَ
حياءً من الوهجِ الواقفِ
نُعَرّي على نهرِها روحَنا
وَننهَجُ في برقِها الخاطفِ
ونعرَقُ صوفِيّةً وحُلولًا
على فرعِ صفصافةٍ وارفِ
أشمُّكِ كي تتوضَّأَ فيَّ
دراويشُ نعناعِكِ العارفِ
أقولُ أحبُّكِ تنسكبينَ
سُلافًا على ريقيَ الناشفِ
تضمينني فكأنكِ بَسْملةٌ
أشرقتْ في فتًى خائفِ..
حقيقي ليست هذه القصيدة نصًا غزليًا بالمعنى الذي اعتاده الذوق العربي في تمثّلاته القديمة للحب، حيث الجسدُ وعدٌ بالاقتراب، واللغةُ جسرٌ إلى الآخر، واللقاءُ اكتمالٌ للذات داخل ذات أخرى. إننا هنا أمام كتابة تتجاوز “الغزل” إلى مساءلة فكرة الحميمية نفسها في زمنٍ تبدو فيه المسافات أقصر من أي وقت مضى، بينما يصبح الإنسان — paradoxically — أكثر وحدةً وعجزًا عن اللمس الحقيقي.
ومن هنا يمكن استحضار ما يقوله الفيلسوف الكندي (مارشال ماكلوهان): حول أن «الوسيط هو الرسالة»، أي أن الوسيلة لا تنقل التجربة فقط، بل تعيد تشكيلها من الداخل؛ فالحب حين يمر عبر الهاتف لا يبقى الحب ذاته، بل يتحول إلى تجربة ناقصة ومشوّهة بفعل الوسيط نفسه.
فمنذ السطر الأول، يختار النص أن يصدم قارئه لا عبر الفكرة فقط، بل عبر تركيب لغوي يضع مفردتين متناقضتين داخل مساحة واحدة:
«ممارسةُ الحبِّ في الهاتفِ
جنازةُ صلصالِنا العاطفي!»
إنه لا يبدأ من العاطفة، بل من موتها. فعبارة «ممارسة الحب» تحيل — بطبيعتها — إلى الامتلاء الجسدي والوجداني، لكن اقترانها بـ«الهاتف» ينقلها فورًا من الحضور إلى الوساطة، ومن التجربة الحية إلى نسختها التقنية الباردة.. ثم تأتي الجملة التالية لتغلق باب التأويل الرومانسي تمامًا: ليست المسألة حبًا عبر الهاتف، بل “جنازة”.
غير أن العبقرية الشعرية هنا لا تكمن في لفظة “الجنازة” وحدها، بل في تركيب «صلصالنا العاطفي». فالصلصال مادة التشكّل الأولى، المادة التي لم تتصلّب بعد، والتي لا تزال قابلة لأن تمنح الإنسان صورته، وفي الخلفية البعيدة للنص يتردد الصدى القرآني لقوله تعالى:
﴿خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ [الرحمن: 14]؛ بما يمنح الصورة بعدًا وجوديًا لا عاطفيًا فقط.
لكن القصيدة، بدل أن تحتفي بهذه المادة الأولى، تعلن تشييعها، وكأن الإنسان الحديث لم يفقد الحب وحده، بل فقد قابليته الداخلية لأن يكون “إنسانًا كامل الحضور”.
وهنا يمكن استحضار ما يقوله (عبد الله الغذامي) في نقده الثقافي عن تحوّل الإنسان الحديث إلى كائن تستهلكه الوسائط أكثر مما يعيش التجربة ذاتها، حيث تصبح العلاقة الإنسانية “صورة عن العلاقة” لا العلاقة نفسها.. فالقصيدة تشتغل، في عمقها، على هذه الفكرة تحديدًا: إن التقنية لم تُلغِ المسافة بين البشر، بل جعلتها أكثر خفاءً وقسوة، لأنها منحتهم وهم الاقتراب بينما أبقتهم سجناء عزلاتهم الفردية.
ولهذا يبدو النص كله قائمًا على مأساة الجسد الذي يتحرك دون أن يصل، فحين يقول الشاعر:
«مددتُ يدي لم أجد غيرَ ليلٍ
تكوَّمَ في شغفٍ تالفِ»
فإن اليد — وهي أكثر أعضاء الجسد التصاقًا بفكرة اللمس — لا تصطدم بجسد آخر، بل بليل. والليل هنا ليس زمنًا طبيعيًا، بل مادة شعورية كثيفة من الفراغ والوحدة والانقطاع.. ثم تأتي العبارة المدهشة «شغفٍ تالف» لتكشف عن انقلاب كامل في بنية العاطفة؛ فالشغف، الذي كان يعني الامتلاء والحياة والاندفاع، يتحول إلى شيء معطوب، فاقد الصلاحية الروحية.
وهنا تقترب القصيدة مما يسميه الفيلسوف الفرنسي (جان بودريار) بـ«الواقع الفائق»؛ حيث تصبح المحاكاة أكثر حضورًا من الأصل نفسه، ويغدو الإنسان أسير النسخ الافتراضية لعلاقاته ومشاعره.
إن القصيدة لا تتحدث عن غياب الحبيب فقط، بل عن عجز اللغة والتقنية معًا عن تعويض هذا الغياب، ولهذا تبلغ المأساة ذروتها في قوله:
«وحرّكتِ ساقَكِ لم تلمسي
غيرَ ساقِكِ! أيُّ أسًى عاصفِ!»
إنها صورة تكاد تختصر مأساة الإنسان الرقمي كله؛ فالجسد يتحرك، لكنه لا يعبر نحو الآخر؛ كل حركة تنتهي إلى صاحبها، وكل محاولة اقتراب ترتدّ إلى عزلة أعمق، وهنا يصبح الهاتف، paradoxically، أداة لتأكيد الانفصال لا لإلغائه.
ومن اللافت أن النص لا يواجه هذه البرودة التقنية بخطاب فكري مباشر، بل يحاول الهروب منها عبر استدعاء الطبيعة بوصفها فضاءً بديلًا للحضور الحقيقي.. فبعد أن كان العاشقان محاصرين داخل شاشة، يفتح الشاعر فجأة باب الغابة:
«أريدُكِ في غابةٍ تركضينَ
حياءً من الوهجِ الواقفِ»
فالغابة هنا ليست مجرد مشهد جمالي، بل تمثل عودة الإنسان إلى طبيعته الأولى قبل أن تُختزل علاقاته إلى إشارات إلكترونية.. فالحركة، واللهاث، والركض، والعرق، كلها علامات على استعادة الجسد لحقيقته المفقودة.
وهنا يمكن استحضار رؤية (غاستون باشلار) الذي يرى أن الطبيعة ليست مكانًا خارجيًا فحسب، بل “ذاكرة بدائية للروح”، ولذلك تلجأ الذات الشعرية إليها كلما شعرت باغترابها داخل العالم الصناعي.
ثم يتصاعد النص نحو أفق صوفي بالغ الرهافة:
«ونعرَقُ صوفِيّةً وحُلولًا
على فرعِ صفصافةٍ وارفِ»
إنه لا يطلب لذة حسية عابرة، بل نوعًا من الاتحاد الكلي الذي يذيب الحدود بين الجسد والروح. وكلمة «حلولًا» ليست اختيارًا اعتباطيًا، بل إحالة صوفية واضحة إلى فكرة الذوبان الكامل في الآخر. وكأن الشاعر يريد أن يقول إن الحب الحقيقي لا يتحقق عبر التقنية، بل عبر ذلك التورط الوجودي الكامل الذي يجعل الذات تخرج من حدودها.
ويذكّرنا هذا بما يقوله (محيي الدين بن عربي): «الحبُّ دينٌ وإيمان»، حيث يصبح العشق تجربة كشف وذوبان، لا مجرد اقتراب جسدي.
وهذا ما يمنح القصيدة بعدًا مزدوجًا؛ فهي في ظاهرها قصيدة حب، لكنها في عمقها قصيدة عن “استحالة الحب” داخل عالم افتراضي.. ومن هنا تقترب من ذلك التصور الذي يطرحه (عبد الفتاح كيليطو) حين يرى أن النص الأدبي الحقيقي لا يمنح قارئه معنى نهائيًا، بل يدفعه إلى “التورط في السؤال”. فالقصيدة لا تجيب عن شيء، بل تتركنا داخل قلقها: هل ما نعيشه حب فعلًا، أم مجرد محاكاة إلكترونية للحب؟
وتبلغ اللغة ذروة شعريتها في المقطع:
«أشمُّكِ كي تتوضَّأَ فيَّ
دراويشُ نعناعِكِ العارفِ»
فهنا يتحول الشمّ إلى طقس تطهّر، ويتحوّل “النعناع” — وهو تفصيل يومي بسيط — إلى كائن عرفاني، وهذه إحدى أهم جماليات النص: قدرته على رفع التفاصيل الصغيرة إلى مستوى الرمز دون أن تفقد طزاجتها الحسية.
ويذكّرنا هذا بما يقوله (رولان بارت) في كتابه «شذرات من خطاب في العشق»، حين يرى أن التفاصيل الصغيرة في الحب ليست هامشية، بل هي التي تصنع “حقيقة العاطفة” أكثر من الخطابات الكبرى.
إن القصيدة لا تعتمد على البلاغة التقليدية التي تُزيّن المعنى، بل على ما يمكن تسميته “بلاغة الجرح”، فالصور الشعرية هنا ليست للزخرفة، بل للكشف. ففي قوله:
«تشيِّعُنا جثتينِ افتراضيتينِ
إلى موعدٍ زائفِ»
لا تبدو الاستعارة مجرد لعبة لغوية، بل تشخيصًا ثقافيًا كاملًا لحالة الإنسان المعاصر؛ فالعاشقان “جثتان”، لكنهما “افتراضيتان”، أي أن الموت نفسه أصبح رقميًا، مؤجلًا، بلا جسد حقيقي.
ومن هنا، فإن النص لا يرثي علاقة عاطفية فقط، بل يرثي الحضور الإنساني نفسه. إنه نص يكتب الإنسان وهو يتحول تدريجيًا إلى صورة، والجسد وهو يُستبدل بظله الإلكتروني، والحب وهو يفقد دفئه كلما ازدادت وسائل الاتصال تطورًا.
ولهذا تبدو القصيدة، في جوهرها العميق، مقاومة شعرية ضد برودة العالم الحديث. إنها محاولة يائسة — لكنها شديدة الجمال — لإستعادة الإنسان من شاشته، واستعادة الجسد من افتراضه، واستعادة العاطفة من نسختها الإلكترونية الباهتة.
وكأن الشاعر يقول، دون أن يصرّح: لقد صارت التكنولوجيا قادرة على نقل الصوت والصورة، لكنها ما تزال عاجزة عن نقل الرجفة الإنسانية الأولى حين يلمس قلبٌ قلبًا آخر.
خاتمة:
في النهاية، لا تبدو قصيدة «ممارسة الحب في الهاتف» للشاعر حاتم الأطير مجرد رثاء لعلاقة عاطفية معطوبة، بل مرثية أوسع للإنسان حين يُعاد تشكيله داخل عالمٍ افتراضيٍّ يبدّل معنى الحضور ذاته. إنها نصّ يلتقط اللحظة التي يتحوّل فيها الجسد إلى ظلّ، والعاطفة إلى نسخة رقمية، والاقتراب إلى حركةٍ تعود على صاحبها بدل أن تمتد إلى الآخر. ومع كل صورة شعرية تنكشف هشاشة هذا الاتصال الزائف، تتأكد فكرة أن التكنولوجيا — مهما طوّرت أدواتها — لا تستطيع أن تعوّض ارتجافة الوجود الأولى حين يلتقي إنسان بإنسان.
وهكذا يغدو النص، في عمقه، محاولة مقاومة شعرية ضد هذا الانمحاء التدريجي للحميمية؛ مقاومة لا ترفع شعارًا، بل تُمارَس عبر اللغة نفسها، حين تعيد للغائب حضوره، وللجسد ظله الحقيقي، وللعاطفة حقّها في أن تكون تجربة حيّة لا محاكاة باردة. إنها قصيدة لا تُنهي الحزن، لكنها تُبقيه مفتوحًا كسؤال: ماذا تبقّى من الحب حين صار يمرّ عبر الهاتف؟
★ناقدة ـ مصر.




