ضحى السلاب: وداعاً ” داوود عبد السيد ( المواطن .. سارق الفرح )”.


ضحى السلاب★
وسط ضجيج العالم المتسارع، تظل أفلام “داوود عبد السيد” هي المأوى الدافئ لنفس ضائعة، وجدت ضالتها خلف أبواب خشبية عتيقة؛ حيث تنسج كاميرته حكايتها في زقاق بعيد لا يراه أحد، ولكن يراه “داوود عبد السيد” فبينما يركض العالم خلف الحداثة، يختار هو تلك الزاوية البعيدة التي يستطيع أن يرى منها رسائل البحر وونس المقاهي، المنبعث منه رائحة التبغ والغبار وكذلك الأحلام، فالمكان هنا ليس خلفية صمّاء، بل هو بطل العمل الذي يرسم له ملامح واضحة وأصوات حقيقة.

ذلك هو “داوود عبد السيد” كما ألقبه في رأيي ” بالمواطن … سارق الفرح ” ، والذي ولد عام ١٩٤٦ بحي مصر الجديدة، وحصل على بكالوريوس الإخراج والتصوير من المعهد العالي للسينما عام ١٩٦٧ ، هذه الدفعة التي تضمنت أهم مخرجى السينما المصرية، مثل علي بدر خان، وخيري بشارة.

بدأ “عبد السيد” حياته الفنية ناقداً فنياً ومساعد مخرج في أهم أفلام السينما المصرية، مثل “الأرض” ليوسف شاهين، و”الرجل الذي فقد ظله” لكمال الشيخ، و”أوهام الحب” لممدوح شكري.
انتقل بعد ذلك لإخراج الأفلام التسجيلية، فأخرج ثلاثة أفلام، وهي: (وصية رجل حكيم في شئون القرية والتعليم) عام ١٩٧٦ ،و(العمل في الحقل) عام ١٩٧٩ و(عن الناس والأنبياء والفنانين) ١٩٨٠.
ثم بعد ذلك قدَّم أول أفلامه متأخراً عن مخرجي دفعته، ولكنه صنع السينما الخاصة به، فقَّدم “الصعاليك” عام ١٩٨٥ والذي تدور أحداثه حول صديقين من الصعاليك هما “مرسي” ” نور الشريف، و”صلاح” ” محمود عبد العزيز “اللذان يقطنان فى الإسكندرية، يتزوج الأول من إحدى البائعات تُدعى “صفية” ” يسرا “، ثم يتوجهان بعد ذلك إلى صفقات تهريب المخدرات، التى تنقلهما من قاع المجتمع إلى قمة الثراء والنفوذ.

وقدَّم فيلمه الثاني “البحث عن سيد مرزوق” عام ١٩٩١، والذي يُعَدُّ واحداً من أهم أفلامه؛ حيث قدَّمه بطريقته الخاصة، والذي تدور أحداثه حول يوسف ” نور الشريف ” موظف بريء وساذج، يخرج في يوم إجازته ليلتقي بشخصيات غريبة منها صعلوك، يرتدي ملابس شارلي شابلن، “سيد مرزوق” على حسنين” ملياردير غريب الأطوار متعدد الوجوه، شخصية مليئة بالتناقضات والغموض، يعشق الليل وجلسات المزاج، ومن خلال البحث عن ذات سيد مرزوق يجد نفسه، متهمًا بالقتل.
ثم قدَّم بعد ذلك فيلم “الكيت كات” ١٩٩١ سيناريو وحوار “داوود عبد السيد” عن قصة ” المالك الحزين لإبراهيم أصلان، والذي كان يعتبر نقطة انطلاقته الحقيقية، ومعرفة الجمهور البسيط به؛ حيث خاطب “عبد السيد” فى ذلك الفيلم ، “الطبقة المطحونة” من الشعب، والذي تناسى مشاكل الحياة بالحشيش والغناء، فقدَّم شخصية الشيخ حسني ” محمود عبد العزيز ” الكفيف أشهر شخصيات السينما المصرية حتى الآن ، الذي لا تمنعه إعاقته من حب الحياة والاستمتاع بها كالأطفال ؛ حيث صوَّر لنا “عبد السيد” الحارة، كأنها “شرنقة” تحمي أبطالها، وفي نفس الوقت تخنق أحلامهم، لكنها لا في نفس الوقت تعطيهم الأمل أن غداً.. سيكون أفضل، وهو ما عَبَّرَ عنه الشيخ حسني بغنائه على العود عدة أغانٍ ، مثل ” يلا بينا تعالوا …. يا صحبجية … البلبل غنى على ورق الفلة”
ومن هنا نجد أن مدرسة “عبد السيد” فى الإخراج، واحدة من أعمق وأهم الاتجاهات فى السينما المصرية والعربية؛ حيث صُنِّفَ كأحد أعمدة “الواقعية الجديدة” التى ظهرت في الثمانينيات؛ حيث تَمَيَّزَ بأسلوب خاص، جعله يُلقب ب” فيلسوف السينما المصرية” ؛ حيث يُسَخِّرُ كاميرته للتفتيش عن ما وراء الواقع، وصَنَعَ من الشخصيات الهامشية الوحيدة أبطالاً، تعيش في صراعٍ داخليِّ، قبل أن يكون صراعاً مع المجتمع نفسه، فشخصياته لا تبحث عن المال أو السلطة، ولكنها تريد أن تصل بهواياتها الذاتية إلى قَدْرٍ كافٍ من التحقُّق، يُشعِرُها بأنها إنسان يستحق الحياة .

وتوالت بعد ذلك أفلامه التي أَثْرَتْ السينما المصرية، رغم قِلَّتِها، ومنها “أرض الأحلام” من بطولة فاتن حمامة ويحيى الفخراني ، و” رؤوف الساحر” عام ١٩٩٣ تأليف هاني فوزي؛ حيث نرجس التي وجدت من دار المسنين مرآة، رأت فيها إحدى النزيلات التي تمتلك صوتاً عذباً، وهي تخبرها أن لياليَ العمر معدودة… فاختارت أن تكمل رحلتها في الحياة مع رؤوف، بدلاً من حياة ” أمريكا” التي لا تعرفها.

و”أرض الخوف ” سنة ٢٠٠٠ تأليف وإخراج “داود عبد السيد” الذي عكس فيه حالة الإغتراب، ومحاولة البحث عن الحقيقة، وصرخة إنسان ضاع في الزحام، ولم يعد يعرف من هو، الفيلم يتجاوز قصة المخدرات، ليتحدث عن الأمانة التي يحملها الإنسان، وصعوبة الحفاظ على الفطرة في عالم ملوث.

فأحمد زكي” يحيى المنقباوي ” ضابط الشرطة الكفء الذي يتم اختياره لمهمة سرية أُطلق عليها ” أرض الخوف ” للكشف عن تجّار المخدرات والبحث عن الحقيقة، وهنا نرى عملية تحوُّل الإنسان التي أراد “عبد السيد” التعبير عنها بداية من تغيير أحمد زكي لاسمه من يحيى الحياة إلى “آدم” أول إنسان على وجه الأرض ” ثم الصراع بين كونه ضابطاً، يُؤَدِّي واجبه الوطني، وبين كونه مجرماً يُمارس تجارة محرمة، حتى يصل إلى مرحلة الضياع، بين سنوات لا يعرفها، فلا التقارير التي يكتبها، تصل إلى الشرطة ولا يمكنه أن يكسر حاجز الصمت بالصراخ، ليعبر عن رفضه أن يظل جزءاً من عالم الجريمة، وهو ما تَمَكَّنَ “عبد السيد” أن يعكسه من خلال الظلال في الإضاءة، لنرى حالة التخبط التي يعيشها البطل، ونسمَعَها من خلال الموسيقى التصويرية لـ “راجح داود” التي أضفت مسحة من الصوفية والحزن على الأحداث.

فيما صنع “عبد السيد” علامة فارقة في تاريخ السينما المصرية عام ٢٠٠١ عندما قدَّم لنا الثالوث المصري في فيلم ” مواطن ومخبر وحرامي” بشكل يُعَبِّرُ عن أقطاب المجتمع الثلاث، الثقافة والسلطة والعشوائية في الطبقة المهمشة، التي جعلت البعض منهم يمتهن مهنة ” حرامي “.
ولكن المفاجأة التى طرحها “عبد السيد” في الفيلم أنه لا يوجد فرق كبير بين سليم ” خالد أبو النجا” المثقف الذي يقرأ ” لكافاكا” والمخبر ” فتحي عبد الغفور ” صلاح عبد الله ” و بين الحرامي ” شريف المرجوشي” ” شعبان عبد الرحيم، فسليم المثقف، اِنتهى به الأمر لكتابة أفلام مقاولات بهدف الربح، والمخبر يستغل سلطته التنفيذية، لتحقيق مصالحه الشخصية، والاِثنان يجمعهما القدر بذلك الحرامي، الذي يسرق شقة «سليم» فيعيدها المخبر ” فتحي” بالمسروقات، ولكن «سليم» لا يجد روايته التي انتهى من كتابتها، فتخبره «حياة» ” هند صبري بأن روايته مع «المرجوشي» المطرب الشعبي صاحب الفلسفة، وأنه يريد أن يراه، فيذهب إليه، ويأخذها منه فيسرقها «المرجوشي» مرة أخرى، فيضطر «سليم» أن يفقأ عينه بعد أن قام«المرجوشي» بحرقها أمامه، لكن «سليم» يشعر بالندم، فيتشاركان في دار نشر كبيرة، ويُصدر «سليم» أولى رواياته، ويطرحان في الأسواق، أول شريط كاسيت للمرجوشي، فهنا نجد براعة “عبد السيد” كمؤلف ومخرج للفيلم في اختيار ” شعبان عبد الرحيم” اللص الذي يمتلك فلسفة خاصة في كتابة أغانيه، والذي جسد “عبد الرحيم دوره” ببراعة، مُعَبِّرَاً عن ذوق الطبقة العشوائية في المجتمع ، وهنا يحذر “عبد السيد” من عشوائية المجتمع التي لا تفرق أحياناً بين المتعلم والجاهل، من أجل تحقيق المصالح الشخصية، وأن الجميع متورط، ولا يوجد شخص بريء من الخطأ تماماً، مهما كانت سلطته أو ثقافته .

الأمر نفسه بالنسبة لفيلم “سارق الفرح ” ما بين عامي ١٩٩٤ و ١٩٩٥ عن قصة “خيري شلبي” ؛ حيث حاول “عبد السيد” هنا رصد مشاعر المهمشين وأحلامهم البسيطة، وذلك من خلال جعل ” تلال المقطم” مكاناً للأحداث، لأنه بالرغم من أنها تُطِلُّ على القاهرة من أعلى، إلا أن سكانها يعيشون فى القاع ، يعيشون بالقرب من ” الفرح “؛ حيث القاهرة الصاخبة بأنوارها ، لكنهم محرومون منه، وكأنهم يعيشون في جزيرة معزولة، وبالرغم من ذلك يحاول “عبد السيد” أن يسرق الفرح من قلب الظلام، ويأخذنا مع أبطاله أحلام ” لوسي ” و”عوض ” ماجد المصري” في رحلة البحث عن جهاز العروسة، بالرغم من ضغط الحاجة والمجتمع .
فبَيَّن الواقعية السحرية وعزلة أبطاله النبيلة، صاغ “عبد السيد” عالَماً لا يشبهه فيه أحد، حتى رحل عن عالمنا عن عمر يناهز ٧٩ عاماً فى٢٧ ديسمبر ٢٠٢٥ بعد صراع مع مرض الفشل الكلوي، لكنه ترَجَّل عن صهوة الكاميرا بمحض إرادته في نهاية عام ٢٠٢١خلال مداخلة مع إحدى الفضائيات المصرية ، وقال وقتها إنه لم يتخذ وقتاً طويلاً للتفكير في القرار، مشيراً إلى أنه أدَّى رسالته الفنية، عبر أعماله التي قدَّمها منذ سبعينيات القرن الماضي تاركاً لنا ” رسائل بحر” فى محيط السينما العربية يملؤها ” قدرات غير عادية ” من الحب …الصدق … الشجن … الإنسانية… الحزن …الصمت ، لا يمكن أن تموت ابداً.
المصادر:-
١- موقع بي بي سي نيوز عربي… عطية نبيل ” وفاة المخرج المصري داوود عبد السيد عن ٧٩ عاماً بعد صراع مع المرض … ٢٧ ديسمبر ٢٠٢٥.
٢ـ موقع اليوم السابع… مى فهمي”داود عبد السيد” مخرج لا يعترف بأنه أستاذ فى مدرسة سينما المؤلف” ٢٣ نوفمبر ٢٠١٤.
٣ـ موقع السينما كوم أفلام ( الكيت كات، أرض الأحلام، الصعاليك، البحث عن سيد مرزوق، مواطن ومخبر وحرامي، أرض الخوف، سارق الفرح).
★شاعرة وكاتبة ـ مصر.




