د.كاميليا عبد الفتاح: القبض على جدر البطاطا .رؤية نقدية حول فيلم الحرام ، عن رواية الكاتب الكبير يوسف إدريس .


د.كاميليا عبد الفتاح★
دارت أحداثُ الفيلم ، المأخوذ عن قصة تحمل العنوان ذاته للكاتب يوسف إدريس ، في كفر عبد الواحد الذي يقع في وسط الدلتا وبين إحدى القرى التي يرتحل إليها رجال الكَفْر ونساؤه للعمل في أرضها الزراعية ( ومن هنا جاءت تسميتهم الترحيلة أو التراحيل ) ، لتنقية محصول القطن من الدودة وجمع المحصول مقابل أجر زهيد يحاولون العيش به طيلة العام حتى موعد المحصول الجديد في العام الذي يليه .

تمثل الموقف الدرامي في الفيلم في عثور أهالي القرية التي يعمل فيها الترحيلة على جثة طفل حديث الولادة تبدو على وجهه علامات الموت اختناقا ، ممّا أثار الشكوك حول نساء الترحيلة ، في البدء ، من منطلق النظرة الدونية لهم ، إلى أن اتسعت دائرة الشك ، وشملت نساء القرية جميعهن دون أن يُستثنى في ذلك نساء كبراء القرية ، مثل الباشكاتب والمفتش والناظر . انتهى الأمر على الصعيد الرسمي بتقييد الحادث ضد مجهول ، في ملفات النيابة ، أمّا على صعيد الواقع فقد تبين تورّط إحدى نساء الترحيلة في هذه الفضيحة ، وهي عزيزة ( قامت الفنانة فاتن حمامة بدورها ) . ومن خلال نوبات الهلوسة التي انتابت عزيزة بسبب إصابتها بحمى النفاس ، عاد الفيلم إلى بداية الأحداث التي أفضت إلى هذه المأساة ، من خلال تقنية الاسترجاع ( الفلاش باك ) ، لنرى عش الزوجية الذي ضم عزيزة وزوجها عبد الله ( الفنان عبد الله غيث ) وهو يُبنى على الصبر والمحبة وعملهما معا أجراء في الحقول ، مع تربية طفليهما ، إلى أنْ يقع عبد الله مريضا بالفشل الكلوي بعد أن نهشته البلهارسيا مما ينتج عنه عجزه عن العمل ولزومه البيت واضطرار عزيزة إلى العمل في مساعدة نساء القرية في الخبيز وحمل القش والبوص لقاء بضعة أرغفة وقطعة من الجبن ، إلى أن يشتهي زوجُها أن يأكل البطاطا المشوية فتقرر الحصول عليها من حقل أحد ملاك الأراضي في الكفر ( محمد بن قمرين ) ، الذي يطمع فيها لحظة سقوطها، وهي تلتقط حبات البطاطا التي كان يلقيها إليها ، فيهم بها ، وتستسلم له عزيزة بعد مقاومة يسيرة. تفشلُ عزيزة في إجهاض مولودها حتى يحين الموعد الجديد للترحيلة ، فتستقل عربة اللوري مع أهل الكفر بمفردها ، وتضع مولودها تحت شجرة كبيرة دون أن يشعر بها أحد ، لكن المولود يطلق صرخاته الأولى ، فتضع كفها برفق على فمه حتى لا تُفتضح ، وتغفو من الإعياء ، لتجد المولود قد مات مختنقا من كتم أنفاسه دون قصد منها . . ومع اشتداد حمى النفاس ، وفتكها بجسد عزيزة ، يدرك الجميعُ أنها أم الطفل المخنوق ، ويزداد الأمر وضوحا باعتراف عزيزة في نوبة من نوبات الهلوسة التي أصابتها بسبب الحمى ، ومحاولاتها المتكررة للانتحار في الترعة ، والركض إلى الشجرة التي شهدت ميلاد طفلها ووفاته ، إلى أن تموت في الموضع ذاته من هذه الشجرة ، ويُحمل جثمانها في عربة اللوري التي تحمل ( الزوادة ) إلى القرية كل يوم ، وتتحول الشجرة التي شهدت هذا الحدث إلى مزارٍ ، ورمز للخصوبة ، تقصده كل امرأة عاقر بقصد الإنجاب ، ولكن من حلال .

سينحصر معنى الحرام ، في ذهن المشاهد العادي ، في العلاقة المحرمة التي حدثت بين عزيزة ومالك الأرض ، الذي استغل سقوطها وهي تلتقط حبات البطاطا فهجم على جسدها ولم يفلتها ، وربما لا يفطن هذا المشاهد إلى دلالات أخرى أو وجوه أخرى للحرام أراد الكاتبُ أن يلقي الضوء عليها ، وبقوة لافتة ، ليطلق ما يشبه الصرخة تحذيراً وتثويراً .

العلاقة غير المشروعة التي حدثت بما يشبه الاغتصاب ، من قبل صاحب الأرض ، وما يشبه الاستسلام من قِبل عزيزة ، وجهٌ من وجوه الحرام التي قصد عنوان الفيلم إلى إظهارها بهذه المعالجة الثورية ، لكنها اتُّخذتْ رمزا ، ومعادلا موضوعيا ، لحدثٍ آخر محرم ، تمتد أبعادُه إلى أعمق ممّا يحدث بين الرجل والمرأة ، هي استيلاء الإقطاعي على حق الفلاح واستغلال ضعفه وفقره ، بما يوازي اغتصاب عزيزة لحظة سقوطها في الحقل بسبب لهفتها على التقاط حبات البطاطا التي تشتهيها أسرتها الفقيرة .
يدعمُ رؤيتي هذه الجملة الفاتنة ببساطتها ، غائرة المعنى ، التي حرص الكاتبُ على أن يسوقها على لسان عزيزة في مواضع بعينها من تصاعد المد الدرامي ، أعني قولها الذي صار يتردد كالمثل على لسان الناس :
جدر البطاطا كان السبب يا ضنايا ..!
رددت عزيزة بهذه الجملة وهي تنتحب فوق سطح بيتها بعد فشل محاولتها في إجهاض جنينها ، وكانت بمثابة الاعتراف وإيذانا بتصاعد الأزمة ، كما رددتها في نوبات الهلوسة من وطأة الحمى وهي تناجي طفلها الذي توفي بسببها وتركته تحت الشجرة هاربة من الفضيحة .
جدر البطاطا هو كلمة السر في هذا العمل ( السينمائي/ الروائي ) ، هو تفسير المأساة ، ومحورها ، لأنه يصوب الاتهام إلى الجوع ، الطعام المفتقد ، بأنه السبب في ارتكاب الحرام ، أنه الحرام بالمعنى العميق غير المباشر ، أو الحرام الذي أفضى إلى الحرام .
وفق هذه الرؤية ، توجه الكاتب ، سواء الأديب أو كاتب السيناريو ، بالإدانة للطرفين ، الأول لتهجمه واغتصابه . والثاني لضعفه واستسلامه . وقد اعتمد السيناريو على إظهار تورط عزيزة في هذه العلاقة بأكثر من إشارة فنية ، من بينها إشارة الصوت التي تمثلت في الصيحة التي انطلقت من عزيزة حين همّ بها صاحبُ الأرض ، وهي تحاول مقاومته ، فقد جاءت مماثلة لصيحتها التي انطلقت منها حين غازلها زوجُها وركض خلفها مصرا على معاشرتها ، فوق أكوام القش ، صبيحة عرسهما ، وهي تمانعه في دلال . دلالة الصوت في الصيحتين لم تكن تحمل استنكاراً جاداً ، أو رفضاً قاطعا . إشارة أخرى مهمة ، دلت على تورط عزيزة في العلاقة الجسدية المحرمة المشار إليها ، تمثلت في اعترافها الصريح فوق سطح بيتها ، حين قامت بعدة محاولات لإجهاض الجنين الذي كبر في بطنها وبدأ يهددها بالفضيحة ، فقالت من بين ما تضرعت به إلى الله :
الشيطان كتّفني ..!
تضافرت كل عناصر الفيلم لتحقيق هذه الدلالة بصورة قوية مُدهشة ، قابلة ، في الوقت ذاته ، للتفسير الظاهري لمعنى الحرام ، والذي لا يتجاوز لدى المشاهد العادي حدود العلاقة المحرمة التي وقعت بين عزيزة وأحد ملاك الأرض الزراعية . ووفق هذا المعنى ، بدت جثة اللقيط كأنها الحجر الثقيل الذي كشف مستور القرية و فتح الباب الموارب لفضائح بعض نسائها ، بما يعد صفعة على وجوه رجال القرية الذين كانوا يتعاملون مع أهل الترحيلة بازدراء واستعلاء ، وصل إلى حد الاحتشاد والتظاهر لطردهم ، بعد افتضاح مأساة عزيزة ، واتهامهم بتدنيس قريتهم الطاهرة . ويبدو هذا الموقف معنى من معاني العنصرية والطبقية التي عالجها الكاتب جنبا إلى جنب قضية الإقطاع واستغلال حقوق أصحاب الأرض الأصليين .
تبدأُ الأحداث في التحرك في هيئة دوامات أثارها إلقاء الحجر الثقيل فيها عند العثور على جثة الطفل ، كما ذكرت ، بالسؤال الذي يوجهه أحدهم إلى ناظر الزراعة ( قام بدوره الفنان زكي رستم ) :
ودي مين دي بس اللي عملتها ؟
تتفتح أبواب البيوت المشكوك في نسائها أمام أعيننا في الشاشة ، وتضطلع الصورة بدور الشهادة على كل فتاة ، أو امرأة ، دارت حولها دوامات الارتياب ، ومنهن ليندا ابنة الباشكاتب مسيح أفندي التي يقف صفوت ابن الناظر قريبا من نافذتها دائما متعللا باصطياد اليمام ببندقيته ، بل إن الباشكاتب نفسه يرتاب فيها حين ترقد مريضة في فراشها . وتدور أسماء النسوة المشكوك فيهن على ألسنة رجال القرية في سهراتهم :
البت نبوية ولية فاجرة وماشية على كيفها .
تكونش البت عيشة ؟
يا شيخ حرام عليك دي ولية مكسورة الجناح .
أنا عقلي بيقول إن اللي عمل العملة دي البت فرحانة . صحيح إنها بت بنوت ، بس شايفة كيفها شوية .
متكونش ليندا بنت الباشكاتب ..ماهو صفوت ابن الناظر قاعد تحت الشباك .. واليمام يا ولداه بيطب من العالي !
متكونش ليه البت زكية مرات الواد محبوب ..كان عندها واد قاعد عندها ييجي جمعة ..
على صعيد آخر ، يتفق مع اتخاذ طفل عزيزة حجراً لتحريك دوامات الأحداث ، نلاحظُ التزامن في أحداث الفيلم بين العثور على طفل عزيزة واكتشاف فقس الدودة في محصول القطن ، وانتشار بيضها ، بما يهدد المحصول كله ، مثلما يعد حدث الطفل السفاح تهديدا لسلامة المجتمع وأمنه . يطالعنا هذا المزج في عدة مواضع ، منها الحوار الذي دار بين مسيح أفندي الباشكاتب والناظر ، حين يتهمُ الأخيرُ الترحيلة بأنها السبب في ما حدث :
هم اللي سابوها تفقس .
يقول الباشكاتب في دهشة :
قصدك تولد ..
الناظر في نفاذ صبر :
أنا بتكلم عن الدودة .. الفقس ظهر في الحوض البحري ، وباين حنروح في داهية .
الباشكاتب في سخرية واستياء من الترحيلة :
يسيبوا الدودة تفقس ، والولية اللي خلّفت اللقيط تبقى واحدة منهم .

هذا الخلط الذي يبدو عفويا في الحوار انطلق من رؤية عميقة للمدى الذي بلغه تمددُ الفقر في جسد المجتمع ، بما رُمزَ إليه بولادة الطفل السفاح ، وفقس الدود وانتشار لطعه في المحصول إيذانا بالخراب ، وتهديد المستقبل ذاته .
تضافر هذا المعنى الظاهري لمفردة الحرام مع المعنى غير المباشر المتعلق بإشكالية الفقراء ، وصراع المجتمع في ظل الإقطاع والهوة بين الطبقات ، ممّا يميزُ أعمال يوسف إدريس ، ويمنحها طابعا ثوريا من نوع خاص . وأعتقد أن هذا التضافر هو ما دفع كاتبُ السيناريو إلى بدء الفيلم بلقطة عامة رأسية تظهر فيها منطقةُ الدلتا كلها بصفتها فضاءً مكانيا منتهكا من الفقر وما أفضى إليه من ألوان أخرى من الحرام ، تتعدى حاجز العلاقة الجسدية إلى انتهاكات أخرى . تنتقل الكاميرا إلى لقطة متوسطة لمجموعة من القرى المتلاصقة ، ثم إلى لقطة قريبة تستعرضُ فقر البيوت و بؤسها مع صوت الراوي ( الفنان حسين رياض ) وهو يقول :
” قريةٌ من قرى مصر المنتشرة حول النيل ، نقطة سوداء ضائعة ” .
منح هذا البدءُ دور البطولة للقرية ، لا لعزيزة ، ولفتَ انتباه المُشاهد إلى هامشية وضعيتها وضآلة قيمتها في المجتمع . أما فقرها ، فيصف تفاصيله قائلا :
” مجموعة من البيوت حيطانُها من الطين وأسقفها من القش ، وبين الحيطان وتحت الأسقف ناسٌ ، بشر ، يعملون كثيراً ، ويأكلون قليلاّ . وبين العرق والجوع هناك دائما المرضُ والصبر ” .
تتوالى على الشاشة مجموعة من المشاهد مشتملة على التفاصيل التي وردت في وصف الراوي : بيوتٌ من الطين ، أسقفها من القش ، أطفال بؤساء ، نساءٌ شاحبات يرتدين السواد ( وكأنهن البقعة السوداء الضائعة في وصف الراوي ) ، كلب يأكل من القمامة ، رجل ينام على ساقية لا تدور ( إشارة إلى بطالته ) .
بهذه الكيفية تم تقديمُ الفقر بصفته المأساة الكبرى التي جعلت هذه القرية نقطة سوداء ضائعة ، كما قُدّمت عزيزة رمزا لهذه البقعة السوداء من خلال ارتدائها السواد ، بدءًا من مواقعة صاحب الأرض لها ، واتّشاحها به .

احتشد الفيلم بكثير من المشاهد المُفضية إلى هذه الرؤية ، بدءًا من المشهد الأول ، الذي أعقب مقدمة الراوي ، حيث ظهر ناظر العزبة أو القرية ( الفنان الكبير زكي رستم ) مع المقاول ورئيس الأنفار للاتفاق على شحن عمال التراحيل إلى إحدى القرى للعمل في تنقية القطن من الدودة . يُغلقُ الباب على الرجال الثلاثة ويُكتبُ عنوان الفيلم على هذا الباب ، الحرام، في إشارة رمزية بارعة إلى مسؤوليتهم عن هذا الحرام . وفي المشهد التالي ، يخرج المقاول من بيته مطلا على أهل الكفر الذين أحاطوا بالبيت في ضراعة ومذلة ، وكل منهم يرجو أن يقع عليه الاختيار للحاق بالترحيلة ، ممّا أظهر كفر عبد الواحد بقعة سوداء ضائعة ، كما جاء في وصف الراوي .

اشتمل الفيلم على مجموعة من الكادرات البارعة في دلالتها على تصوير الفقر ، وإنهاض دلالة التثوير المجتمعي ، منها الكادر الذي تكرر أكثر من مرة ، و ظهر فيه حشود عمال التراحيل مع الساقية التي تدور بلا توقف ، في إشارة إلى كدحهم المتواصل ، و امتداد شقائهم بلا نهاية . ظهر الترحيلة في كادر آخر وهم يساقون بالعصا في طابور طويل ، يوازيه من الناحية الأخرى من الطريق طابور من الجاموس والبقر يسوقه أصحابه بالعصا . وفي كادر ثري الدلالة ، اصطف فيه أهلُ القرية في صفين ، على جانبي بيت المقاول ، وهم ينظرون في لهفة وحرمان إلى الصواني العامرة بالطيور المحمرة ، والخبز والأطعمة الشهية ، التي حُملتْ فوق رؤوس الرجال في طابور طويل تهادى بين الصفين ، وأدخلتْ إلى بيت المقاول لضيافة معاون النيابة ورجاله وكبار رجال الكفر. كادر ثالث ظهرت فيه أقفاص الطيور الحيّة وهي توضع في سيارة معاون النيابة بعد انتهائه من الغداء الفاخر، وإسراعه بمغادرة الكفر دون أن يجري تحقيقا جادا في مسألة الطفل اللقيط الذي عُثر عليه مخنوقا تحت الشجرة . جمع هذا الكادر أقفاص الطيور التي رُصت فوق سيارة معاون النيابة ، وبين أعين أهل القرية التي تابعت هذه الأقفاص في جوع واشتهاء ، وكأنّ كلا الطرفين يتعرضان للذبح من قبل الأثرياء : الدجاج والبط ، وأهل الكفر .

من الثوابت الفنية في هذه الكادرات ظهورُ أهل القرية في هيئة الوقوف ، والاصطفاف في طوابير . أما وضعية جلوسهم فتأتي بصورة ثانوية ، لا تتعارض مع دلالة الكدح والشقاء التي ترمز إليها الهيئة السابقة ، كأن تكون عند المرض ( قعدة عبد الله زوج عزيزة في البيت ) ، و في عربات اللوري التي يتكدسون فيها لترحيلهم إلى القرى المجاورة ، أو ساعة السهر التي تعقبُ عملهم الشاق طيلة النهار في تنقية الدودة . وقد حملت جلستهم في هذه السهرات مهمة الكشف عن مدى توغل الفقر في الفضاء المكاني كله ، كفر عبد الواحد والقرى المحيطة به ، بما ينسجم مع خريطة الدلتا التي عرضها المخرج مع صوت الراوي في بداية الفيلم ، وبما يتسق بصورة مدهشة مع هيئة الشجرة التي لجأت إليها عزيزة لولادة ابنها ، إذ تفرع جذعها إلى فرعين ، بينهما مسافة منفرجة ، بما أشبه خريطة الدلتا !
أما ظهور الترحيلة في وضعية انحناء فكانت الأقوى دلالة على شراسة الفقر و مسؤوليته عن دفع فقراء الفلاحين إلى كثيرٍ من المآسي . كان انحناءُ أفراد الترحيلة ضروريا لتنقية القطن من الدودة ، لكنه كان رمزا للعبودية والرق والسخرة واستلاب الروح الإنسانية الكريمة وإخضاعها بالقوة والترهيب ، خاصة أن هذا الانحناء كان مصحوبا بضرب أكتافهم وظهورهم بالعصا ، من الناظر والمفتش والمشرف على الأنفار ، ونهرهم بصوت مرتفع :
وطي يا بت . وطي يا وله . وقد كسر مشرافُ الأنفار ( الريس عرفة ) عصاه التي كان يلهب بها ظهورَ نساء الترحيلة بعد أن بلغه خبر وفاة عزيزة ، بما يعدُ اتهاما صريحا للقهر بقتلها !
قُدمت عزيزة رمزا لهذه الطبقة المنسحقة ، بدءًا من المفارقة الشديدة بين دلالة اسمها ووضعيتها البائسة التي انتهت بها إلى العلاقة المحرمة . صور الفيلمُ هذه الوضعية من خلال عدة مواقف ، وكثير من الكادرات الفنية المشحونة بالدلالة . من ذلك الموقف الذي صور فيه رغبتها في مشاهدة صندوق الدنيا ، يوم العيد ، فدُهش زوجها قائلا :
هو انتي مش عيدتي يا بت ، مش رحتي الجبانة ( القبور ) الصبح ؟!
وعند اشتداد الحمى عليها ، وحين يوصي أحدهم بأن تشتري الدواء ، يقول عرفة ريس العمال :
هيه لاقيه اللقمة عشان تلاقي حق الدوا ..؟!
من ذلك أيضا وجود عنصر القش ، والبوص ، بشكل أساسي في الكادرات الخاصة بعزيزة ، فهي تنام عليه ، وتلد فوقه ، وتحمله فوق ظهرها ، كما في الكادر البارع الدلالة الذي ظهرت فيه وهي تحمل كومة ضخمة من البوص في اللحظة التي مر فيها أمام الكاميرا جمل يحمل كومة مماثلة .
يتركنا الفيلم في حيرة وألم حقيقي ونحن نحدقُ في وجوه الحرام ، ودلالاته المعقدة ، في تضرعها لله على سطح بيتها بعد محاولاتها الفاشلة لإجهاض جنينها :
إنت عالم بالحال ..أنا عارفة إن اللي بعمله حرام ..أموت نفسي واستريح ؟ بس ده حرام ، يعني اللي بعمله ده مش حرام ؟ الشيطان كتفني .أنا غلطانة ..!
الحرام في العبارة السابقة هو إجهاض الجنين ، الانتحار ، الاستسلام للعلاقة المحرمة . لكن الفقر تقدم كل هذه الوجوه ، من خلال توسلها لله :
” إنت عالم بالحال “
عزيزة رمز للمصري العزيز الذي أذله الفقر وأهانه ، رمز لمصر الثرية بأرضها الخصبة التي استباحها عددٌ من اللصوص ، واستعبدوا فلاحيها و حولوهم إلى عمال تراحيل مأجورين لقاء لقمة ( مِش ) ورغيف يابس ، وجلباب ممزق ، وجوع لا ينتهي .

ولأن الوضعية الرمزية لعزيزة رحبة ، باتساع ريف مصر وقراها ، دفع الكاتبُ أهل القرية إلى مشاركة الترحيلة في إخراجها من الترعة ، بعد أن ألقت نفسها فيها من هول فعلتها بطفلها ، ودفع الطرفين إلى جلسة تعارف ومؤانسة ، في الليلة ذاتها ، بعد أن كان أهل القرية يزدرون الترحيلة وينظرون إليهم باحتقار ، كاشفا من خلال الحوار بين الطرفين عن وجود فروق بسيطة بين أهل القرية وناس التراحيل فيما يخص ملكية الأرض الزراعية ، ممّا يعد إنذارا من الكاتب ، يحذرُ فيه من تحول جميع أهل القرى ، وريف مصر ، إلى عمال تراحيل ، إذا استمر بهم الحال على هذه الصورة . بدأ الحوار بسؤال وجّهه أحدُ رجال القرية لأحد عمال التراحيل :
إنتم ليكم بلد زينا ؟
الآخر مندهشا :
إحنا فلاحين زينا زيكو بس معندناش أرض نزرعها .
ومين اللي له أرض يا عم ؟ الحال من بعضه !
ولما انتم فلاحين زينا ، إيه اللي خلاكم تتغربوا بالشكل ده ؟!
وإيه اللي يخلي الناس تسيب بلادها وتتغرب بالشكل ده غير أكل العيش يا ابن عمي ؟!
آه من أكل العيش ده ..هو اللي جاب داغنا .
ومين عارف يمكن يجيب داغنا إحنا كمان ..!
أرى العبارة الأخيرة ، التي سيقت على لسان أحد رجال القرية ، صيحة تحذير من اكتساح الفقر للبلد بأسرها ، أو لمصر بأسرها ، وتخويفا ممّا قد يلحق بمستقبل البلاد ، إذا لم تتم مواجهة الفقر .

لم يكتف الفيلم بهذا التحذير الصريح لإثارة الخوف على المستقبل ، بل اعتمد على توظيف عنصر الطفولة لأداء هذه الدلالة ،حيث كان الطفل في أحداث الفيلم ثمرة العلاقة المحرمة ، وكان قتله إدانة صريحة لكل الأطراف التي دفعت إلى ذلك ، كما قُدم أطفال الترحيلة ، طيلة الأحداث ، في صورة مزرية من الجوع والهزال والمرض ( ومنهم الطفل الذي سرق بقايا الطعام من ضيافة معاون النيابة ) ، فضلا عن ذلك فقد تعمد الفيلم أن يساق خبرُ وفاة عزيزة على لسان أحد الأطفال ، وهو ابن المشرف على الأنفار ، الذي ركض إلى أبيه يبلغ هذا النبأ في جزع ، وكأن المستقبل هنا ، ماثلاً في هذا الطفل ، مُهددُ بموت عزيزة ، بكل ما تحمل من دلالات رمزية رحبة . لا ننسى ، في هذا السياق ، الكلمات الأولى من الأغنية التي ارتفع صوتُ الترحيلة بها في عربة اللوري التي انطلقت بهم وبعزيزة التي جلست تصفق وتغني معهم وهي تحاول إخفاء حملها ، وهي :
يا بلح من غير نوى / حبيت ورماني الهوى .
النوى جنين البلح ، والبلح بدون نوى إشارة استشرافية لموت طفل عزيزة ، كما يمكن أن يكون صيحة تخويف من مجتمع بلا مستقبل .

لا نستطيع في هذا السياق تجاهل الدلالة الرمزية لحمل جثمان عزيزة في عربة اللوري التي تحمل ( الزوادة ) للقرية كل يوم ، إذ بدت ، برمزيتها للفلاح المقهور ، قربانا لزراعة الأرض التي لا يملكها هذا الفلاح .
جاء ختام الفيلم حاملاً رسالة ثورية عبر الصورة ، وصوت الراوي ، عبر عدد من الكادرات الرائعة ، فنياً ودلالياً ، منها الكادر الذي ظهرت فيه مجموعة من النساء ، دون ملامح واضحة ، واقفات وجالسات بين النخيل الشامخ ، متشحات بالسواد ، مما يذكرنا بالوصف الذي ساقه الراوي للقرية في بداية الفيلم :
بقعة سوداء ضائعة . وكأن صناع الفيلم أرادوا اتخاذ أولئك النسوة امتدادا رمزيا لعزيزة ( المتشحة بالسواد ) ، واستشرافا للثورة التي ستنهض رغم وفاة عزيزة ، أو تحذيرا من تعرضهن لمصيرها ، خاصة أنّ ظهورهن كان مصحوبا بقول الراوي :
” وعادت عزيزة إلى قريتها جثة هامدة “
واصل الراوي كلمته النهائية :
“ولكن الناس ظلوا يتساءلون :
أهي خاطئةٌ غسلت بالموت خطيئتها أم شهيدة دفعتها إلى الخطيئة خطيئة أكبر منها :
وطي يا وله .. وطي يابت “
الخطيئة التي دفعت عزيزة إلى ارتكاب الخطيئة هي الفقر ، إذن ، الذي وصفه الراوي بأنه الخطيئة الأكبر من الخطيئة ، والقهر الذي أشار إليه بجملتيه :
وطي يا وله .. وطي يابت .
وفي الكادر الآخر الذي تنتقل إليه الكاميرا نرى رجال القرية في مشهد صامت مهيب وهم يقفون مصطفين في شكل قوس كبير فوق ربوة تحت سماء ملبدة بالغيوم ، مع قول الراوي :
وعاد كل إلى سيرته الأولى . عاد الترحيلة يكدحون تحت وقع السياط . ومرت الأعوام ، وعندما تحرر الترحيلة من رقّ السياط ، كانت الشجرة التي شهدت مأساة عزيزة قد أصبحت مكاناً تزوره النساء الباحثات عن الولد في الحلال لا في الحرام “!

نلاحظ ربط الراوي بين التحرر من رق السياط وبحث الناس عن الولد في الحلال لا في الحرام ، هذا الربط الذي يؤكد ما لمسناه من رؤية الكاتب ( يوسف إدريس ) ، ومن ثم كاتب السيناريو ، من النظر إلى الفقر بصفته الحرام الذي يفضي إلى كل حرام .
تراجعُ الوعي المجتمعي أمام قضية الفقر ، أو تعمد عدم مواجهته ، والمسارعة بإخفاء مسؤولياته عن تصدع المجتمع ، إشكالية أخرى يتوقف هذا الفيلم أمامها ،من خلال حوار قصير يدور بين بعض رجال القرية تعقيباً على تقييد النيابة لجريمة العثور على الطفل السفاح ضد مجهول ، إذ يعلق أحدهم قائلاً في سخرية لاذعة :
هو المجهول ده حيلاقيها منين ولا منين ؟! دي كل جناية يطلع هوه اللي عاملها .

فيلم الحرام
قصة: د. يوسف إدريس
سيناريو وحوار : سعد الدين وهبة
إخراج هنري بركات
تمثيل : فاتن حمامة ،عبد الله غيث، زكي رستم، حسين رياض، حسن مصطفى ،كوثر العسال ،حسن البارودي.
مدير التصوير :ضياء المهدي
إنتاج: منير رفلة
موسيقى: سليمان جميل
سنة العرض : مارس 1965
رشح لجائزة السعفة الذهبية في مهرجان كان الفرنسي عام 1965.تم اختياره كواحد من أفضل 100فيلم سينمائي في تاريخ السينما المصرية.
★أستاذ مساعد في تخصص الأدب والنقد .




