سيف الأمير:”الأرتيست”.. مسرحية إنسانية تُعيد الاِعتبار لقيمة الفنان.


سيف الأمير★
في عرض مسرحي استثنائي، قَدَّم المؤلف والمخرج “محمد زكي” مسرحيته الجديدة “الأرتيست”، التي تجاوزت حدود السيرة الذاتية، لتغوص في أعماق معاناة الفنان، مُستلهِمة من حياة الفنانة الكبيرة “زينات صدقي” رمزاً لصراع المرأة في الوسط الفني.
العمل جاء ليطرح تساؤلات وجودية حول قيمة الفنان في المجتمع، وليعكس النظرة السلبية التي واجهتها المرأة الفنانة في مجتمعات مُحافِظة ترى الفن خروجاً عن الأعراف.
الفكرة والمضمون: إنسانية الفنان خلف الكواليس
اِستلهم “محمد زكي” فكرة العرض من موقف مؤثر تعرَّضت له “زينات صدقي” حين دُعيت لتكريم من الرئيس “أنور السادات” ولم تجد فستاناً يَليق بالمناسبة. من هذه اللحظة الإنسانية، اِنطلق النص ليعالج قضايا الخذلان والعزلة والتضحية في سبيل الفن، مُقدِّماً رؤية فلسفية عميقة عن الفنان الذي يواجه التهميش رغم عطائه.

الإخراج: “محمد زكي” رؤية بصرية وعمق رمزي
بصفته مُؤلِّفاً ومُخرجاً، أبدع “محمد زكي” في تقديم العرض بأسلوب التداعي الحر، ليتيح للجمهور الدخول إلى عقل الفنانة والتنقُّل بين مراحل حياتها وأحلامها وانكساراتها. اِعتمد على بساطة المشهد المسرحي، مع توظيف ذكي للإضاءة والموسيقى، ما منح العرض أجواء نفسية مُكثَّفة عكست الحالة الشعورية للشخصية.
“زكي” أثبت قدرته على المزج بين البساطة البصرية
والعمق الدرامي، ليصنع تجربة مسرحية متفردة.
النص: شاعرية مُكثَّفة، ولغة فلسفية.
النص الذي كتبه “زكي” تميَّز بلغة شاعرية مكثفة، جمعت بين الحوار الواقعي والتأملات الداخلية، ليمنح العرض طابعاً فلسفياً وإنسانياً.
لم يكن الهدف إعادة سرد حياة “زينات صدقي”، بل تحويلها إلى استعارة كبرى عن الفنان الذي يُواجِه التهميش والخذلان.

الأداء التمثيلي: “هايدي عبد الخالق” تجسيد صادق لشخصية “زينات صدقي”
قدَّمت الممثلة “هايدي عبد الخالق” أداءً استثنائياً؛ حيث مزجت بين خفة دم “زينات صدقي” المعروفة، وعمق معاناتها الإنسانية.
تنقَّلت ببراعة بين مشاهد الفرح والحزن، وأظهرت قدرة عالية على التعبير الجسدي والصوتي، ما جعل الجمهور يتماهى مع الشخصية ويتعاطف معها بصدق.أداؤها كان أحد أبرز عناصر نجاح العرض.
عفاريت تمثيل وأكثر من جوكر لمعوا على المسرح، تألَّق أغلب أو كل الممثلين على نحو يندر حدوثه في أي عمل فني؛ حيث كان كل ممثل نجماً في دوره، توهَّج حتى أشعل خشبة المسرح فناً وإبداعاً ومن هؤلاء المبدعين: “فاطمة عادل، وإيهاب بكير، وياسمين عمر، وريم مدحت، ومارتينا هاني، ومحمود الغندور، ومحمد زكي، وأحمد الجوهري، وإبراهيم الألفي، ومحمود الحلواني، وفيولا عادل، وياسر أبو العينين، وعبد العزيز العناني”.

الموسيقى: إضاءة داخلية للأحاسيس
لعبت الموسيقى والمؤثرات الصوتية ل”خالد مَنشي” دوراً داعماً ومُؤثِّراً، إذ ساهمت في تعزيز الأبعاد النفسية للمشاهد دون أن تطغى على النص، أو الأداء. حضورها كان بمثابة جسر يصل الجمهور بالحالة الشعورية للشخصية، ويُعمِّق من أثر العرض.
وكان الديكور لـ “فادي فوكيه” بطلاً من أبطال العرض، إذ اشترك بفاعلية في إتاحة مستويات مختلفة، وأبعاد متعددة حتى أمام خشبة المسرح؛ ليتيح مساحات مختلفة وثرية لمختلف الشخصيات للتعبير عن مكنوناتها بتمكُّن ومهارات عالية.
وأجاد كلٌ من “أميرة صابر ومحمد ريان” في دِقَّة الملابس، لا لتعكس فقط الحقبة الزمنية المعاصِرة لحياة الفنانة، بل أيضاً لتناسب كل شخصية من حيث السمات الخارجية والسمات الداخلية.
وقد جاء المكياج لـ “إسلام عباس” مُتسقاً باتزان، مما منح جمالاً شكلاً وأدائياً للعرض.

السينوغرافيا :
بساطة مُعبِّرة
جاءت السينوغرافيا بسيطة، لكنها مُعبِّرة؛ حيث استُخدم الفضاء المسرحي بشكل رمزي ليعكس عزلة الفنانة في لحظات الاِنكسار، وانفتاحه في لحظات الأمل. هذا التوظيف الذكي للفضاء المسرحي أضاف بُعداً بصرياً يُعزِّز من قوة النص والأداء.
وكل ذلك تحت قيادة وإشراف الفنان “شادي سرور”، وتقديم مختلف أوجه الدعم من الأب الروحي الدكتور “أشرف زكي” نقيب المهن التمثيلية” والذي أصرَّ المخرج على توجيه التحية الحارة والشكر والاِمتنان له في ختام العرض على كل ما يُقدِّمه من سُبُل دعم وعون بسخاء وكرم.
كما وحضر العرض كوكبة من الشخصيات العامة والفنانين الكبار؛ حيث حضر السيد المهندس “خالد عبد العزيز” رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، ووزير الشباب والرياضة السابق، والنجمة الكبيرة الداعمة دائماً للفنانين الجدد الفنانة “إلهام شاهين، والفنان المخرج محمد نصر والشهير بالسادات” لتألقه في دور السيد الرئيس “محمد أنور السادات”، وقد أشادوا جميعهم بالعرض، وظلوا واقفين في نهاية العرض وهم يصفقون بحرارة لفريق هذا العمل الفني الرائع.

“الأرتيست” عمل مسرحي ناضج، ينجح في تحويل قصة شخصية إلى قضية إنسانية عامة. بفضل النص الشاعري لـ”محمد زكي”، وإخراجه العميق، وأداء “هايدي عبد الخالق” المُتقَن، والتمثيل الجماعي شديد الإتقان، والموسيقى والسينوغرافيا الداعِمة، جاء العرض تجربة مسرحية تستحق التقدير والإشادة.
إنه عمل يطرح أسئلة مؤلمة عن الفن والهوية والاِعتراف، ويُعيد الاِعتبار لقيمة الفنان في المجتمع.
★كاتب صحفي ـ مصر.




