سينما

محمد فهمي: “غريب في بيتي” بين تناول وحيد حامد، وروان جوفي.

 

محمد فهمي

دعونا نلعب لعبتنا السابقة مرة أخرى، وهي مدى التواصل الفكري بين المبدعين في هوليوود، ومبدعينا في مصر، وكما نعلم أن البناء الأساسي لأي فيلم ناجح، هو الفكرة الجيدة، وكيفية تناول صُنَّاع العمل لتلك الفكرة، والأهم استقبال المشاهدين والنقاد لها.

غريب في بيتي 1982
“غريب في بيتي” فيلم مصري تم إنتاجه عام 1982 وهو مقتبس من فيلم أمريكي بعنوان “فتاة الوداع”، وهو من تأليف الكاتب الكبير وحيد حامد، وإخراج سمير سيف، ومن بطولة سعاد حسني، ونور الشريف، وحسن مصطفى.
لن أغوص كثيراً في سرد أحداث الفيلم، “غريب في بيتي” حيث يعتبر الفيلم أيقونة سينمائية مصرية، وأعتقد أن جميع الوطن العربي قد شاهده وأحبه، ولكن ما سنغوص فيه هو الفكرة الفلسفية للفيلم.

فلاح ساذج أكل الأيس كريم بالعيش

هل تتذكر هذا الأفيه الذي ألَّقته الفنانة “علا غانم” في فيلم “محامي خلع” وكانت تلك الجملة/ الأفيه نابعة من خوف “مها” على “بدر النواساني”/هاني رمزي، المحامي الذي اغتر بالهالة المرسومة حول سيدة الأعمال “رشا الورداني”/ داليا البحيري وشخصيتها ومركزها الاجتماعي، وحالتها الاجتماعية المعقدة التي انتهزها المحامي من أجل التقرب منها وإثارة مشاعر الحب بداخلها.
تنطبق هذه المقولة على بطل فيلم “غريب في بيتي” لاعب كرة القدم بنادي الزمالك “شحاتة أبو كف”/ نور الشريف والذي أحرز 6 أهداف في مباراة القمة أمام النادي الأهلي، وهي أول مباراة يشارك فيها كبديل مع الزمالك، وأمام جمهور النادي وأحبوه منذ تلك اللحظة، وأصبح الفتي الذهبي للنادي.
“شحاتة” لاعب مغترب من سكان الصعيد، وليس له أي أقارب في القاهرة، وعلى الفور بعد تألقه قرَّر النادي أن يوفر الراحة والاستقرار، ويبحث له عن بيت يقيم به، ولحسن حظه وليس لسوئه أن النادي قد تعرض لعملية نصب متقنة، فالبيت المقرر أن يسكن به “شحاتة” قد تم بيعه من قبل!!

وكما ذكرت سلفاً أنه لحسن حظه أن شقة بها غرباء، ولكن غرباء لطفاء يعرفون قيمة العادات والتقاليد، وأن السيدة “عفاف”/ سعاد حسني وابنها مثلوا صوت الضمير للاعب “شحاتة” قبل فوات الآوان.
وكان المحرك الأساسي لشخصية “شحاتة” هو الثقة التي اكتسبها تدريجياً في “عفاف”/ سعاد حسني وابنها، وأنهم أصبحوا كعائلته التي تركها خلفه في الصعيد، بحثاُ عن حلمه باحتراف كرة القدم، وأنه يقدر ما فعلته تجاهه وقت هجوم الجمهور، وإدارة النادي عليه بعد تراجع مستواه داخل الساحرة المستديرة.

فيلم locked in

تدور أحداث الفيلم عن سيدة تُدعى “كاثرين” وهي ممثلة تليفزيون معروفة تعيش في قصرها الفخم، برفقة ابن زوجها المتوفَى “جيمي” وكانت وصية عليه، وقامت بتربيته مما جعل علاقتهما مثل أم وابنها، ومعهم زوجته الشابة “لينا” التي تبنتها “كاثرين” بعد وفاة والدتها، واعتنت بها حتى تزوجت من “جيمي”
ولكن أحداث الفيلم بدأت من حيث النهاية المأساوية التي وصل إليها أبطال العمل؛ حيث تسيتقظ “كاثرين” لتجد نفسها في المستشفى بعد أن تعرضت لحادث أليم أدخلها في غيبوبة، ولكن تفاصيل الحادث مجهولة!!
ونتيجة لهذا الحادث جعل “كاثرين” تعاني من “متلازمة الانحباس” وهي أن الجسد لا يقوى على الحراك، ولا تستطيع التحكم فيه، وأيضًا لا تستطيع أن تتحدث، وهذا ما صَعَّبَ مهمة الممرضة “نايكي” والتي تتولى حالة “كاثرين” وتحاول مساعدتها ومعرفة السبب، هل كان مجرد حادث، أم محاولة قتل !؟

هل كانت بالفعل ثقة عمياء، أم استغلال عاطفي؟

بعد أن توفى زوج “كاثرين” ترك خلفه تركة كبيرة، فالقصر ومقتنياته باهظة الثمن جداً، وكان القصر بعيداً للغاية عن المدينة ولايأتيه أحد حتى للزيارة، سوى طبيب العائلة دكتور “روبرت”، ولكن الزوج جعل كل شيء باسم ابنه “جيمي” الذي يعاني من نوبات صرع تأتيه من حين لآخر، واستمرت الزوجة “كاثرين” معه في بيته على الرغم من أنها ممثلة مشهورة، وستعاني من كيفية الاعتناء به، ولن تحصل على شيء في النهاية.

علاقة “كاثرين” و”جيمي” كانت متوترة للغاية، فالأخير لا يثق بها ولا يشعر بأنها تحبه، وأنها لن تصبح أمه، ويتمنى تواجد أمه الحقيقية للحظة بدلاً من “كاثرين”، ودائمًا ما يرسل إليها نظرات لوم وعتاب؛ لأنها قامت بتمزيق كل صور أمه، فهو حتى لا يتذكر ملامحها، ولذلك كان في بعض الأوقات يمتنع عن تناول العلاج حتى تصيبه نوبات الصرع، وتعجز “كاثرين” عن اللحاق بموعد مع مخرج اختارها لعمل جديد، وتبقى للاعتناء به حتى ظهرت “لينا”.

فبعد وفاة والدة “لينا” وهي صديقة سابقة لـ “كاثرين” ولا وفاق بينهما؛ حيث تتغلب مشاعر الغيرة والحقد النابع من المكانة التي حصلت عليها “كاثرين” والقصر، الذي تقيم فيه بعد زواجها من والد “جيمي”.
لكنها لاحظت حينما أتت لزيارتها بعد وفاة زوجها أن “جيمي” يستجيب لـ “لينا” وينصاع لها، ويتناول علاجه بانتظام حتى يقضي أكبر وقت ممكن معها، فطلبت منها المكوث معهم في القصر؛ لكي تعتني بها بعد وفاة والدتها، ولكن الحقيقة أنها ستكون “خادمة” لـ “جيمي” ولعبته الجديدة، التي سيمارس عليها استغلال كل لحظات شبابها، ولا يدعها تخرج للعمل، ولكنه سيمن عليها ويجعلها زوجته.
وأخبرتها أنها تثق بها، وأن هذا المنزل هو منزلها الثاني، ولم تكتفِ بذلك، ولكن أدَّعت الثقة أيضًا في دكتور “روبرت” وهو المشرف على علاج “جيمي” فبالتالي أصبح لجيمي خادمة وطبيبة، وهي تحاول العودة لأمجاد حياتها المهنية.

الدوافع واضحة كالشمس والغموض اندثر:

إن الدوافع واضحة كالشمس تماماً فأحداث Locked in آفة فيلم العمل تدور حول أربعة أشخاص فقط (كاثرين، جيمي، لينا، روبرت) فإذا تعرضت “كاثرين” لحادث أليم وغرق “جيمي” فشكوك المتلقي ستنطلق بسرعة الضوء نحو “لينا” و”دكتور روبرت” لا محالة.
وحتى ظهور الممرضة “نايكي” جاء باهتاً للغاية على الرغم من أن المشهد الأول جاء قوياً للغاية، وأننا نقف أمام شخصية ذكية وشجاعة، قررت مساعدة المريضة لغرابة القصة التي سردت من “لينا”.
ولكن صُنَّاع العمل المخرج “نور وزي”، ” والمؤلف “روان جوفي” أهملا تماماً الصراع الأصيل والعلاقة السامة، التي تجمع “جيمي” و”كاثرين”، وشعرت أن هناك وجهة نظر كانت قد تم تغييرها بعد المشهد الأول بالتحديد.
فتلك البداية القوية التي تنم عن عمل ملئ بالغموض والإثارة، تركوا كل ذلك خلف ظهورهم، وسلطوا الضوء على العلاقة العاطفية التي جمعت بين “لينا” و”روبرت” وبالأخص المشاهد الحميمية المقحمة في كل أحداث الفيلم.
فلم نعرف إذا كان بالفعل عرف “جيمي” فعلة زوجته النكراء أم لا، ولم يحدث مواجهة كلامية بين “كاثرين” والعاشِقَيْن، ولم يتطرَّق صُنَّاع العمل لرد فعل “كاثرين” بعد وفاة “جيمي”، كل ذلك اختفى من أجل ..
لينا : لقد أحببتك يا روبرت
روبرت : وأنا لن أدع شيئاً يؤثرعلى مسيرتي المهنية
ثم مشهد حميمي داخل نفق مظلم، في السيارة، على سرير “جيمي”، أمام حديقة القصر، ولكن دون فائدة تعود على المتلقي وتزيد من إيقاع الفيلم.

كيف صاغ وحيد حامد فكرة “الغريب” وتغلَّب على صُنَّاع هوليود؟
مهارة “وحيد حامد” و”سمير سيف” في “غريب في بيتي” هو تعدد الخطوط الدرامية وتناغمها مع البطلين، فكلا البطلين لهما معاناة مع رفاق العمل، وكلام الناس، الخوف من المستقبل.
فشحاتة له مستقبل كبير كلاعب كرة قدم، أثبت موهبته منذ اللحظة الأولى، ولكن له أعداء من زملائه داخل الفريق، وهم من قاموا بزج “هياتم” الفتاة اللعوب من أجل التأثير على مستواه داخل الملعب، ولم يتأقلم بسهولة على حياة النجوم، واختار أسوأ طريق بها سذاجة منه.
و”عفاف” التي أصبحت أب وأم في آن واحد بعد رحيل زوجها وعليها أن تواجه المجتمع، وتعمل من أجل ادخار ما يكفي لتربية ابنها، والإنفاق على تعليمه، وأيضًا خوفها ممن حولها؛ نظراً لأنها سيدة وحيدة ومعها تركة زوجها وطفل صغير، فمن السهل الإيقاع بها.

نظرة أخيرة
نجح في إضفاء بعض أجواء الغموض، ولكن حتى Locked in الثلث الأول من أحداثه بمجرد ما تم عرض تفاصيل الشخصيات، فأصبحنا بين أربع شخصيات بينهما علاقات سامة، ولكن غير معلنة.
والتمثيل جاء باهتاً للغاية من كافة عناصره؛ نظراً لقلة المواجهات بين الأبطال والكشف السريع عن رحيل “جيمي” وترك كافة الخطوط الدرامية التي تشعل إيقاع الفيلم، واهتموا برتابة العلاقة العاطفية بين “لينا” التي شعرت بأنها تعرضت للاستغلال، وتعيش مع شخص مريض، ولا يريد أن يتحسن وهي لا تعرف العالم الخارجي، فأصبح استمرارها في القصر محتوماً.
ودكتور “روبرت” الذي يبحث عن ملذاته دون الإضرار بسمعته المهنية، حتى صُنَّاع العمل تكاسلوا عن الكشف عن هوية العلاقة بينه وبين “كاثرين” قبل أن تقع “لينا” في شباكه.
الفيلم من بطولة النجمة “فامك جانسن” و”روز ويليامز” و”آنا فرايل” و”فين كول” و”أليكس هاسل” ومن إخراج “نور وزي” وتأليف “روان جوفي”:


★كاتب ـ مصر.

مقالات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى