رأي

شيماء مصطفى: “يهود الظاهر” لسهير عبد الحميد..بين الانتماء الكامل والتعايش المنقوص.

شيماء مصطفى

الكتابة عن فئة ما بألية أنثربولوچية تتطلب التعمق داخل تلك الفئة لفهم طبيعتهم والوقوف على أنماط حياتهم وتحليلها بمنأى عن العاطفة وبمعزل عن الانتماء.
والكتابة عن الفئة ذاتها بألية سوسيو تاريخية تتجاوز تحليل البنية الاجتماعية للطبقة المتناولة ، والدمج بينهما يلزمه خبرة ودراية وبحث واستقصاء خاصة وأنهم في الأونة الأخيرة أصحبوا يلعبون دورًا بارزًا في الكثير من الأحداث والصراعات الجارية.

وفي توجهها نحو الكتابة التاريخية من منظور سياسي واجتماعي سعت سهير عبد الحميد في كتابي” ناحوم أفندي” و ” يهود الظاهر” الصادرين عن الدار المصرية اللبنانية 2024، 2025 إلى التوغل داخل المجتمع اليهودي سياسيًّا واجتماعيًّا، فإن تطرقت في كتاب ” ناحوم أفندي” إلى أسرار آخر حاخام في مصر ، وإلى اليهود والحركة الصهيونية من منظور سياسي فإنها في ” يهود الظاهر” سعت لتوثيق تواجدهم في مصر من زاوية اجتماعية لتوفر للقارىء صورة متكاملة حول فئة لا يمكن تجاهل وجودها أو تأثيرها سواء في الماضي القريب أو الفترة الآنية.

جذبت سهير عبد الحميد القارىء من الوهلة الأولى باستهلال أنثرو بولوجي جغرافي عن طبيعة حي الظاهر وسبب تسميته، ولم يقتصر الأمر على هذا الاستهلال بل تم تعزيزه بقصص ووقائع تاريخية تحمل بين ثناياها ما يثير الجدل وعلامات الاستفهام.

” كانت شجر الدر تعلم أنها هالكة لا محالة، فطحنت مجوهراتها بالهاون، حتى لا ترتيدها امرأة أخرى”

وبعنوان فرعي لـ “يهود الظاهر” مسعودة وليشع ومرزوق، تليه صورة للمدرسة الإسرائيلية الخيرية ، مع صورة الأديب والمحامي مراد فرج ليشع رئيس الطائفة القرائية الذي سعى لدمج المذهبين القرائي والرباني، فضلًا عن قيامه بنشر الفروق بين المذهبين في مجلته ” التهذيب” ، ومرزوق متاتيا مرزوق الذي شغل منصب مسؤول صندوق مساعدة فقيرات اليهود على الزواج ،في حين كان أبوه متاتيا مرزوق يقوم بإعداد مأدبة طعامًا سنوية للفقراء من أبناء طائفته وفقًا لما ذكرته مجلة الكليم.
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه إذا كان الغلاف تصدره صورتين للفردين من الطائفة القرائية لماذا لم توجد صورة لأحد أعلام الطائفة الربانية الذين سعوا لخدمة طائفتهم مجتمعيًّا كيوسف قطاوي بصفته رئيس الطائفة ورئيس الجمعية الخيرية الإسرائيلية ؟ وهل هذا يعود لتصدر صورة المدرسة الإسرائيلية الخيرية للغلاف؟ وهل هذا يرجع إلى أن الجزء الأكبر من الطرح يتناول الطائفة القرائية والتي تعد رغم أقليتها الأكثر تشابهًا مع المجتمع المصري ؟
“كما حرص القرائي على التحدث باللغة العربية ، بل وسعى لإتقانها عن طريق سماع شرائط القرآن وترتيلها، وهو ما تبينه رواية جاكوب مصلياح، الذي كان معلم الهندسة في فصله هو شقيق نجيب محفوظ” ص 286

وعن عنونة الكتاب بـ “يهود الظاهر” فهذا يعود إلى كون الظاهر بؤرة مركزية لأغلب الأحداث ومسكن للطائفة المتناولة في العمل، بالإضافة إلى اعتباره جسرًا يربط بين الفقراء من يهود الحارة والأغنياء من يهود جاردن سيتي.

بنية الكتاب


تضمن الكتاب 20 فصلًا بعناوين رئيسة تلاها عناوين أقرب بالمنشتتات الصحفية بعضها صيغت بشكل جاد وبعضها بشكل ساخر لجذب انتباه القارئ ولتلخيص المحتوى، بطريقة تدل على التمكن الصحفي ، وقراءة الآخر، وقد اتكأت عبد الحميد في عرضها للمتن على السرد التقريري في أغلب العرض ليس فقط من أجل الموضوعية في سرد الحقائق ونقل المعلومات ولكن كون العمل موجهًا للمهتمين بالنبش في الخلفية الاجتماعية والثقافية للطوائف اليهودية التي قطنت مصر في تلك الفترة.
ولأن الكتابة التوثيقية الجيدة لا تكتفي بالسرد التقريري ، ولا بالموضوعية في الطرح والنابعة من المسؤولية والأمانة العلمية في النقل عززت الكاتبة طرحها بصور ووثائق أصلية واقتباسات من شهود عيان على اعتبارهم مصادر أولية، كذلك أشهر أعلام الأدب والمشهد الثقافي الذين سكنوا الحي كعبد الحميد جودة السحار ، وطه حسين ، أو ممن كانت بطلات أعمالهم تنتمي لتلك الطائفة كإحسان عبد القدوس في رواياته:” بعيدًا عن الأرض” و ” أين صديقتي اليهودية؟” و ” لن أتعلم ولن أنسى” أو بالحديث عن العباسية بشكل واقعي من خلال مطلع رواية “قشتمر” لأديب نوبل نجيب محفوظ، وشهادة الكاتبة صافي ناز كاظم كون أسرتها الأسرة المسلمة الوحيدة التي قطنت عقار 9 في شارع العباسية إذ كان سكان البيت جميعهم من اليهود، أو بالاستناد إلى فنانينهم كالموسيقار داود حسني، الفنان إبراهيم مسعودة، إلياس مؤدب الذي رفض الهجرة إلى إسرائيل وعمل في السينما وتصليح الساعات، والمستشرق إسرائيل ولفنسون تلميذ طه حسين.

الهوية المعمارية


يعكس المعمار أنماط المعيشة والتعايش والهوية، كما أنه بمثابة سجل بصري عن الإرث الإنساني والتاريخي والأنشطة الاقتصادية والاجتماعية لقاطنيه ومرتاديه، وفي ” يهود الظاهر” وثقت لنا الكاتبة عدة معالم أنشأها اليهود سواء بغرض السكن أو كمرافق يستخدمونها ، كالمشغل الخيري للبنات ، والمستشفى ، والمدرسة ، والأندية الثقافية ، فضلًا عن المعابد التي ما يزال بعضها على حالته، ومنها : معبد راب سمحاه ( راف سمحاه)، ومعبد موسى الدرعي، ومعبد موسى بن ميمون، وكنيس حايم كابوسي، وكنيس حنان.

الكاتبة سهير عبد الحميد.

الوعي التاريخي والثقافي 

من أبرز ما تم تناوله بذكاء في التحليل الطبقي والاجتماعي بين يهود الحارة ويهود جاردن سيتي ويهود الظاهر كجسر بين الطبقتين، والمقارنة الدقيقة بين الطائفة القرائية والطائفة الربانية ليس فقط التحدث عنهم من الخارج بلغة تقريرية تتصدرها الأرقام والنسب ، ولكن بالتحدث بلسانهم (إبراز صوتهم) ، مع محاولة فهم الماضي بمعاييره لتفسير أحداث الحاضر.
فنجد الكاتبة تستخدم الصحف والمجلات مثل : الكليم القرائية، وصحيفة الشمس الربانية، ومجلة التهذيب ، ومجلة المنبر ، ومجلة الاتحاد الإسرائيلي القرائية للتوثيق، وللحديث عنهم بلسانهم.

وبالرغم من أن العمل بحاجة لوجود مقدمة أو تصدير له خاصة وأنه أشبه في منهجه واستناده على مصادر أولية ومراجع ثانوية موثقة بالبحث العلمي إلا أنه  بمثابة جولة متعمقة داخل الوجود الأنثروبولجي والجغرافي لليهود في مصر بصفة عامة وللقرائيين بصفة خاصة، كما أنه يعتبر لبنة مكملة لكتاب ” ناحوم أفندي” في ثوب اجتماعي، ودعوة مضمرة للموضوعية في النظر لطائفة عاشت بين الانتماء الكامل والتعايش المنقوص.للكاتبة أعمال أخرى منها: سيدة القصر، سلسال الباشا ، على عتبة المقام.


★سكرتيرة التحرير.

مقالات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى