ضحى السلاب:وداعاً هدى شعراوي زهرة الدراما السورية : التي علمتنا كيف يصنع الدور الصغير ذاكرة جماعية؟


ضحى السلاب★
لا تُقاس القيمة الفنية في الدراما دائماً بحجم الدور، أو مركزه في البناء السردي، بل بقدرة الممثل على تحويل الحضور العابر إلى أثرٍ دائم. في هذا السياق، تبرز تجربة الفنانة السورية الراحلة “هدى شعراوي” بوصفها نموذجاً دالّاً على قوة الأداء الصادق، وقدرته على تجاوز حدود النص والشاشة معاً.
من خلال أدوار شعبية ، اِستطاعت “هدى شعراوي” أن تصنع حضوراً لافتاً، وأن تحفر لنفسها مكاناً ثابتاً في الذاكرة الجمعية للمشاهد السوري والعربي، خصوصاً عبر شخصية “أم زكي” في مسلسل (باب الحارة)، التي تحوّلت من وظيفة درامية بسيطة إلى رمز اجتماعي وثقافي متداول.
لذا نحاول في هذا المقال قراءة تجربة “هدى شعراوي” بعيداً عن الرثاء المباشر، بوصفها حالة فنية تستحِقُّ التأمُّل النقدي، من حيث علاقتها بالبيئة الشامية، وبنية الدور الثانوي، والكوميديا الشعبية.

“هدى شعراوي”… حضورٌ صادق لا يُقاس بحجم الدور:
حضورٌ دافئ لا يُنسى، وملامح صادقة، حَفَرَت اسمها في ذاكرة الدراما السورية؛ هكذا يمكن توصيف مسيرة الفنانة السورية الراحلة “هدى شعراوي”، التي جسّدت أدوار الأم والمرأة الشعبية بصدقٍ. لامَسَ وجدان المشاهد العربي.
لم تعتمد يوماً على البطولة المطلقة، لكنها امتلكت موهبة جعلت ظهورها مؤثراً، وقادراً على ترك أثرٍ إنساني عميق، خصوصاً في أدوار البيئة الشامية.
من الشاغور إلى الإذاعة… البدايات الأولى
وُلدت “هدى شعراوي” في 28 تشرين الأول/أكتوبر 1938 في حي “الشاغور” الدمشقي، ونشأت في بيئة شعبية انعكست بوضوح على خياراتها وأدائها الفني لاحقاً.
دخلت عالم الفن في سن مبكرة جداً، حين اكتشف موهبتها الفنان الكبير”أنور البابا” (الشهير بشخصية أم كامل، وهو عم الفنانة الكبيرة الراحلة سعاد حسني) حيث شاهدها صدفة مع والدتها عند أصدقاء مشتركين، بعدما لفت انتباهه صوتها وحضورها الطبيعي، ليأخذها مباشرة إلى مبنى الإذاعة السورية.
وفي سن مبكرة، أصبحت واحدة من أوائل الأصوات النسائية، التي عُرفت عبر أثير الإذاعة السورية في خمسينيات القرن الماضي، في وقت لم يكن دخول المرأة إلى هذا المجال أمراً شائعاً أو سهلاً.

موهبة متعددة… بين التمثيل والغناء والعمل اليومي
لم تقتصر موهبة “هدى شعراوي” على التمثيل فقط، بل امتلكت صوتاً غنائياً مميزاً، شاركت من خلاله في عدد من الأعمال الإذاعية والتلفزيونية.
وفي صورة تعكس شخصيتها العملية والمثابرة، عملت إلى جانب الفن في مهنة الكوافير، محافظةً على توازن دقيق بين متطلبات الحياة وشغفها الفني.
كما كانت من الأعضاء المؤسسين لنقابة الفنانين السوريين، في خطوة تؤكد وعيها المبكر بأهمية التنظيم المهني والدفاع عن حقوق الفنانين.
رصيد فني متنوع… المسرح والسينما والتلفزيون
تنقّلت “هدى شعراوي” بسلاسة بين المسرح والسينما والتلفزيون ، وقدّمت رصيداً غنياً ومتنوّعاً من الأعمال.
في المسرح ، شاركت في عدد من المسرحيات، من أبرزها:( يوم من أيام الثورة العربية ، عريس لقطة ، لحد هون وبس ، الخانم و السكرتيرة).
أما في السينما ، فقد ساهمت في دعم السينما السورية عبر مشاركاتها في أفلام اجتماعية ورومانسية، منها: ( الشمس في يوم غائم، أوراق مكتوبة ، ذكرى ليلة حب ، حارة العناتر، اتفضلوا ممنوع الدخول ، غراميات خاصة، غرام المهرج).

في الدراما التلفزيونية،اِمتلكت”هدى شعراوي” حضوراً متميزاً في عدد كبير من المسلسلات التي شكّلت جزءاً من ذاكرة المشاهد السوري والعربي، منها:
أيام شامية، عودة غوار، أهل الراية (بجزأيه)، نساء بلا أجنحة، حمام شامي، قلة ذوق وكثرة غلبة، عيلة خمس نجوم، عيلة سبع نجوم، بيت جدي، رجال العز، زمن البرغوث، بطل من هذا الزمان… وغيرها.
أم زكي… الدور الذي تحوَّل إلى ظاهرة
على الرغم من مسيرتها الطويلة، يبقى دور “الداية أم زكي” في مسلسل (باب الحارة) بجميع أجزائه (منذ انطلاقه في ٢٣ سبتمبر عام 2006) من تأليف مروان قاوون، وإخراج بسام الملا ، هو. الأكثر التصاقاً باسمها جماهيرياً.
، وهو الدور الذي منحها شهرة واسعة ورسّخَ صورتها في ذاكرة الجمهور. وبصفتي من متابعي ومحبي الدراما السورية، وخاصة مسلسل (باب الحارة) دفعني الفضول لمعرفة طبيعة شخصية ” أم زكي” وطبيعة حياتها كما كتبها المؤلف من الجزء الأول حتى الجزء الثالث عشر بالمسلسل والذي تناوب على تأليفه “كمال مرة” وغيره، وأيضاً تناوب إخراجه عددٌ من المؤلفين و المخرجين من بعد وفاة المخرج القدير “بسام الملا”، بعد إخراجه للجزء الرابع، وهم ” عزام فوق العادة” و”ناجي طعمي” و” محمد زهير رجب” على إخراج باقي الأجزاء، حتى الثاني عشر، وقد أخرجت “منال عمران” الجزء الثالث عشر.

وحسب منصة تلفزيون النخبة السورية على اليوتيوب، فإن ” أم زكي” كان لقب “هدى حسين الفكهاني” ، وهي امرأة سليطة اللسان ،نقّالة للكلام، تحسد سيدات الحارة المتزوجات و الميسورات مادياً على حالهم، وذلك في قالب كوميدي خفيف ، وبرغم ذلك كانت طيبة خدومة لا تتأخر في مساعدة أحد ، وخاصة عندما استعان بها شيخ الحارة في الجزء الأول لترتيب منزل ” الأدعشري”(زهر الدين الفوال) الذي قام بدوره الفنان القدير “بسام كوسا” وتنظيفه وإعداد الطعام له أثناء قدومه من المستشفى بعد عملية بتر لذراعه، الذي كان معروفاً لدى أهل الحارة بظروفه المادية الصعبة، وخاصة بعد وفاة زوجته. أما عن عملها فكانت تعمل داية و خاطبة بحارة الضبع ؛ حيث تستعين بها الأُسَر في الحارة لمعرفة ما إذا كانت المرأة حامل أم لا ، وذلك حسب العرف السائد لديهم رغم أنها لم تكن تفقه علمياً أي شيء تجاه ذلك الأمر ، فكل السيدات اللاتي كانت تخبرهن أنهن سيضعن صبية كُنَ يضعن بنات، بالإضافة إلى دورها كخاطبة تدخل الكثير من بيوت الحارة، و تجلب الخُطّاب لكثير من الفتيات ، أما بالنسبة لحياتها الشخصية، فهي أرملة ، مات زوجها “أبو زكي” أيام العثمانيين، وليس لديها أولاد، وبالتالي نستنتج أنه من المحتمل أن يكون “زكي” مجرد لقب لها ولزوجها ليس إلا، واستمرت على هذا الحال حتى زَوَّجها المؤلف في الجزء ١٣ و الأخير من المسلسل الذي عرض في رمضان ٢٠٢٣ من شخص يدعى” أبو معروف” وعاشت معه في حارة الصالحية … التي كان يقيم فيها جميع أهل حارة الضبع بعد تدمير الاِحتلال. الفرنسي للحارة في الجزء العاشر ، و بوفاتها انتهت الشخصية، وربما المسلسل إلى الأبد، فمن الصعب إيجاد بديل لها ، وذلك حسب تصريحات المؤلف.

قدّمت “هدى شعراوي” هذه الشخصية ببراعة وعفوية، مُحقِّقَة توازناً دقيقاً بين الكوميديا والنقد الاِجتماعي؛ حيث لم تكن الكوميديا قائمة على المبالغة، بل على كشف التناقضات داخل المجتمع الدمشقي التقليدي: النميمة، الغيرة، صراعات المكانة، وعلاقات الجوار، كما ذكرنا.
وبذلك نجد أن “أم زكي” تحوّلت مع مرور الأجزاء إلى ظاهرة ثقافية شعبية، دخلت اللغة اليومية والنكات المتداولة، حتى بات اسم الشخصية أكثر تداولاً بالنسبة لها بين الناس أكثر من اسمها كفنانة ؛ وهو نجاح جماهيري كبير، لكنه في الوقت ذاته حصرها ضمن قالب محدد الأمر الذي أحزنها حسب تصريحاتها الأخيرة .

القيمة الفنية والإنسانية
تكمن القيمة الفنية للفنانة “هدى شعراوي” في قدرتها على سرقة الضوء دون افتعال.
كانت ممثلة تفهم بيئتها وتُحسن التعبير عنها بصدق وبساطة، وتقدّم شخصيات تشبه الأمهات والنساء اللاتي نراهن في الحياة اليومية، ما منح أداءها أُلفة خاصة لدى الجمهور.
ففي رأيي أن لقب (زهرة) الدراما السورية؛ هو الأنسب لها أكثر من ” أم زكي” خاصة أنها لا تُهيمن على المشهد، لكنها تمنحه الحياة والحرارة والصدق.
الرحيل والإرث
رحلت الفنانة هدى شعراوي يوم الخميس 29 كانون الثاني/يناير بعد تصوير آخر أعمالها مسلسل( عائلة الملك ) والذي سيعرض في رمضان ٢٠٢٦ عن عمر يناهز ٨٧ عاماً، تاركة خلفها مسيرة فنية امتدت لعقود طويلة في الإذاعة والمسرح والسينما والتلفزيون.
وبرحيلها، فقدت الدراما السورية وجهاً شعبياً أصيلاً، ساهم في تشكيل ملامح واحدة من أكثر التجارب الدرامية العربية انتشاراً في القرن الحادي والعشرين؛
حيث أثبتت تجربتها الفنية أن قيمة الفنان لا تُقاس بحجم الدور، بل بعمق الأثر. فمن خلال شخصية واحدة صادقة، اِستطاعت “هدى شعراوي” أن تحفر اسمها في ذاكرة الجمهور، وأن تبقى حاضرة في الوجدان الفني السوري والعربي، لتظل زهرة الدراما السورية.
هدى شعراوي – أو أم زكي اسم خالد في ذاكرة الدراما.
المصادر ..
١ .. منصة تلفزيون كل النخبة السورية … تحليل شخصية أم زكي… أحمد جي تي أس , ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٤
٢… موقع 29 sec … وداعاً “داية باب الحارة أم زكي”.. قصة حياة “هدى شعراوي”… يناير ٢٠٢٦.
٣…بطلة باب الحارة.. مقتل “أم زكي” على يد خادمتها… موقع العربية نت يناير ٢٠٢٦
٤… من هي “هدى شعراوي” ؟ محطات مهمة في مسيرتها الفنية… موقع فوشيا يناير ٢٠٢٦
٥- وداعاً “أم زكي”.. الوجه الآخر “لهدى شعراوي” وأسرار من مسيرتها الفنية الطويلة موقع 24 … يناير ٢٠٢٦.
٦- آخر ظهور للفنانة “هدى شعراوي” تحدثت عن العيش بمفردها… موقع صحفية الخليج .. يناير ٢٠٢٦
٧- “هدى شعراوي”… دخلت الفن بالصدفة وخرجت منه بنهاية مأساوية … شيماء منصور ٢٩ يناير ٢٠٢٦ .. موقع اليوم السابع.
★كاتبة وشاعرة ـ مصر.




